الراكوبة، أخبار السودان لحظة بلحظة

مرحبا بالخدّاعين

0

أحمد يوسف التاي

قبل أعوام مضت استرعى انتباهي أن رئيسي في العمل كان يحدق ببصره نحو "هاتفي"، أحسستُ أنه يريد أن يقول شيئًا ذا أهمية، لكنه اكتفى باستراق النظرات إلى هاتفي بين الفينة والأخرى،كأنه يبحث عن هاتف مفقود.. بعد برهة من الوقت استجمع قواه وتنهد قليلًا ثم قال:(حقو يا تاي تغير تلفونك دا، في السوق جات تلفونات قيافة)...طبعًا في ذلك الوقت لم تغز أسواقنا الهواتف الذكية ولا أحد يعرف الواتساب ولا حتى الفيسبوك...قلت وما عيب هذا الهاتف حتى استبدله بآخر "قيافة"..؟؟!!...

( في الزمن دا ،الناس بتقيّمك بنوع التلفون الإنت شايلو، والعربية الراكبها، تاني اي حاجة مامهمة..!!)..هكذا أجابني رئيسي في العمل...

المظاهر وانخداع عامة الناس بمظهر الأشياء لم يكن أمرًا طارئًا بل هو قديم فقد قال الحق عز وجل مخاطبًا رسوله الكريم محمد "ص": (وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِن يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُّسَنَّدَة )ٌ ... الخ الآية الكريمة، ورغم مظهرهم الجميل لا قيمة لهم فهم والخُشُب المسندة سواء...

وقد أنطلى أمر الرجل الجهلول المهندم الذي كان يرتدي ثياب العلماء على أبي حنيفة، فثنى رجليه الممدودتين تقديرًا وإجلالًا للمظهر الذي رآه من الرجل الجهلول، ولكنه أعاد رجليه إلى وضعهما الطبيعي ومدّاهما عندما انكشف له أمر الرجل الجاهل، وعلم من أمره ماعلم، فقال قولته المشهورة آن لأبي حنيفة أن يمد رجليه..

قلتُ إن انخداع الناس بالمظهرعادة قديمة ولم تطرأ إلى عالم اليوم مع تدفق سيول الهواتف الذكية، والسيارات الفارهة...لكن الفرق بين مجتمعنا ومجتمع ناس أبو حنيفة في التعامل مع المظهر،أنهم ينخدعون مرة واحدة، ويفيقون من صدمة الخديعة ويضعون الأمور على نصابها عندما يكتشفون الحجم الحقيقي لأصحاب المظاهر الخداعة...غير أن مجتمع اليوم يبحث عمن يخدعه ويلهث وراءه بعد اكتشاف حقيقته...لأنه عالم يعشق الوهم، ويدمن الخديعة، عالم ليس لجوهر الأشياء نصيب فيه...

عالم اليوم يجهل أقدار العلماء وينتقص من مكانتهم، ويبجل الجهلاء الفاسقين ويعلي من قدرهم ،لأنه ينظر إلى ما في جيوبهم لا إلى ما في عقولهم...ولو اكتشف أن عقولهم خاوية لن يهتم كثيرًا طالما أن المظهر هو ضالة عالم اليوم وليس الجوهر بالطبع...

انظروا اليوم كم جاهل يقود دفة العلماء والكفاءات في مؤسساتنا المختلفة العامة والخاصة..كم جاهل يحمل شهادة مزورة يتربع بها في عروش مؤسساتنا...كم من جاهل يقود مجتمعاتنا ويتقدم صفوفنا لكونه يمتلك مظهرًا وحسب ...مظهرًا يضاهي مظهر الجهلول الذي اقتحم مجلس العلم لأبي حنيفة..اللهم هذا قسمي فيما أملك.

نبضة أخيرة:

ضع نفسك دائمًا في الموضع الذي تحب أن يراك فيه الله وثق أنه يراك في كل حين.

الصيحة

تعليقك يثري الخبر والمقالات .. فبادر به ولا تكتم رأيك أبداً..

%d مدونون معجبون بهذه: