أخبار السودان لحظة بلحظة من الراكوبة، مقالات سياسية وثقافية

سيل الذكريات: مواقف … للغاية 

0

مثلما نرحل وتبقي الكلمات إلي أمد بعيد , فإننا نعيش ونجتر الذكريات ونعايشها ما بقينا , وبمثل أثرها والتصاقها بنا . ولعلي قد بدأت منذ فترة في اجترار ذكريات باقية في النفس , لها ما لها من حلو ومر , ومن طول وعرض وسمك , ثلاثية الأبعاد أحيانا, منبسطة المساحة الممتدة داخلي أحيانا أخرى.
تعرضت في حديث سابق إلي ما كان يربط بيني وبين أترابي وزملاء طفولتي وصباي , منهم من رحل عنا تاركا في النفس غصة وألما , ومنهم من لا يزال علي قيد الحياة ينتظر دوره بعد عمر طويل حافل بالخير والعطاء وفضائل الأخلاق , كنا نحب بعضنا كثيرا ونعاند بعضنا كثيرا ونقطع بعضنا كثيرا ولكن إلي وقت قصير جدا , وما نلبث أن نعود إلى بعضنا البعض علي استحياء أو هرولة , ينشب بيننا صراع الديكة , ولكننا ما استغنينا عن صلاتنا ببعضنا , ولا بعنا عواطفنا الحقيقية بسهولة ويسر , ولطالما اشتدت بيننا المنافسة وحمي الوطيس وحاول كل منا أن يكون له أنصاره ومؤيدوه الذين يسندون ظهره في وجه الآخر , نتخاصم في اليوم الواحد عشرين مرة ونتصالح في نفس اليوم عشرين مرة ! كنا أبناء جيل واحد وعمر واحد وبلدة واحدة وقبيلة واحدة تقريبا . ولمثـل هذه العلاقـة يقـال عنـدنا في السودان ( لا بحبك ولا بحمل بلاك ) وهي تعني أني وإن كنت لا أحبك إلا أنني لا أستطيع الاستغناء عنك ولا أتحمل الصبر علي بعدك وبدونك        .
وإن فرقت بنا الأيام وأصبحنا لا نلتقي إلا لماما كل عام أو بعض أعوام مرة , إلا أن لهم في نفسي مالهم من ود وحب وذكريات لا تنقطع , ومنهم من ألاقيه في إجازتي السنوية في مناسبة ما , فلا نملك إلا لأن نتحاضن وربما بكينا كثيرا وبصوت مسموع , فكل منا يتذكر سالف العصر والأوان ونتذكر أشقاءنا الذين رحلوا وأمهاتنا وآباءنا وأقرباءنا من سبقونا إلي الدار الخالدة , وربما تذكرنا بلدتنا التي هجرناها منذ عقود من السنين طلبا للرزق , ولم نعد معروفين فيها , وأصبح أعزاؤنا فيها من سكان قبورها          .
وجرتنا المنافسات إلي أن يحاول هذا الشعر بعضهم أسوة بي , ولماذا أكون أنا شاعرهم الوحيد , حتي أفلح اللواء شرطة معاش محيي الدين محمد محمد علي أن يكون شاعرا جيدا مجيدا موهـــوبــا , ولعـل أجمـــل شعـــره ما يكـــتبه بالعامـية . وجاءت المرحلة المتوسطة ( الإعدادية ) , وبدأنا نتبارى ونبرز في ما يعرف بالجمعية الأدبية التي تعقد عصر كل يـــوم اثنين من كل أسبوع دراسي بفناء المدرسة تحت إشراف معلم غالبا ما يكون للغة العربية , وكان الهدف منها تعليم الطلاب التحدث والكتابة والابتكار وإعطاؤهم أو تزويدهم بالشجاعة الأدبية في مواجهة الآخرين , كانت تربية وتعليما , يسندها معلمونا المخلصون بحماس وإخلاص , فخرجوا أجيالا قادرة متمكنة متعلمة قديرة , حتي لأكاد أجزم أن خريج المرحلة الإعدادية ربما أو علي الأكثر خريج المرحلة الثانوية أفضل حالا عما عليه خريجو جامعات هذا الزمان في كثير من أقطارنا العربية ! كانت المدارس مستقرة بمناهجها ومعلميها وطلابها الذين لا هم لهم سوى التحصيل ولو علي ضوء فنار صغير أو ضوء عويل من الخيط يوقد بالكيروسين (الجاز) , ولعلي بهذه المناسبة أن أقول أن أول دائرة للمناهج تأسست علي مستوي الوطن العربي , كانت ببخت الرضا وقامت علي يدي أحد الإنجليز , من كانوا يحكمون السودان حينها في أواسط الثلاثينيات من القرن الماضي متخيرا لها خيرة علماء السودانيين ذوي السمعة العالمية منهم الدكاترة العبقري المرحوم أحمد الطيب والبروفيسور أعلم الناس في عصرنا باللغة العربية وبسير وأخبار وأشعار العرب وسير وأخبار المسلمين وحتي في اللغة الإنجليزية وأشعارها المرحوم عبد الله الطيب الذي فجعنا فيه منذ عهد قريب وكان مديرا لجامعة الخرطوم مدة من الزمان وساهم في تأسيس والتدريس بجامعات كثيرة أهمها جامعات نيجريا والمغرب . وكان ما يوضع من منهج يتم تطبيقه على مدارس معينة ومعروفة ويخضع للتجربة والمراجعـة والقيـاس والتطوير والتنقيح ولمدة عدة سنوات , وبعد التأكد والاطمئنان من نتائجه يعمم علي كافة المدارس الأخرى , وتطورت تلك الدائرة إلي أن أصبحت وكالة للمناهج وأعتقد أنها الآن بدرجة مديرية عامة , بينما أصبح معهد بخت الرضا الذي كان يخرج معلمي المرحلة الابتدائية المؤهلين الأكفاء من السودانيين وبعض الأخوة الأشقاء العرب من غير السودانيين , والأكْـفاء بتسكين الكاف وهي جمع كفء أو كـفوء , بينما يخطئ الكثيرون وينطقونها أكِفاء بكسر الكاف وهي تعني العُمي , إذ أنها جمع كفيف و الكفيف الذي لا يبصر . ونما إلي علمي أن معهد بخت الرضا أصبح الآن جامعة من الجامعات الكثيرة المنتشرة بالسودان .
وكنا في الجمعية الأدبية , نختار موضوع تعليم المرأة مثلا , فإن كنت مؤيدا لـه على رأس مجموعة من الزملاء , عارضه الآخرون من المنافسين الأصدقاء الأعداء الألداء في نفس الوقت وبمعيتهم من يختارونهم لمشاركتهم الكتابة والتقديم للرأي الآخر , ويكتب كل منا ما شاء الله لـه أن يكتب من الصفحات الكثيرة وتراجع بواسطة المعلم المشرف , ويحشد كل منا أنصاره ومؤيديه وفي حماس بالغ يلقي كل منا بحثه ورأيه , والزملاء يصفقون لكل قول معسول وحجة بينة , ثم تبدأ أسئلة الزملاء للطرفين , وأخيرا يقف بعض الطلاب إلي جانب هذا الرأي أو ذاك , كانت في المنافسة الدوافع القوية علي القراءة والبحث والتمحيص . وكنا نخرج عقب العراك الفكري المناسب طبعا مع أعمارنا ولا حقد ولا ضغينة من أحد علي الآخر , فما أفسد اختلاف الرأي للود قضية يوما ما .
ولكن النفس البشرية أمارة بالسوء , كانت تفرض علينا مذاكرة إجبارية يحضرها جميع الطلاب بالمرحلة المتوسطة من فترتين , نذاكر فيها ونقضي واجباتنا ولكل يوم من السبت إلي الأربعاء أستاذ مشرف مسائي على المذاكرة للانضباط الطلابي والمعاقبة بالجلد للمشاغبين وتقدير ظروف ذوي الحاجات والإجابة على أسئلة من يود استيضاح مسألة علمية ما . ورأي معلمونا أن يقوم بعض الطلاب المتميزين على التدريس خلال المذاكرة حسب جدول معد وذلك :
ـ لمساعدة قليلي التحصيل العلمي ورفع مستواهم بمراجعة ما تم تدريسه أو ما قطع من منهج     .
ـ لوضع اختبارات قياسية للمستويات يجيب عليها جميع طلاب الصف أو لوضع اختبارات تشخيصية تساعد على علاج حالات الضعف .
ـ لإملاء زملائهم الملخصات المطولة المقالية في التاريخ بالذات كسبا لزمن الحصة ولتمكين معلم التاريخ من أن يتبحر في تدريسه للمادة وربطها بالواقع وذلك لا يتماشى مع الانتهاء من المنهج في الوقت المناسب إذا ما كان عليه أن يقوم بكتابة الملخصات خلال الحصص لكل موضوع من عشرات الصفحات .
ولما كان حظي العاثر , أنني كنت من المتميزين , بل أول الدفعة دون منافس أتخوف منه إلا واحدا , كان الاختيار علي والتركيز كبيرا , وأخذت الموضوع بالجدية المطلوبة , وكانت فرصة للأصدقاء الأعداء مستغلين غير المبالين وغير الراغبين في الدراسة معا , أن يكيدوا لي , ناقشوا الموضوع مع مرشد الفصل وكالوا لي من الاتهامات ما لم أفكر فيه إطلاقا , زعموا ـ ومن يدري فلـعـلهم على حق ـ أني أُسيء معاملتهم وأني ديكتاتور كبير , وفسروا جديتي بما راق لهم من مثالب وسلبيات , وأجمع الطلاب على ذلك ولم يناصرنِ إلا زميل واحد كنت أثق تماما في صلاحه وخوفه من الله . وبقيت في موقف لا أُحسد عليه فبكيت بحرقة , وتذكرت أبيات حافظ عندها في السلطان العظيم المظلوم عبد الحميد :

فرح المسلمون فيك قبل النصارى

قبل الدروز قبل اليهود

شمتوا كلهم وليس من الحكـ

ـمة أن يشمت الوري في طريد

أنت عبد الحميد والتاج معقو

د وعبد الحميد رهن القيود

ودافع عني أستاذي الذي كان يحبني كثيرا وأوضح لهم أن من عدم الذوق والفهم ألا ينبري نصير مع مظلوم , وأشاد بزميلي الذي وقف معي ورأى فيه وعيا مميزا وإنصافا للحقيقة , وبت ليلتها مكتئبا حزينا أنعي حظي وآلمني أن ينتصر علي غرمائي, وتوقف المشروع الرائد         .
وتلقيت لطمة أخري , صفعة حقيقية مؤلمة على وجهي على مرأي ومسمع كل رجال ونساء وأطفال وشباب وشابات البلدة ! كان الموقف محرجا للغاية . تعودت المدارس بكل قريـــة ومدينة علي إقامة يوم كامل يعرف باسم يـوم الآبـاء ,على غرار يوم التربـيـة الذي يجري حاليــا ببعض دول الخليج الشقيـــقـة , ختاما لفعاليات عام دراسي كامل , يقف فيه المجتمع بكل فئاته على أنشطة أبنائهم وبناتهم وما قدمت لهم المدارس من معارف ومناشط , وجاء اليوم الموعود وانتهت المعارض الفنية والعلمية والعروض الرياضية وبدأ العرض المسائي الثقافي المسرحي, وكانت تتضمن ليلتنا مسرحية قصر الهودج المعروفة وكنت أقوم بدور البطولة ,الملك الذي يعشق الفتاة البدوية الجميلة ويهيم بها , وكان من المفترض أن تقوم الفتاة بإزاحة الملك عنها بيدها بدلال الحسناوات وذلك من خده , الموقف يحتاج إلي تصرف حسناء لا ملاكم , قام بدور الفتاة صديقي الممتلئ الجسم المفتول العضلات الطالب آنذاك محيي الدين محمد محمد علي (اللواء شرطة م (حاليا, أطال الله عمره فما يزال قويا في بنيته , وبالمناسبة أسعدني أن أسهر معه علي البعد علي قناة النيل الأزرق بمناسبة عيد الأضحى المنصرم سهرة ظريفة خفيفة دم , بينما كنت وما أزال كالشبح ينطبق على قول ابن الرومي          :
أنا من خف واستدق فما يثقل أرضا ولا يسد فضاء
وقول القائل    :
كفي بجسمي نحولا أنني رجل لولا مخاطبتي إياك لم ترنِ
وعندما حانت لـه فرصة اللطمة الخفيفة على الخد , جمع كل قوته وصفعني صفعـة دوت لها أرجاء المسرح وفنــاء المدرسة وسالـت أنـفي وسال الدم من فـمي ودمعـت عيناي وأصبحت في حالة لا تمكنني من الاستمرار في أداء دوري , واضطر القائمون علي العمل على إسدال الستارة بعد أن وجدوني متحركا إلي كواليس المسرح تاركا فتاتي الجميلة المفترضة ـ آسف محمد علي كلاي ـ ودارت خلف الكواليس المفاوضات والمناقشات والترضيات وإملاء الشروط والتعليمات لأقبل تكملة أداء دوري .
مرت السنوات وشاء الله لأخي محيي الدين أن يحرر باب استراحة بجريدة الأسبوع السودانية على ما أذكر , وشاء الله أن ينذر الجيش السوداني رئيس الوزراء آنذاك وفيما علمت أن السيد رئيس الوزراء هدد بعدم الاستمرار ما لم يتلق ضمانات من الجيش بعدم التدخل فيما يجري , وكان ذلك علي ما يبدو عام 1988 أو أوائل 1989 لا أذكر بالضبط , ولكني حاولت إسقاط ما حصل لي في مسرحية قصر الهودج في أواخر الخمسينيات على الوضع السياسي في أواخر الثمانينيات , ونشر موضوعي الأخ الصديق محيي الدين نفسه ـ الخصم والحكم ـ بباب الاستراحة. وسبحان الله , يقول بول فاليري : ما حياة المرء إلا سلسلة من المصادفات وإن كنا كمسلمين نؤمن بأن كل أمورنا إنما تجري بقدر ومقدار معلومين     .
والذكريات تطول وبلا حدود , منها المحرج للغاية ومنها المرعــب والمخيف للغاية , سمعت عام 1957 أن من يركب بص شركة النقل الوطنية الحكومية بعد محطة البداية بمحطتين أو ثلاثة لا يدفع ثمن التذكرة , إذ أن الكمساري أو المسئول المعين لقطع التذاكر واستلام القيمة يكون قد انتهى من عمله ولا يكون حريصا لمتابعة الركاب الجدد, وكنت مفلسا تلميذا صغيرا في زيارة للخرطوم , وأنوي الذهاب من الخرطوم بحري إلي الخرطوم ثم أمدرمان , ولم يكن هناك جسر على النيل وقتها يربط مباشرة بين أمدرمان والخرطوم بحري مثلما هو عليه الحال الآن , قمت بالتجربة وسرت مسافة لا تقل عن ثلاث محطات من نقطة بداية البص , وركبت أول بص يتوقف في المحطة التي وصلتها , وما أن جلست علي المقعد وتحرك البص حتى نهض الكمساري متجها نحوي يطلب ثمن التذكرة , كان الثمن لا يزيد عن تعريفة , خمسة مليمات , لتكملة الرحلة والوصول إلي الخرطوم , وقع في يدي كما يقولون , أحرجت وأصابني الخرس تماما , لم أكن أملك المبلغ واستحيت أن أعلن ذلك على الملأ , أصبحت أشير بيدي وانعقد لساني وكان مظهري ينبيء عن حالي , ولتكرار السؤال من الكمساري , لفت ذلك انتباه الركاب , حيث تدخل أولاد الحلال ورجوا الرجل أن يتركني أكمل الرحلة خاصة وأن المسافة أصبحت قريبة وقالـوا لـه : يبدو أنه طالب ولا يملك ثمن التذكرة , وأخيرا استجاب الرجل ولكني فقدت ماء وجهي تماما , بل جمد الدم في عروقي , وأصابتني حيرة فماذا أفعل وكيف أرجع للخرطوم بحري أو أصل أمدرمان حيث أقصد ؟ وكيف أرجـع من أم درمان ثانـية إلي الخرطوم فالخرطوم بحري ؟ وتابعـت رحلتي بين جذب وسيطرة الفكر الشارد والافتراضات والخوف والوجل . ولتجاوز هذا الموقف علي عجالة , فقد وصلت مدينة أمدرمان بمعاناة شديدة سيرا علي الأقدام , وهناك التقيت بابن أخت لي كان يعمل تاجرا للأقمشة بمحل معروف بسوق أمدرمان ونقدني ربع جنيه سوداني , كان المبلغ كبيرا , فرحت ورجعت أركب سيارة الأجرة ـ التاكسي ـ بما يعرف عندنا بالطرحة , أي ركوب خمسة ركاب مع بعض في سيارة واحـدة بتعريفة محددة بسيطة , بالمناسبة ذلك التاجر عليه رحمة الله هو شقيق أكبر للمحامي السوداني الكبـير والسياسي المعــروف الأستاذ / علي محمـود حسنين , أصغـر أبـنـاء أختي الكـبرى لأبـي , ويكـــبره الاستشاري البـروفيســور عثمـــــان محمود حسنين ,اختصاصي أمراض النساء والولادة وهو أيضا معروف للسودانيين   .
وما دام الحديث عن فلس وتعب ومعاناة , كان لابد من أتعرض لموقف لا أنساه , جاءت ذكرى مولد الرسول العظيم العطرة سنة 1963 وبدأت الاحتفالات بالسودان ونصبت الخيام للذكر والخطب وفتحت المتاجر المؤقتة التي تقام موسميا بميادين مختلفة ومعروفة في كافة قرى ومدن السودان لبيع الحلوى السمسمية والفولية والحمصية والملبن وحلاوة هريسة وعرائس المولد بشمسياتها الورقية للزينة وأشكالها المتنوعة من أسد وحصان وعنترة و..و…و… , وكانت الليلة الكبرى ليلة الثاني عشر من ربيع أول وحُملنا من مدرستنا الثانوية إلى الخرطوم , كان الاحتفال بميدان المرحوم عبد المنعم محمد ذلك المحسن الكبير , وقبل خروجنا من المدرسة حاولت تدبير مبلغ ربع جنيه من أحد الأخوة الزملاء الأقرباء ـ يرحمه الله ـ وكان أبوه تاجرا يتعامل مع أحد تجار السوق العربي بالخرطوم , وكان زميلنا يأخذ من هذا التاجر بعض المبالغ خصما على حساب والده , فعلا استلم مبلغ خمسة وسبعين قرشا لإعطائي ربع جنيه وإعطاء أحد الأقارب ربع جنيه آخر ويتمتع هو بالربع جنيه الأخير , زميلنا الثالث الآن يعمل طبيبا اختصاصيا في العظام إذا صح ما علمت به في لندن , وبعد مسيرة أمتار قليلة صادفنا بعض اللصوص الذين يجلسون على الطرقات ويمثلون عصابات صغيرة يجرون لعبة فيها كثير من الخداع تعــرف بلعــبة(الملوص )عبارة عن عويل من القماش يطوى بطريقة معينة ويدخل في منتصفه عود خشبي ويتم سحب الشريط القماشي , فإذا خرج الشريط من العود كاملا كنت الخسران , وإن بقي العود داخل أو وسط الشريط كنت رابحا , وبمجرد مرورنا أدركوا أننا إقليميون وصيد ثمين ساهل , قال أحدهم لزملائه أنا ألعب للأخوة وأتحداكم , وجرى الدور الأول وقد أعلمناهم بأننا نمتلك خمسـة وسبعـين قرشا , وفعلا ربحنا حسب ما رأينا وحسب زعمهم , وكررت اللعبة للمرة الثانية فخسرنا المبلغ كاملا بدلا من أن يتضاعف , دمعت عينا زميلنا المرحوم وتحسرنا على ما كان من أمل في شراء حلوى وعشاء , قضيت وقتا طويلا حتى منتصف الليل ولم يفتح الله علي برزق بينما كان الجوع يعتصرني ويسيل لعابي لرؤية الحلوى ورائحة الشواء المرعبل , ورجعت سيرا على الأقدام إلي وسط الخرطوم لأستقل شاحنة النقل الميكانيكي في طريق العودة إلى مدرستي .
ومن الذكريات المرعبة , أذكر أننا كنا نسافر بقطار من الخرطوم إلي مدينة كريمة ومنها نأخذ الباخرة النيلية إلي مدينة دنقلا ومن ثم اللواري إلى مدينتنا شمالا , وكان سفرنا في منتصف العام ونهاية العام من أقسامنا الداخلية حيث نقيم كلنا إلى أهالينا بتصاريح سفر خصما على حساب الدولة , ووجدت بالقطار أحد العرب البدو ممن يعيشون على الفطرة والطبيعة , الشعـر مرسل بالرأس ولا أثر لمعـرفة أو صقل حضاري , واللباس أيضا يدل على ذلك , وأخذنا نتجاذب معه أطراف الحديث , وجاءت سيرة الصيام ورمضان , وتخيلت أنه لم يسمع بذلك من قبل , وزل لساني فسألته : أتصومون ؟ وقع سؤالي على الرجل وقع الصاعقة واعتقد أني أتهمه في إيمانه الراسخ ويبدو أن السؤال جرح مشاعره , هاج وماج وثار وانتفخت أوداجه وجرد سيفه من غمده وأراد قتلي ! حاولت عبثا وحاول الزملاء تهدئته وتخفيف الأثر عليه دون جدوى , فقط يسائلني : يعني كُفُرْ ؟ يعني كُفُرْ؟ أي هل أنا كافر ؟ ولما لم أجد بدا من الفرار جريت سريعا من عربة قطار إلى أخرى هربا من موت محقق ولم أثبت بمكان حتى علمت بأنه نزل بإحدى المحطات القريبة , حيث تنفست الصعداء .
ولما كانت زلة اللسان من الخطورة بمكان , فلا أنسى ذلك اليوم في منزلنا , كانت تجلس والدتي وصديقة لها من قريباتها ينظفون كمية من القمح وتنقيته من الحجارة الصغيرة والتراب توطئة لطحنه وخبزه كعادة أهل شمال السودان , وكان حديثهما يرحمهما الله يدور حول ذكريات قديمة , كان لهما عم مشترك , ابن خالة جدي من أمي, عرف بكرمه خاصة وقت المجاعات , يقدم الأكل بالأوعية الكبيرة التي يحمل الواحد منها عدد من الخدم للجوعى في الشوارع والخلاء والقرى , وكان مزواجا , ومن المعروف أن معظم السودانيين لا يميلون إلي تعدد الزوجات إلا ما ندر , ولا يتزوج المرء إلا إذا ماتت زوجته في الغالب أو طلقها لأسباب قاهرة , وأخذت خالتنا تلك تذكر والدتي كيف كان ذلك العلم المشهور الفارس الحقيقي يعجب بالجمال وكيف أعجب بوالدتي وهي صبية ترقص في عرس وسأل من هذه , فأخبر بأنها ابنة أخيه وبالأصح ابن خالته فلان , هنا غضبتُ من تلك الحكاية وكنت صبيا متهورا , فقلت . الله يخيبه , هل كان ذلك رجلا أو كانت تلك أخلاق رجال ؟ غضبت خالتنا لإساءة عمها واستهجنت قولي وأزبدت وأرعدت وتساءلت كيف أتطاول على عز الرجال وفخرهم وتاج رؤوسهم , حاولت إقناعها برأيي ففشلت وتحت ضغطها وثورتها لم أملك إلا أن أقول لها إن ما أغضبني هو أن يطمع في ابنة أخ لـه , قالت : لم يكن يعرفها , وانتهى سؤاله عنها بمعرفته لها . خلق موقفي ذلك جفوة إلي حد ما بيني وبين خالتنا ولمت نفسي بأنه كان من المفروض أن أسيطر على كلماتي ومشاعري حتى لا أقع في موقف محرج للغاية بسبب تفكيرين غير متكافئين.
ومن الذكريات المرعــبة التي ما زلت أذكرها وتخيفني موقف تعرضت لـه صبيا , سافرت من بلدتنا لزيارة أعمامي بمدينة دنقلا التي تقع على بعد أربعين كيلومترا جنوب بلدتنا , وعند العودة أخذت المركب الشراعية عصرا للشط الشرقي عسى أن أجد وسيلة نقل تقلني إلي بلدتنا , فما وجدت غير شاحنة متوسطة تملأ براميلا بالديزل والبنزين وتنوي نقلها إلي المزارعين بمشروع البرقيق الزراعي الضخم والمعروف وقتها , والبرقيق على بعد عدة كيلومترات من بلدتنا , يفصلها عن بلدتنا خور مشهور يمتليء بفيضان النيل فيجعل بلدتنا والقرى المحيطة بها جزيرة كبيرة , والبرقيق شرقي بلدتنا بينما النيل غربيها , وانتظرت حتى منتصف الليل حيث كانت الشاحنة مستعدة للسفر , وكنت أتخيل أن السائق سيأخذني إلي بلدتنا , ولكن وحوالي الساعة الثانية صباحا وصلنا مقابل بلدتنا فطلب مني أن أنزل وأن أسير علي قدمي إلي البلدة فالمشوار في رأيه كان غير بعيد , ولكن المشكلة بالنسبة لي تتلخص في كيفية السير وحدي في ظلام وطريق خلوي مخيف ؟ توكلت علي الله وبدأت السير والخوف يكاد يقتلني , وصلت بلدتنا بعد أن أخذ مني التعب مأخذه , وما أن وصلت قرب منزلنا حتى وجدت رجلا مجنونا بالقرب من منزلنا , كان معروفا بقوته وكالثور الهائج عندما تعاوده حدة حالة الجنون , في مرة رمى بأحد رجال بلدتنا الأقوياء أرضا وقضم إصبع الرجل حتى قطعه ومضغه بأسنانه في غير رحمة , ولولا تدخل عدد من الرجال لقضى علي المجني عليه , وزاد ما بي من خوف زيادة لا توصف , سرت بعيدا منه وكنت مستعدا للصراخ والجري هلعا , ولكن مشيئة الله شغلته في حاله وخياله والجو الذي يعايشه , فتحت الباب ذا القفل الخشبي ودخلت البيت ترتعد وترتجف أوصالي .
ولعل موقفا مشابها قد واجهته مرة وأنا عائد من أمدرمان إلى الشمال , كنت أركب لوري تجاري , وصل الضفة الغربية من النيل لبلدتنا بعد منتصف الليل ونزلت وكان لابد من الانتظار للصباح لأخذ المركب الشراعية لعبور النيل للضفة الشرقية حيث كانت بلدتنا . أنزلتني الشاحنة قرب مبنى صغير من الطين بسقف من جذوع النخيل وجريـده بسعـفه , أنزلت حقـيبة ملابسي المتواضعة وجلست محتارا خائـفا والظلام يلفـني , لا أرى حتى إصبـعي , وفي خــوفي وجزعي لم أستطع مقاومة النوم , والنوم سلطان غالب , توسدت حقيبتي الصغيرة ونمت , صحوت في الصباح الباكر فإذا بي كنت نائما وسط مقابر , أسرعت بحمل حقيبتي وأسرعت نحو شاطئ النيل , علما بأني أخاف حتى في النهار من عبور مقابر لوحدي , ومن رحمة الله أن الظلام لم يجعلن أعرف أين أنا خلال الليل , وإلا فمن المؤكد أني كنت سأصاب ليلتها بلوثة عقلية وربما كنت الآن في حساب الموتى من وقت بعيد .
ختاما لبعض ذكريات هذه الليلة أهرب بك عزيزي القارئ إلي موقف يعكس جهل إقليمي خام نحو الجنس الآخر الرقيق .
كانت هناك طالبـــة جميــلة زميـــــلة , كنت أكتب على جريدة حائطية قصيدة لي بخط يـدي حسب ما طلبت مني أسرة تحريرها , جاءتني تلك الحسناء وجلست أمامي كفلقة القمر وقالت : هات الورقة لأمليك فتكتب . كنت إقليميا فظا قليل خبرة في التعامل مع الجنس اللطيف ولم أفهم مراميها , أجبتها بصوت حازم أجش : أتمليني شعري ؟ وكان بالقاعة عدد من الزملاء والزميلات وسمعوا إجابتي , ضحكوا لها وفهموا أميتي وجهلي بالموقف , بينما أُحرجت الحسناء الساحرة الفاتنة وجرت خارجة من القاعة مهرولة , فهمت فيما بعد ما كانت ترمي إليه وندمت علي جهلي وحماقتي وغبائي الفاضح     .
استمرارا للمواقف …..للغاية , كان لابد أن أعرض إلى نوع آخر مختلف جدا عما تمت روايته .
لابد من وقفة ولو قصيرة مع مواقف تجابه المرء وتترك ذكريات باقية بحلوها ومرها وجميلها وقبيحها وشقيها ومبهجها ومبكيها , فلئن صادف مثلي ما صادف من صنوف الذكريات والأحداث المتنوعة والمصاعب والمصائب حتى تكسرت النبال على النبال والسهام علي السهام والنصال على النصال , وحتى طار غرابي فأصبحت وأنا ابن الستين في الثمانين أو أكثر , صقلتني التجارب والمواقف , فقد أضافت الثعابين سجلا حافلا في حياتي وزادت الطينة بلة        !
لا أدري أللثعابين حميمية العلاقة بي , أم أنها تداعبني أم تعرف أني ذلك الجبان فتمزح معي وتطرب لما تقوم به من مداعبات ؟ عموما لم أجد منها أذى ولا تعديا على حرمتي وحقوقي وممتلكاتي تواضعت أم عظمت , ولكن كانت لي معها تلك المواقف التي ربما تسببت في إضفاء الشيب على رأسي ولحيتي الكثة وشاربي وإن لم يتبق من شعر الرأس شيء يذكر إلا بما يُوحي بأني كنت ذا شعــر في يوم من الأيام , بعض ذكريات عن فقيد عزيز . كل كبار السن مثلي يعرفون كيف يمكن الحصول على زيت السمسم أو الفول السوداني بالطرق البلدية التقليدية قبل أن تتدخل الصناعات الحديثة لتسهيل المهمة , ولمصلحة الناشئة أختصر صناعة زيت السمسم وما ينتج عن تلك الصناعة في بضع أسطر . كانت الأشجار الضخمة الجذوع تنخر ويصنع منها إناء كبير يأخذ قرابة أو جوالا من حب السمسم , وبداخل ذلك الإناء عود صلب ضخم لا يقل وزنه عن الخمسين كيلوجراما تقريبا متحرك يربط بعود خشبي طويل وفي آخره يضاف وزن من الصخور كبيرة الحجم ,ثم يرفع ذلك العود ويربط في عنق ثور أو جمل , وربما ثورين أو جملين يدوران في حلبة دائرية تمكن العود الصلب من الحركة داخل الإناء وبالتالي طحن السمسم طحنا ناعما أو قل هرسا حتى يبدأ الزيت في الظهور ليملأ الإناء , ويقوم المشرف على العمل بالغرف في الصفائح إلي أن يتأكد بأن لا أمل من إضافة لزيت السمسم المستخرج , وفي هذه المرحلة يكوّن السمسم الذي استخلص منه الزيت طبقات من علف مغذ للبهائم يعرف(بالأمباز) يكون شديد الالتصاق بجدران الإناء الخشبي حيث يتم نزعه بذراع من الحديد الفولاذي يعرف (بالعتلة) ويباع لأصحاب الأغنام والبقر والجمال وما أكثرها في بلد المليون ميل مربع والمشهور بثروته الحيوانية . تحت العود الصلب مباشرة وبعد نزع الأمباز يتم العثور على زيت صافي مائة بالمائة يسمي بزيت الولد , إذ أن العود الصلب يطلق عليه لقب الولد ربما لأنه ركن أساسي لإنتاج الزيت والأمباز , ويستخدم ذلك الزيت في معالجات طبية متعددة خصوصا جرعته مفيدة للكحة والمفاصل , والمهم تحت زيت الولد نوع من الأمباز ولكن يمكن تسميته بالنخب الأول ومعروف محليا بشمال السودان( بالجغوغة) على ما يـبدو لأنـه مشـبع بالزيـت , فهو عـبارة عن سمسم نـقي في الغالب وبـه بعـض زيـت الولد    .
كانت بعض الأسر الفقيرة تستعين بأهل الخير من أصحاب عصارات الزيت في أخذ بعض ذلك الأمباز نخب أول لأكله عن وجبة من وجبات النهار بعد أن يضاف إليه بعض السكر . والحقيقة كان لذيذا وحتى الأمباز ـ علف الحيوانات ـ كان لذيذا إلي حدما عندما يستخرج ساخنا من العصارة وإن لم يكن نقيا فربما تصادف الفرد منا حصاة تصك ضرسه , وعلى كل حال أكلنا منه كثيرا   .
في ذلك الزمان السحيق , كانت ببلدتنا ثلاث عصارات للزيت , وكنا تعودنا على أخذ الأمباز الصافي ـ نخب أول ـ من مكانين من الثلاثة أماكن , وصدف أن أرسلتني والدتي يرحمها الله بطبق معدني متوسط الحجم مطلي بالطلس إلي أحدي العصارتين اللتين تعطينا كمية تكفينا من ذلك المنتج مجانا طبعا , وغالبا تكون العصارات في أماكن يختلط بها الحيوان بالآدمي , بالدجاج وشيء غير يسير من العشب الجاف للثيران أو الجمال التي تقوم بالعمل , عموما الأماكن متسخة , وكنا ننتظر الساعات الطوال حتى تتم الطبخة ونأخذ ما نشتهيه ونتوق إليه في فـرح ورضا , نجلس منتظرين قرب الجدران بعـيدا بعض الشيء عن المعصرة , وظهورنا مسندة إلي الجدار , فـراشنا أرض بترابها . وكنت جالسا منتظرا ذلك اليوم , جاء ثعبان طويل ومر جوار الجدار وأخذ طريقه مع الجدار خلفي مباشرة , لاحظ عامل المعصرة ذلك فأخبرني , جزعت وخفت ووقفت ولاحظت ما تركه الثعبان من أثر في طريقه إلى حيث كان يقصد , أين ؟ لا أدري فقد غاب عنا بسرعة وسط أكوام العلف الجاف والأوساخ , ولكني استفدت شيئا , عرفت أثر الثعبان , واستفدت من ذلك لاحقا .
في طريق عودتي من المدرسة الأولية ( الابتدائية ) إلي منزلنا الذي وصفته في إحدى مقالاتي , ذلك البيت المتواضع من الطين , القديم الموروث عن أجداد مراحيم ـ إذا صحت أنها جمع مرحوم ـ رأيت أثر ثعبان مستفيدا من خبرتي السابقة , تابعته بحرص شديد , وجدت الثعبان في جحر بالمنزل المجاور لنا , وكان أيضا قديما من الطين ومهجورا وبه أشجار دوم كثيرة وكبيرة , كان يظهر بطوله داخل الجحر , رأسه تظهر بخرم ونصفه بخرم آخر مجاور , ركضت وأخبرت المرحوم والدي . جاء مهرولا يُهرع إلي حيث وصفت من مكان , يحمل عصاه الغليظة ذات الرأس المدبب , يتوكأ عليها كعادته وربما يرى فيها شيئا من كمال الأناقة والرجولة ومظهر الوقار وشيوخ العشائر , فقد كان محترما مبجلا في قومه ذا مشورة ورأي , على ألا يفهم من ذلك أو فيه المكر والحيّل والدهاء , حاشاه فقد كان وكان من حوله على حكمة وحب للجميع وسليقة طبع سليم , المهم فكر ودبر وطلب مني أن أحضر جريدة نخيل جافة طويلة تتوافر في البيوت وحتى في الشوارع وأدخلها في الجحر ألمس بها منتصف الثعبان , وما أن فعلت حتى خرج الثعبان من مأواه يريد الهرب ودارت معركة حامية الوطيس , وتجمع نفر غير قليل من رجال وأطفال القرية , ويصر أبي على ضرب الثعبان على رأسه مباشرة لقتله , وأخيرا نجح وماتت الضحية المقهورة دون أن تجد مناصرا أو مواليا .
يقولون إن الثعابين تثأر ولا تتخلي عن ثأرها لأبناء جلدتها , وهذه حقيقة لمستها رؤية عين لا عن سمع , ما أن مضى يوم أو يومان على الأكثر حتى جاء ثعبان آخر داخل منزلـنا يسير على الجدار الفاصل بين بيتنا والبيت المجاور فـي طريقـه إلي مطبخ البيت , كان المطبخ حجرة كبيرة جدرانها من الطين وسقفها كسقف باقي المنزل من جذوع وجريد النخيل التي تكثر عندنا بشمالي السودان لقلة الأمطار والتي يصل عددها إلي حوالي ستة ملايين نخلة بعد أن أخذت الفيضانات السنوية للنيل والطوفانات التي تسببها كثيرا من أشجار النخيل , المهم كانت تلك الحجرة معدة خصيصا للطبخ على موقد النار المعد في الغالب من طين أو باستغلال ركن منها لوضع الأثافي الطينية التي تصنع من الطين أيضا , طين النيل العالي اللزوجة يضاف إليه شيء من المعالجات المحلية ويبل بالماء ويترك حتى يتخمر والأصح يتعفن ثم يصنع ويجري خبز الرغيف البلدي من طحين القمح بفرن داخل مبنى المطبخ مبنيٌ كذلك من الطين بطريقة خاصة يطول شرحها ولكنها لا تختلف في قليل أو كثير عما يجري في الريف المصري . لسوء حظ الثعبان القادم لاحظته السيدة المرحومة الوالدة ,حملت فرعا جافا طويلا حاد الطرف كنت قد قطعته من أكبر شجرة سدر أراها في حياتي تتوسط فناء منزلنا , ولولا أن الوالدة قد باعتها بثمن بخس للنجارين لصنع الأثاث منها وللبيع أيضا حطبا للنار للطبخ , ولو بقيت تلك الشجرة لسعيت جاهدا لإضافتها لموسوعة جينيس القياسية الشهيرة كأكبر شجرة سدر أصادفها . بذلك العود الجاف طعنته في بطنه وأعتقد أنها كسرت عمود ظهره الفقري وتركته يتلوى من الألم مثبتة العود بالأرض , ولعلي أذكر ذلك الآن في جرأة وغير خوف ـ طبعا بعد أن رحلت والدتي ـ من أن تقوم منظمة أو ممثلة رقيقة تترأسها مثل بارجريت باردو بحملة ضد والدتي بأنها انتهكت حقوق الثعابين ! ويا لطيف . كان ذلك الثعبان أنثى مرحوم الأمس أو ربما ذكر مرحومة الأمس من لاقى أو من لاقت الموت علي يدي والدي , وكان طلب الثأر مقصودا ومتعمدا في ذلك الظهور السريع بردة فعل يبدو أنها كانت غاضبة. كل ذلك كان معقولا ومقبولا من الثعابين , لولا أن حدث ما لم أكن أتوقعه أبدا , كنا في شهر رمضان المعظم , كنت صائما وطالبا بالمدرسة الثانوية , المدرسة عبارة عن مدينة كاملة , بفصولها وأقسامها الداخلية الكبيرة التي يسكنها كل طلاب المدرسة وجنائنها وبساتينها وأحواض السباحة والملاعب لكل أنواع الكرة وبيوت بدرجات لناظر المدرسة ونائبه ورؤساء الشعب والمعلمين الأجانب من جنسيات مختلفة بريطانية وفلسطينية وعراقية ومصرية والبعض من الدول الأفريقية لتدريس اللغة الفرنسـية , بالإضافة إلى بيوت للعمال والوظائف الإدارية البسيطة مع أنديـــة منفصلة لفئات المعلمين والطلاب والعمال , ومركز صحي ومدرسة ابتدائيـة وأخرى متوسطة لكل من البنين والبنات على حدة لاستيعاب أبناء وبنات المعلمــين والعمـال والموظفين. كان جونا حارا خلال رمضان ورأيت أن أذهب إلى متجر يبعد حوالي الثلاثة كيلومترات راجلا لإحضار فحم لكي الملابس ولا أذيع سراً مع علبة سجائر ماركة (أبو نخلة) رخيصة الثمن صناعة سودانية لزوم الإفطار , خاصة وأن السجائر الإنجليزي من روثمان وبنسون كان غاليا تبلغ قيمة العلبة فئة عشر سجائر مبلغ عشرة قروش كاملة مكتوب عليها بالعربية والانجليزية(صنع خصيصا للسودان)وكانت الأقسام الداخلية تمدنا بعدد اثنتين من بطاطين الصوف والوسادة وأوعـــية غسيل الملابس والصابون والزهــرة لتجعل الملابس كالجديــــدة ومكاوي الحديد بجانب الوجبات الدسمة والشاي والملابس العسكرية لتنفيذ برنامج التربية العسكرية (الكديت) وكان علينا نحن شراء الفحم , وربما اشتريناه مما يدفع لبعضنا من إعانة مالية شهرية من الحكومة للطلاب الفقراء والتي تصل إلي ربع أو نصف الجنيه السوداني . عدت راجعا منهكا من مشواري , فأخذت السرير إلى خارج الحجرة حيث يصفو الهواء كثيرا ويعتدل الجو , وكان المكان مرتفعا عن الأرض بطوب أحمر وصبية أسمنت , بيد أن على مقربة منا توجد أشجار عشوائية كثيرة من نوع أشجار السافنا الفقيرة , استلقيت على السرير بملابس داخلية وتغطيت بثوب أبيض يلائم الجو الحار , وصحوت قبل آذان المغرب بقليل , نومي كان عميقا بسبب الإرهاق , وحولي عدد من الزملاء على نفس شاكلتي وحالي , وعندما صحوت , أحسست بجسم ناعم يرقد في هدوء بجانب ساقي الأيمن , نزعت الغطاء سريعا فإذا بثعـبان كان يقاسـمني السرير , ترك كـل من حولي واختارني , لماذا ؟ لست أدري ‍‍‍‍‍‍‍‍‍! ولماذا لست أدري؟ لست أدري!!!!!!!
بنزعي للغطاء , جمع الثعبان كل ما بداخله من هورمون الثايروكسين وتقلص قافزا خارجا ولكنه اصطدم بجدار الغرفة فطاح أرضا وانهالت عليه الحجارة وعدد من النعالات من كل الحضور , عشت مرعبا لوقـت غير قصير , وأخذت أقرض الشعر:
أممتني فتركت يومي
أيا ثعبان في هم

أما فكرت في كوني
حياة الأخت و الأم

إذا ما كنت ظمآنا
تبث السم في دمي

وتسعى بي إلى دنيا
تعبُ الترب في فمي

خوف الناب من خوفي
لكيد فيك أو سم

والقصيدة طويلة ولكنني لا أذكر منها الكثير فهي من قصائدي التي أعدمتها مع سبق الإصرار والترصد وإن ظل يذكرها غيري من زملائي.
تمضي الأيام وتبقى الذكريات ببصماتها التي لا تمحوها عوامل التعرية والجفاف والتصحر .
‍‍‍‍‍‍ Draught & desertification factors make nothing against what was stored in our inner mind.

 

فصل من كتابي ليالي الاغتراب بالتراي ستار – ثلاثة أجزاء

 

حسن إبراهيم حسن الأفندي
[email protected]