أخبار السودان لحظة بلحظة

الحكومة تستسلم بالكامل لهوامير السوق الأسود عبر آلية صُنَّاع السوق 

6

الهادي هباني 

لسنا هنا بصدد الحديث عن برنامج الصدمة أو السياسات النقدية والإقتصادية الأخيرة للحكومة وعلي رأسها تحرير سعر الصرف وترك أمره لقوي العرض والطلب وفقا لآلية تعمل خارج نطاق البنك المركزي تضم بعض البنوك والخبراء وصنَّاع السوق. فقد تناول العديد من الخبراء والمتخصصين تلك السياسات بالتحليل الوافي من كافة الجوانب وفَنَّدُوا خطأها وعدم جدواها وفوق كل ذلك قساوتها علي المواطن السوداني مباشرة بعد الإعلان عن بدء تطبيقها وحتمية تزايد آثارها الكارثية في مقبل الأيام حيث ستتضاعف معدلات التضخم لمعدلات غير مسبوقة وتصبح أسعار السلع الضرورية اليومية فوق احتمال الغالبية العظمي من المواطنين وستتضاعف معدلات الفقر وفقا لذلك لمعدلات لم تشهدها بلادنا في تاريخها الحديث والقديم.  

لكن الخطير في الأمر والذي يقرأ ما بين سطور قرار تحرير سعرالصرف دون أن تود الحكومة الحديث عنه بوضوح وشفافية اعتقادا ساذجا منها بأنه سيمر علي الناس وينطلي عليهم دون أن يلحظه أحد، هو مصطلح (صُنَّاع السوق). ورغم ذلك فقد اختلط الأمر علي البعض بأن البنك المركزي وفقا لهذا القرار يتخلي عن دوره كصانع أساسي للسوق وتركه لجهة أخري خارج حدود سيطرته. والصحيح أن البنك المركزي في السودان وفي كل بلدان العالم حسب الأسس المتعارف عليها لا يجب أن يكون صانعا للسوق أو طرفا في عملية تداول الأسهم، أو السلع والمعادن، أو العملات. ويجب أن تنحصر مهامه فقط كجهة رقابية منوط بها وضع السياسة النقدية (بشكل يتسق مع السياسة المالية للدولة التي تضعها وزارة المالية) ويعمل علي مراقبتها وضمان التزام كافة أطراف القطاع المالي بها. 

فبعد أن فشلت كل السياسات الخاصة بتحديد سعر الصرف التي اتخذها البنك المركزي خلال الفترة منذ 02 أغسطس 2001م إلي 18 يناير 2018م. وبعد أن فشلت حملات قوش الإنتقامية في محاربة تجار العملة مؤخرا. فقد أصدر بنك السودان المركزي منشور إدارة السياسات رقم (9/2018) لكل المصارف وشركات الصرافة العاملة بالبلاد ألغي بموحبه كل المناشير السابقة الخاصة بسعر الصرف والبالغ عددها 13 منشور ابتداءا  من منشور إدارة النقد الأجنبي رقم (12/2001) بتاريخ 02 أغسطس 2001م الخاص بسعر الصرف التأشيري وانتهاءا بمنشور إدارة السياسات رقم  (06/2018) بتاريخ 18 يناير2018 الخاص بالسعر التأشيري أيضا. وأصبح سعر الصرف ابتداءا من 07 أكتوبر 2018م (تاريخ صدور منشور آلية صُنَّاع السوق) يتحدد بشكل يومي وفقا لما أسماه البنك المركزي في المنشور المشار إليه ب (الآلية المستقلة لإعلان سعر صرف الجنية السوداني مقابل العملات الأخرى وفقاً لمؤشرات العرض والطلب). ووفقا لما تم إعلانه فيما بعد فإن الآلية المستقلة تضم بعض البنوك التجارية والصرافات وبعض الخبراء وصُنَّاع للسوق. 

 

ماذا يعني مفهوم صُنَّاع السوق؟ ومن هم صُناع السوق في بلادنا؟ ولماذا تلجأ لهم الحكومة اليوم في تحديد سعر الصرف وشل نشاط السوق الأسود؟ وما هي النتائج التي تنعكس علي سعر الصرف وعلي حياة المواطنين في نهاية المطاف؟ هذا هو ما نحاول شرحه وتفسيره في هذا المقال. 

من المعروف أن صانع السوق هو عبارة عن شخص أو مؤسسة فردية أو شركة مرخص لها بموجب قانون سوق الأوراق المالية أو سوق السلع والمعادن أو سوق العملات للعمل كجهة يكون لها المقدرة المالية باستمرار علي شراء الأسهم، أو السلع والمعادن، أو العملات في أسواق (بورصات) مصرح بها وبيعها بأسعار شراء وبيع يحددها صانع السوق نفسه. ويتمثل دوره وفقا لذلك (أي دور صانع السوق) في توفير السيولة، أو صنع وخلق فرص أمام المستثمرين في السوق المعين لشراء كمية كبيرة من الأسهم والسلع والمعادن والعقود الآجلة وأدوات التداول الأخري بأسعار شراء وبيع محددة ومعلنة. هذا ولا يتقاضي صانع السوق عمولة فهو ليس سمسارا في أيٌ من البورصات المذكورة ولا يجوز أن يكون كذلك وإنما يحقق ربحه من خلال الفرق بين أسعار الشراء وأسعار البيع التي يعلنها وهو ما يعرف بهامش صانع السوق (Market-Maker Spread). 

و تنبع أهمية وجود صُنًّاع السوق في البورصات العالمية المختلفة (وفقا للمدافعين عن فكرة صُنَّاع السوق) في محاربة ظاهرة ارتفاع أسعار بعض العملات أو السلع والمعادن أو أسهم بعض الشركات عن قيمتها الحقيقية بدرجات كبيرة دون مبررات إقتصادية مقبولة استنادا على الإشاعات والمضاربات. وفي ظل وجود صُنَّاع السوق (وفقا للمدافعين عنها أيضا) لن تكون هنالك عروض بيع للأسهم أو السلع والمعادن أو العملات دون أن يقابلها طلبات شراء، أو وجود طلبات شراء دون أن تقابلها عروض بيع. وبالتالي تحتفظ الأسواق دائماً وفقا لآلية صُنَّاع السوق بالتوازن المستمر بين العرض والطلب وانخفاض الفجوة بين سعرى البيع والشراء، وهو ما يضمن بالتالي القدرة علي تسييل الأوراق المالية والسلع والمعادن والعملات بسرعة ويسر. 

أمّا صُناع السوق في سوق العملات أو (سوق أسعار الصرف الإسمية) فهم أيضا أفراد أو مؤسسات أو شركات أو بنوك ضخمة تمثل حجم صفقاتها المالية جزءًا كبيرًا من إجمالي حجم التداول في سوق العملات مما يجعلها قادرة باستمرار على التأثير في أسعار صرف العملات المتداولة خاصة وأنها كجهات صانعة للسوق، هي التي تحدد أسعار شرائها وأسعار بيعها وفقا لرؤيتها وتحليلها للسوق ووفقا للمعلومات المتاحة لها والتي عادة لا تتوافر لغيرها. وفي الأسواق العالمية الكبري غالبا ما يكون صُنَّاع السوق من كبار المصارف العالمية والمؤسسات المالية الضخمة التي تتجاوز قيمة سلة عملاتها المتداولة عشرات المليارات من الدولارات الأمريكية كبنك دوتشيه وباركليز كابيتال وغيرها من المصارف العالمية الضخمة. ووفقا لذلك تضع قوانين الأسواق المالية العالمية شروطا لابد من توافرها في صُنَّاع السوق قبل أن يتم منحهم الترخيص بمزاولة النشاط من أهمها: 

  1. أن يكون صانع السوق جزءاً من عملية التداول وأن يكون متواجدا باستمرار في السوق. 
  1. أن تكون لديه القدرة المالية علي توفير كمية الأصول المالية المطلوبة سواء كانت أسهم، سلع ومعادن، وعملات ...إلخ وأيضا السيولة الكافية لشرائها في أي وقت من الأوقات. 
  1. أن يكون لديه (سواء كان مؤسسة فردية أو شركة) نظام داخلي رقابي وإشرافي وتنفيذي يضمن التزامه بالقوانين والضوابط الرقابية والإشرافية التي تفرضها الدولة أوتفرضها سلطات الرقابة علي الأسواق. 
  1. أن يكون لديه القدرة المالية التي تؤهله لأن يكون متعهدا باستمرار للشراء والبيع وفقا للأسعار التي يعلنها. 
  1. أن تكون علاقة صُنَّاع السوق دائما عكس إتجاه السوق لضمان استقرار السوق. بمعني أن يكون صانع السوق في عمليات التداول موجود دائما كطرف معاكس في طرفي معادلة التداول وفقا لأسعار بيعه وشرائه المعلنة. بمعني أنه يكون المشتري مقابل عروض البيع المطروحة من المستثمرين وأن يكون البائع مقابل طلبات الشراء من المستثمرين. 

وعلي الرغم من كل هذه الشروط والضوابط الرقابية التي عادة ما تفرضها قوانين الأسواق العالمية والسلطات الرقابية القائمة عليها إلا أن آلية صُنَّاع السوق مكًّنَت الشركات والمؤسسات والمصارف الكبري الهيمنه علي الأسواق العالمية والتحكم فيها من خلال التحكم في سعر الشراء وسعر البيع وفقا للمعلومات التي لا تتوفر لغيرهم في أغلب الأحيان. وتاريخ البورصات العالمية حافل بالفضائح المالية الكبري التي دائما ما يكون أحد صُنَّاع السوق طرفا أصيلا فيها ومن أشهرها فضيحة عملاق السمسرة المتخصص في سوق الصرف وتداول العملات الأجنبية (الفوركس) والعقود الآجلة شركةFXCM  التي انتهت بتغريمها 7 مليون دولار وإخراجها من السوق الأمريكية من قبل الهيئة التنظيمية للأسواق الأمريكية نتيجة لتورطها في علاقتها المشبوهة مع أحدي شركات صناعة السوق التابعة لها والتي ظلت تتمتع دائماً (بموجب هذه التبعية) بامتيازات التداول والإقراض الممنوحة لها من FXCM بدون فوائد خلال الفترة (2009- 2014م). وكذلك فضيحة عمالقة صناعة السوق شركتي سيتادل ((Citadel Investment Group, LLC وكي.سي.جي القابضة (KCG Holdings Inc.) والتي تتلخص في قيام الشركتين باعتبارهما من أكبر عمالقة التجارة الالكترونية بمنح صغار المستثمرين صفقات ضعيفة مقابل تحقيق أرباح طائلة لمصلحتيهما خلال الفترة (2009 – 2012م). وكذلك فضيحة شركة إيرنارد مادوف (Ernard L. Madoff Investment Securities)، عام 2008م كإحدي شركات صناعة السوق العاملة في مجال الأسهم، وغيرها الكثير من الفضائح التي تكشف مدي قدرة صُنَّاع السوق في الأسواق العالمية علي الهيمنة والتحكم في السوق والتلاعب به وتوجيهه وفقا لما تمليه مصالحهم الخاصة. 

وإذا استصحبنا الشروط المذكورة التي يجب توافرها في صُنَّاع السوق عموما وأعدنا قراءة قرار البنك المركزي الخاص بتحرير سعر الصرف وتركه يعمل وفقا لقوي العرض والطلب بموجب آلية تتشكل من بعض المصارف والصرافات والخبراء وصُنَّاع السوق نجد أن الأمر لا ينطبق علي حالة السودان وذلك للآتي: 

أولا: لا يوجد في السودان سوق حرة (أي بورصة) للنقد الأجنبي حتي يكون هنالك حاجة لصُنَّاع سوق. بل علي عكس ما يصرِّح وينادي به وزير المالية الأسبق وعرَّاب سياسة التحرير عبد الرحيم حمدي، لا توجد أصلا مقومات لإنشاء سوق رسمي نشط للنقد الأجنبي في السودان في الوقت الحالي. فخزائن الدولة تعاني شحاً في العملات الأجنبية بشكل دائم نتيجة لتدهور مصادر النقد الأجنبي بشكل شبه كامل ومزمن، والميزان التجاري يعاني عجزا متواصلا ومتزايدا منذ انفصال جنوب السودان عام 2011م نتيجة لزيادة الواردات بما يعادل ثلاثة أضعاف قيمة الصادرات، والفساد المالي والإداري أصبح جزءا لا يتجزأ من منظومة الدولة. والبنوك التجارية تشكو لطوب الأرض من أزمة حقيقية في السيولة أصبحت بموجبها عاجزة تماما عن تلبية حتي احتياجات صغار المودعين واحتياجات القطاع الأسري الاستهلاكية اليومية فمن أين لها توفير سيولة ضخمة تؤهلها للمنافسة في سوق حر للنقد الأجنبي لا وجود له إلا في مخيلة عبد الرحيم حمدي والسيد وزير الصدمة. وحتي سوق الصرف والنقد الأجنبي قصير الأجل المتاح للبنوك التجارية حاليا وفقا لأسعار البنك المركزي السابقة وحتي بعد أسعار آلية صُنَّاع السوق الجديدة تعتبر سوق ضعيفة جدا جدا ويكاد يكون حجم التبادل فيها صفرا تقريبا لأن البنوك التجارية تعاني شحا غير مسبوق في النقد الأجنبي وفي السيولة من العملة المحلية مما أفقدها ثقة حملة الودائع وثقة الناس عموما، بالإضافة إلي أن الأسعار المعلنة في شاشات قائمة أسعار العملات التي تُزيِّن صالات البنوك التجارية أقل بكثير من أسعار السوق الأسود. 

ثانيا: لا يوجد بنك أو شركة أو مؤسسة في السودان تنطبق عليها الشروط المذكورة سابقا والتي يجب توافرها في صُنَّاع السوق عموما بحيث تكون قادرة في أي لحظة من اللحظات علي شراء وبيع كل العروض المتاحة وفقا لأسعار الشراء والبيع التي تحددها. فكل البنوك التجارية تعاني شُحَّاً في السيولة وبعضها علي حافة الإفلاس وحتي البنوك الثلاثة التي تضمنتها الآلية الجديدة لتحديد سعر الصرف مقابل العملات الأجنبية بشكل يومي والمتمثلة في بنك الخرطوم، بنك فيصل، وبنك التضامن وعلي الرغم من أنها الأفضل بين البنوك التجارية الأخري فإن حجم السيولة (النقد وما في حكمه) لدي كل بنك علي حدة دون الاستثمارات قصيرة الأجل في الصكوك والأوراق المالية شاملا حساباتها الجارية لدي البنك المركزي بالعملة المحلية والأجنبية واحتياطياتها النقدية لدي البنك المركزي بالعملة المحلية والإجنبية بالإضافة إلي أرصدتها النقدية لدي بنوك ومراسلين بالخارج لا تتجاوز مجتمعة 9.4 مليار جنيه سوداني بالنسبة لبنك الخرطوم و 2.6 مليار جنيه بالنسبة لبنك فيصل، و2.4 مليار جنيه بالنسبة لبنك التضامن حسب ميزانياتها المنتهية في 31 ديسمبر 2017م المنشورة في مواقعها الألكترونية (فيما عدا بنك فيصل الإسلامي حيث أن آخر ميزانية منشورة له هي ميزانية 31 ديسمبر 2016م) وهي سيولة ضعيفة جدا خاصة إذا كانت النسبة الأكبر من تلك السيولة خارج نطاق سيطرة تلك البنوك ويصعب الحصول عليها أو تسييلها لأنها تمثل حساباتها الجارية واحتياطياتها لدي البنك المركزي وأرصدتها لدي بنوك ومراسلين بالخارج فهي تمثل مجتمعة 93% بالنسبة لبنك الخرطوم و97% بالنسبة لبنك فيصل و91% بالنسبة لبنك التضامن الإسلامي من إجمالي بند النقد وما في حكمه في ميزانيات البنوك الثلاثة علي التوالي. علما بأن أرصدة البنوك الثلاثة من النقد الأجنبي بما في ذلك احتياطياتها وحساباتها الجارية لدي البنك المركزي من النقد الأجنبي بالإضافة لأرصدتها لدي بنوك ومراسلين بالخارج لا تتجاوز مجتمعة 133 مليون دولار بحسب الميزانيات المشار إليها وهو رصيد ضعيف جدا. فإذا اعتبرنا أن حصة السوق الأسود في قيمة فاتورة الإستيراد والبالغة حتي نهاية ديسمبر 2016م 8.3 مليار دولار هو 3.3 مليار دولار أي ما نسبته 40% فإن رصيد البنوك الثلاثة من العملة الصعبة يمثل فقط ما نسبته 4% فقط من حصة السوق الأسود في فاتورة الإستيراد وهي نسبة تكاد تكون معدومة علما بأن حصة السوق الأسود من تمويل فاتورة الاستيراد البالغة 3.3 مليار دولار تعتبر جزءا لا يتجزأ من حجم سوق النقد الأجنبي (الإفتراضي) الذي من المفترض أن تساهم بنوك الآلية وصُنَّاع السوق في تغطيته. وبالتالي فإن البنوك الثلاثة المختارة ضمن الآلية الجديدة لتحديد سعر الصرف اليومي لا تصلح أن تكون من صُنَّاع السوق كما أنها لا تستطيع بوضعها المالي الحالي التأثير علي سوق النقد الأجنبي بأي شكل من الأشكال. أما إذا كان هذا هو حال بنوك الآلية الجديدة فما بالك بحال الصرافات التي تم إختيارها ضمن الآلية أيضا لتحديد سعر الصرف اللهم إلا إذا كانت ضمن الصرافات المملوكة لجهاز الأمن حيث أن الأمن حسبما ذكرنا في عدة مقالات سابقة هو من أكبر الجهات المتحكمة في تجارة العملة خارج نطاق القنوات الرسمية. 

الجهة الوحيدة في السودان التي تنطبق عليها مواصفات صانع السوق للأسف الشديد تتمثل في تجار العملة المتحكمين في السوق الأسود بما فيهم جهاز الأمن والصرافات التابعة له. فهم (أي كبار تجار العملة) علي استعداد دائما لشراء أي كميات معروضة وبيع أي كميات مطلوبة من العملات الأجنبية داخل السودان وخارجه عبر شبكات تداول محكمة ومتطورة تحظي بثقة كل المتعاملين معهم في الداخل والخارج. وأن حجم التداول شراءا وبيعا (برغم صعوبة حصره وتحديد حجمه) إلا أن هنالك رؤوس أموال ضخمة تتحرك في هذه التجارة بشكل يومي للدرجة التي لا يوجد فيها طلب شراء لا يقابله عرض بيع ولا عرض بيع لا يقابله طلب شراء. ويزداد حجم هذا السوق ضخامة من حيث حجم رؤوس الأموال والسيولة بحكم عائده الكبير والسريع لأنه يستوعب في داخله أموال ضخمة ناتجة عن أنشطة خبيثة كتجارة المخدرات وغسيل الأموال وتجارة البشر. فضلا عن أن أي عملات أجنبية تدخل السوق الرسمي عبر خزائن البنك المركزي أوالبنوك التجارية تصل في نهاية المطاف إلي خزائن المتحكمين في تجارة العملة في السوق الأسود عبر بيع حصائل الصادرات وعبر نظام الاستيراد بدون تحويل القيمة وعبر نظام التجنيب وغيرها من الآليات والسياسات الخاطئة للدولة وعلي رأسها البنك المركزي. 

 

وبالتالي فإن قرار تحرير سعر الصرف وتركه لقوي العرض والطلب وفق آلية صُنَّاع السوق هو استسلام وانصياع كامل للحكومة علي أعلي مؤسساتها المالية والنقدية لهيمنة تجار العملة المتحكمين في السوق الأسود وتقنين نشاطهم الخفي وجعله نشاط مقنن ومعلن ومحمي من قبل الدولة وهذا ما يدعمه ما جاء أولا: في جريدة الشرق الأوسط العدد (14558) بتاريخ الأحد 07 أكتوبر 2018م ما نصَّه (ووفقا لمصادر في بنك السودان المركزي تحدثت للشرق الأوسط، فإن الآلية التي سيعلنها اليوم الأحد محافظ بنك السودان المركزي الدكتور محمد خير الزبير، تضم ثلاثة بنوك رئيسية تتعامل في النقد الأجنبي هي (الخرطوم، وفيصل الإسلامي، والتضامن الإسلامي)، وصرافتين وخبيرين اثنين محايدين، أحدهما من كبار تجار العملة في البلاد) وثانيا: ما صرَّح به السيد سعود البرير حسبما هو منشور في الراكوبة بتاريخ 12/10/2018م (وهو شخصية مضطلعة علي بواطن الأمور بحكم مركزه كرجل أعمال وكرئيس لاتحاد أصحاب العمل) عن تواصله وحواراته الشخصية التي يجريها مع تجار العملة الاجنبية بالسوق الموازي لإقناعهم بالعمل في العلن بدلا عن الظلام بعد قرار تكوين الية صُنَّاع السوق وأنه قد وجد تجاوبا من ثلاثة منهم أبدوا استعداداً للاجتماع معهم في الاتحاد. 

فالهدف من قرار تحرير سعر الصرف وفقا لآلية صُنَّاع السوق هو في حقيقة أمره تسليم سياسة سعر الصرف لمافيا تجارة العملة بعد أن فشلت كل سياسات الحكومة السابقة بما فيها سياسة السعر التأشيري وسياسة الحافز وغيرها، وأيضا بعد أن فشلت سياسات ملاحقة تجار العملة ومحاربتهم وانحصرت فقط علي صغار سماسرة تجارة العملة في العاصمة وبعض الأقاليم وعجزت بالكامل عن المساس بكبار تجار العملة برغم أنهم معروفين للحكومة للدرجة التي دفعت بعض كبار المسئولين الحكوميين ومنسوبي المؤتمر الوطني بالمناداة بمكافأة تجار العملة نظير وقوفهم مع الحكومة ومساندتهم لها في الأزمنة الصعبة. وفي استطلاع قامت به شبكة (النيلان) في يوليو 2016م بعنوان (من يدير سوق الدولار في السودان) (يمكن للقارئ الإطلاع عليه بتتبع الرابط  http://www.theniles.org/ar/articles/economics/20385/ ) أن الدولة كانت ولا زالت هي التي تحمى السوق الأسود وتتواجد فيه برأسمال كبير وأن الحملات الأمنية التي يقوم بها جهاز الأمن ضد تجار العملة هي فقط للتغطية والتمويه وأن هنالك أذرع من الأمن الاقتصادي نفسه تدير السوق الأسود وتسيطر عليه. كما أن الحملات التي يقوم بها الأمن في الغالب تكون في حالة فقدان الحكومة السيطرة على العملة أو بسبب حركة غير عادية للدولار في السوق بسبب ضخ كميات مجهولة المصدر، يتم فيها القبض على تجار تحت دعاوى زعزعة الأمن الاقتصادي. لكن السلطات الحكومية علي علم تام وصلة بكل تجار العملة المؤثرين وتخضع لأوامرها. و أن هذا النفوذ لكبار تجار العملة تدعمه بشكل أو بآخر دوائر اقتصادية تنفيذية في الدولة وجدت نفسها مضطرة للتعامل مع السوق السوداء لتغطية نفقات حكومية لا تستطيع تغطيتها من احتياطات النقد الاجنبي في بنك السودان المركزي الذي يعاني شحاً مزمناً. 

ولعل أبلغ تعبير جاء في التحقيق المشار إليه يكشف أكذوبة محاربة السلطات الأمنية لتجار العملة هو (يزدحم مكتب كائن في بناية قديمة بمنطقة السوق العربي التجارية بزبائن معظمهم من الراغبين في شراء عملات أجنبية بغرض السفر للعلاج، بعد أن أغلقت البنوك والصرافات رسميا أبوابها أمام مثل هذه الطلبات. ورغم حالة الحذر التي يتخذها الوسطاء وإيهام الزبائن بأن العملية تشوبها مخاطر أمنية كبيرة، إلاَّ أنّ هذا الاحساس ينتفي بدخولك الى رُدهات هذه المكاتب التي يتجوَّل فيها موظفين بأكياس "جوالات" ممتلئة على آخرها بتشكيلات مختلفة من العملات المحلية والأجنبية. ويدير هؤلاء الموظفون مكالمات لا تنقطع وبأرقام حسابية كبيرة، عن صفقات بيع وشراء بالدولار واليورو والدرهم الاماراتي والريال السعودي). 

الخلاصة هي أن السوق الأسود لتجارة العملة وما آلت إليه أوضاع سوق الصرف الأجنبي اليوم هو بضاعة من صناعة الحكومة الفاشلة، وأن كبار مافيا المتحكمين فيها من أجهزة أمنية وتنفيذية ورجال أعمال قد ولدوا من صلب المتحكمين في القرار السياسي والإقتصادي في الدولة الذين يديرون دفة الحكم في البلاد أولا وأخيرا. لا مواطن يلام علي تركيز الحكومة علي قطاع النفط دون غيره من القطاعات الإنتاجية الأخري خلال الفترة 2000م وحتي 2011م حيث توفرت موارد النقد الأجنبي من النفط وأصبحت كافية لتغطية فاتورة الإستيراد، واختفت السوق الأسود لتجارة العملة نسبياً وقتها. ولا يلام المواطن أيضا علي جريمة إنفصال جنوب السودان عام 2011م وفقدان عائدات النفط وإنكشاف إقتصاد البلاد وتزايد معدلات العجز في الميزان التجاري وظهور السوق الأسود وكبار المتحكمين فيها وارتفاع قيمة الدولار مقابل العملة المحلية لمعدلات تفوق الخيال.  

وإذا كانت الحكومة اليوم بقرار تحرير سعر الصرف وفق آلية صُنَّاع السوق تُسَلِّم الأمر برمته لمافيا تجار العملة دون أي اعتبار للنتائج التضخمية الكارثية التي تنعكس علي المواطنين وتهدد حياتهم وتزيدها بؤسا وفقرا. فهو ليس غريبا علي الحكومة التي تحولت لمجرد مافيا بكل ما تعني هذه الكلمة من معاني تعيش علي امتصاص عرق الشعب من خلال مثلث تتشكل أضلاعه الثلاثة من أولا: وزارة المالية من خلال الضرائب والجبايات التي لا طائل لها، وثانيا: أجهزة القمع والنهب وعلي رأسها جهاز الأمن ومليشات الدعم السريع من خلال الإمتيازات والإعفاءات والإستثناءات الخاصة التي لا حدود لها بجانب حملات السلب والنهب المشهودة للمواطنين في مختلف أقاليم السودان، وثالثا: بنك السودان المركزي من خلال شبح التضخم الجامح الذي يلاحق المواطنين من جراء الفشل في إدارة السياسة النقدية للبلاد وتسليم الأمور لمافيا السوق الأسود من تجار العملة. 

 [email protected]

6 تعليقات
  1. طـيـفـور الـشـاذلـى عـبدالـرحـيـم :

    لماذا لا يـتـم الأسـتـعانـة بمـثـل هـذه الكـفـاءآت العـلمـيـة فى مناشــط الـدولة ؟ ؟ هـل لأنهـم معـارضة سـيـاسـيـة ؟ ؟ فـلـيكـن ؟ الأهـم هـو مصلحة الـبـلـد .

    1. جركان فاضى :

      هههههها هذه الكفاءات فى نظر النظام طيبة وتعمل لصالح البلد……الكفاءات الفاسدة المفسدة هى المطلوبة وهى الناجحة فى نظر النظام….نظام بنى على باطل…فكيف يستعين بالاشخاص الصالحين

  2. جركان فاضى :

    هههههها هذه الكفاءات فى نظر النظام طيبة وتعمل لصالح البلد……الكفاءات الفاسدة المفسدة هى المطلوبة وهى الناجحة فى نظر النظام….نظام بنى على باطل…فكيف يستعين بالاشخاص الصالحين
    لايمكن السيطرة على سعر الصرف الا عن طريق البيع والشراء….النظام ترك البنوك والصرافات لتشترى له العملة الصعبة فقط ولاتبيعها …هذا مثل الشخص الذى يريد ان يصفق بيد واحدة….البشير مصر على حكم البلد باى حال…يجرب ويفشل ثم يجرب ويفشل وهكذا دون النظر للمعاناة التى يخلقها للناس من كل فشل يرتكبه….وبعدما رمى البلد فى الواطة ما زالت شهيته مفتوحة ليرقص على جثتها

  3. أسامة الكاشف :

    تسلم يا هادي مقال في منتهى الروعة وتحليل علمي دقيق

  4. John :

    يديك العافية، أخ هباني…..كفيت ووفيت…..

  5. abdulbagi :

    حياك الله أستاذ هبانى . شكرا على هذا التحليل الموضوعى , واللغة السهلة التي تساعد على ان يفهم رجل الشارع ماذا فعل ويفعل الابالسة من خراب في الاقتصاد السودانى . نرجو المواصلة لبث الوعى الاقتصادى , وكتر خيرك ويبقى الأصيل اصيل . الغد للحرية والجمال وأطفال اصحاء.

رد