أخبار السودان لحظة بلحظة من الراكوبة، مقالات سياسية وثقافية

ميراثُ القحط

0

عبد الحفيظ مريود
قالتِ الأخبارُ إنّ إسبانيا رجعتْ إلى تدريس الفلسفة في مناهجها التعليميّة بعد أنْ أوقفتْ ذلك لمدّة خمس سنوات. خبرٌ قد لا يعني شيئاً لعامّة الذين يمرّون على الأخبار، خاصّة في السّودان. ليس في الأمر إثارةٌ من أي نوع. وقد ثبتَ أنّ السّودانيين هم ملوك الإثارة، بامتياز. حدث أنْ مات معلّم قبل أسبوعين أو أقلّ في مدرسةٍ ثانويّة بأم درمان أثناء تدريسه. كان يدرّس الرّياضيات. مات أمام طلّابه. لكنّ هذا ليس بنطال الأستاذة منى مجدي. ولا هو البلاغ المفتوح ضدّها من شرطة النّظام العام. تتغيّر الصور الشخصيّة في البروفايلات على صفحات مواقع التّواصل الاجتماعي، لتحلَّ صورةُ منى مجدي. الكثيرون يعلنون التّضامن مع "قضيّتها". ذلك جيّدٌ في إطار ترسيخ الدّفاع عن الحقوق. لا أحدَ عاقل سيقف إلى جانب قانون النّظام العام، فهو محض افتئاتٍ على الحقّ، العدل، القانون والفضيلة. لكنّ القضيّة ليستْ من الدّرجة الأولى. في أثناء بنطال منى مجدي كانَ معلمو محليّة أو محلّيتين من ولاية غرب كردفان ينفّذون إضراباً عن العمل لتأخّر صرف مرتباتهم لأكثر من شهرين. ولم يرفعِ المعلّمون هناك إضرابهم، حتّى نفّذَ معلّمو محلّية "ود بندة" إضرابهم لذات السّبب. 90% من النّاشطين على الوسائط لا يعرفون ذلك. ولا يعرفون أينَ تقع "ود بندة" نفسها. ليس ثمّة إثارة ههنا، وبالتّالي لا شيء يغري بالمعرفة والتّضامن. لم يعد أحدٌ يحفل بمواجع المعلّمين ولا يتطلّعُ إلى الجَمْرِ الحي الذي يحملونه بأيديهم. يتراجعون إلى ذيل قائمة الاهتمامات وذيل السلّم الوظيفي. مثلهم مثل الممرّضين. حين هدّد وزير التربية بولاية النّيل الأبيض المعلّمين بفصل المعلّمين المضربين، واستبدالهم بجُدُد، شمَ ناشطون حكومة الكيزان لسويعاتٍ ثمّ صمتوا.
أسبانيا ستعود إلى تدريس الفلسفة. لكنّ مناهجنا في كلّيات الآداب بالجامعات، حين تخصّصُ قسماً للفلسفة فإنّها تدرّس تأريخ الفلسفة وبعض ملخّصات للمدارس الفلسفيّة. معلومات سطحيّة لا تقدّم ولا تؤخّر. لا يكادُ خريجُ، بل حتّى أستاذ الفلسفة يقيمُ حجّةً منطقيّة، أو يبني قضيّة محكمة. وفي الغالب يُنظر إليها على أنّها لغوٌ لا طائلَ من ورائه. ويتمّ تدريس الطلّاب مقرّر "الثقافة الإسلاميّة" الذي هو عبارة عن تلفيقات معيبة لا علاقة لها بالثقافة الإسلاميّة. ولم تستدرك الوزارة خطل تدريس "كتاب التوحيد" لمحمّد بن عبد الوهاب إلاّ منذ عام فقط.
كيف لدولةٍ محترمةٍ في القرن الحادي والعشرين، راسخٌ نظامُها التعليمي أنْ تقرّر تدريس محمّد بن عبد الوهاب ضمن مناهج تعليميّة؟ من يقف وراء نشر الظلام في السّودان؟ ساقتْ رئيسَ الوزراء، معتز موسى، قدماه لزيارة وزارة التّربية أو شيئاً من ذلك، وغرّد بأنّه سيولي التعليم أهميّةً قصوى لأنّه عماد النّهضة في موزنات السّودان منذ ثلاثين عاماً، لا يحصل التعليم إلاّ على أقلّ من 2% فقط من الإيرادات. وحين يتصرّم العام، يقولُ جرْدُ الوزارة عادةً بأنّ ما أنفق من الـ 2% لا يكاد يصلُ 1% . فماذا يعني هذا؟
وتقول الأخبار بأنّ المرحلة المتوسطة ستعود. بعضهم يقول إنّ هناك من يقف ضدّ عودتها من النافذين الحكوميين أنفسهم. عودة المرحلة المتوسطة هل ستحلُّ مشكلات التعليم في السّودان؟ القصّةُ أكبر من عودة مرحلة. القصّة في صلب المناهج والاهتمام والمعلّمين والبيئة المدرسيّة وغيرها.
لو أنّ للحكومة ذهنٌ استراتيجي لعرفت أنّ صرفها الباهظ، الذي يفوق الخيال على بعض المؤسسات، خليقٌ به أنْ يتوجّه إلى التعليم. فالتعليمُ إذا لم يُنظَرْ إليه ملفّاً أمنيّاً تكون الحكومة خالطة "موية وزيت". جلّ المشكلات الأمنيّة جذرُها مشكلة في التعليم بدرجةٍ ما. وحتّى القوات التي يتمُّ الصّرف عليها من عوالى مائدة الموازنة، هي نتاجُ أزمةٍ تعليميّة، كان سيتوجّه كلّ هؤلاء إلى "صنعة" مفيدة وخدمات جليلة، عوضاً عن هذا، لو أنّنا نظرنا إلى التعليم غير نظرتنا.

الأخبار

رد