أخبار السودان لحظة بلحظة

صناعة الوهم: الجهل المفاهيمي أصل الاستعباد والاستبداد

4
فاقد الدهشة كائن ميت، فهو يحس أن كل شيء من حوله طبيعي ومبرر، وبالتالي ليس بحاجة لمسائلة يقينياته وإعادة التفكير في المُفَكَّر فيه، هو غير معني بقوله تعالى (الذين يتفكرون في خلق السموات والأرض)، فالحياة عنده أفصحت عن ذاتها، و(من عاش مات، ومن مات فات، وكل ما هو آت آت)، وما عادت هنالك ألغاز تستدعي التفكير أو البحث، وما تبقى من أسئلة سيجيب عنها المسيح عليه السلام عند نزوله، بعد أن يقتل الخنزير ويكسر الصليب ويضع الجزية، يقبل ذلك دون أي دهشة لماذا يُخالف المسيح القرآن ويقتل الخنزير، فما حُرِّم هو لحمه  وليس حياته، ثم لماذا يكسر الصليب ويرفض الجزية ليحمل الناس على الاسلام بالسيف، في مخالفة واضحة لكل مبادئ القرآن التي كفلت حرية المعتقد (فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ).
هنالك بعض الأسئلة الصادمة والمصيرية قتلها غياب الدهشة ولا أقول السكوت عنها، لأن السكوت فعل لا يحسنه إلا الحكماء، وغياب الدهشة (لا فعل)، رغم جوهريتها وإلحاحها إلا أننا نغض عنها الطرف حياءً وخجلاً وخوفاً، هذا بالرغم من مشروعيتها دينياً وثقافياً بل وانسانياً لأنها تقع في باب المختلف فيه وعليه، الذي أُحكم إغلاقه بمقولة (إجماع الأمة)، ولا ندري متى أجمعت هذه الأمة على قول، وكلنا يعلم عدد الفرق التي نافت على المئين، وما أهرقته من دماء، رغم محاولات السلف دمجها و"عصرها" حتى تكون ثلاث وسبعين بالتمام والكمال. ومن يبحث في التراث يجد كلام ينسب لكبار الأئمة لو بثثته لقُطِعَ منك البلعوم، كما ينسب لأبي هريرة رضي الله عنه.
من منا سائل نفسه (وأرَّقه السؤال) عن سبب حالة الخنوع والاستسلام والركون والخضوع (اللاإرادي) للسلاطين ولمشاهير الغناء والتمثيل والرياضة، في حالة تماهي وغياب تام للذات الواعي، ليس بعيداً عن ذلك حالة التداعي الحر والقابلية المدهشة للايحاء التي يستغلها بذكاء "كثير من الدعاة"  وأصحاب الشائعات لتجييش الناس لخدمة السلاطين وتفجير الأدمغة، ومن منا لم يعزو حالة البؤس والفاقة والمرض والجهل والتخلف المنتشرة في الدول والجماعات المستبدة والمتنكرة بثوب الاسلام والاسلام منها براء إلى بعض السلوكيات "المنحرفة" التي لا يخلو منها مصر ولا عصر، دون النظر إلى الأسباب الموضوعية التي أدت إلى هذا الفشل التام، ولماذا تعيش الدول التي تتمتع بشواطئ للعراة في سلام وينام قاطنوها آمنين في سربهم يملكون قوت يومهم وعامهم ويرسلون فائضهم إلى فقرائنا فيبيعه أغنياؤنا لفقرائنا في أسواقنا.
من منا لم يشاهد بأم عينيه حالة (الصحوة) والانضباط (الشعائري)، فلقد انتشرت مراكز تحفيظ القرآن والمدارس القرآنية بحمد الله في كافة القرى والمدن، فكل أمهاتنا وزوجاتنا وأبنائنا قد انخرطوا في تلك المراكز، حتى أنك لا تكاد تجد بيت يخلو من حافظ أو حافظة (الأصوب قارئ لأن القرآن يحفظ ولا يُحفظ). امتلأت المساجد، حتى صلاة الفجر لم تعد حكراً على العجزة والامام والمؤذن وبعض أصحاب الأغراض التي تقتضي المباشرة فيها فجراً مثل سيد اللبن وعمال الفرن والممرضين ولا ننسى رواد المواسم من طلبة الثانوية أيام الامتحانات.
وبالمقابل، ازداد الفساد بكل أشكاله، خلافات بين الاخوة وشجار ومحاكم،  أصبحت الرشوة عرفاً معروفاً وشرطاً مشروطاً، انتشار ظاهرة الاغتصاب التي تركزت في أطفال دون سن الخامسة والرابعة، بل لم يسلم منها أطفال الخلاوى على أيدي مشايخهم ذوي اللحى التي تكاد تلامس الأرض، الاختلاسات لم تعد جريمة وإنما قرض سوبر حسن، يكفيك أن تعيد منه اليسير حتى تتحلل، المتحرش لم يعد في العرف الاجتماعي مجرماً وإنما هو ضحية لتلك التي (جابتو لنفسها برااااها).
كل هذا ونحن ننظر نظرة بلهاء، لا تستثيرنا هذه التناقضات، لذلك لا نسأل أين الخلل، لأن الداعية (صاحب الوش الأبيض السمح)، الذي حباه الله بقصر منيف ودواب فارهات قال وأبكي وأزبد وأرغد وتوعد وأثبت بالحديث (الموضوع) أننا  نعيش في زمن المسيح الدجال وأننا قريبو عهدٍ بالمهدي المنتظر الذي لن يخرج إلا إذا امتلأت الأرض (جت) جوراً وظلماً وفساداً "يعني لسه أكتر من كده كتير"، وبعدها سننعم بالعدل وستجري أنهار اللبن والعسل.
لا بد من إظهارالدين الصحيح بعد طرح كل الخزعبلات والاسرائيليات واملاءات السلاطين عبر الأزمان والحكاوي الخرافية التي كانت ممنوعة إلى أيام الفاروق عليه الرضوان من المنان، حتى أنه كان يضرب من يحكيها، ثم فتح بابها معاوية بوصفها وسيلة ترفيه مباح فكانت باباً لدخول المرويات الموضوعة التي غصَّت بها كتب التراث بكل ما لا يقبله عقل.
إن نحن لم نفعل ذلك فإننا سنخسر أولادنا بكل تأكيد لأن عقولهم تتشكل (الآن) في بيئة منفتحة على عكس البيئة المغلقة التي عشنا فيها، عقول يسودها منطق الواقع والسبب والأثر، الجيل الجديد لن يتمكن من قبول الحقيقة ونقيضها كما بلعناها نحن، فهم لن يتمكنوا من فهم أن علي بن أبي طالب كان على الحق، ومعاوية كان على الحق والزبير وطلحة أيضاً كانوا على الحق عليهم رضوان الله، وكلهم تقاتلوا على الحق وأزهقوا أرواح الآلاف من الصحابة الكبار على الحق، وأن يزيداً لعب برأس الحسين واستباح المدينة مجتهداً، والحجاج هدم الكعبة وصلب ابن الزبير متأولاً، وابننا المسكين يقرأ قول المصطفى صلوات ربي عليه وسلامه وقوله حق (لا يزال المرء في فسحة من دينه ما لم يصب دما حراما).
فلماذا نخاف من قول أن الدين اكتمل بوفاة الرسول صلى الله عليه وسلم، وأن كل ما جاء بعده إنما هو تاريخ العرب وتنازعهم على الملك والسلطة...
لقد تعبت عقولنا من عدم التعب في التفكير وعذرا للتطويل.
صديق النعمة الطيب
4 تعليقات
  1. Ali Karrar :

    Dear Eltayeb,
    I am a regular reader of all your interesting and informative articles. I wonder whether you have a library containing all your topics.
    wishing you all the best.

    Mawadha.

  2. عزوز (الأول) المناكف الذي لن يهدأ له بال حتى ينصلح الحال ويكون عال العال :

    لك التحية استاذ الطيب،
    ان ما تكتبه يساوي وزنه ذهبا”، وإني اتساءل معك : اين الحقيقة في هذا الارث الرهيب من المرويات ومن التناقضات ومن التفاهات التي تم حشو عقولنا بها دون رحمة.
    وكما قلت لقد ابتلعنا ذلك الطعم وهضمناه واستقر في نفوسنا وعقولنا لأنه كان الشيئ الوحيد المتاح ، ولذلك تعطل عقلنا تماما” عن التفكير والتمحيص والنتيجة أننا صرنا أمة تسير وهي معصوبة العينين.
    الآن قد انفتح الفضاء ينثر العلم والمعرفة من كل ابوابها فبان جهلنا في اوضح الصور، ونتيجة لذلك لن يكون الجيل الحالى جيل الامس، و سيندهش للتناقض ويشمئز من المفاهيم التي تفيض بها كتب التراث الديني التي لا يقبلها عقله المتفتح وستحل الكارثة ان لم يتواضع الناس على وقائع ومفاهيم دينية يقبلها العقل.
    في رأيي (غير المتواضع) انه لا بد من جرد كتب الحديث والسيرة وغيرها بتبصر ونيذ الخرافات والاباطيل التي تزيد عن نصف ما ورد بها، ثم رفع عصا الارهاب الديني وترك كل انسان يرى الله بعينه وليس بعيون من ينصبون انفسهم وكلاء لله على عباده، اضافة لتغيير المفهوم عن حفظ القرآن نفسه الى فهمه وتدبره، الله هو من يحفظ القرآن وليس هنالك أي نص ديني يطلب من الناس حفظ القرآن، وقد اصبح اليوم لا فائدة من الحفظ لأن القرآن بات متاحا”للجميع، ويمكنك حفظه في هاتفك مقروءا” بأجمل الاصوات.
    بارك الله فيك ، ونتمنى الا تتوقف عن مثل هذه الكتابات المستنيرة.

  3. حيدر :

    فيما يتعلق بقتل الخنزير فان النص الوارد هو أنه يكون على يد عيسى عليه السلام إذا نزل آخر الزمان ، وذلك للدلالة على ابطال ما عليه النصارى المنتسبون إليه كذبا وزروا ، وكي يثبت لهم عمليا ضلالهم و كفرهم حين حرفوا شرعه وبدلوا دينه باعتقاد الصلب ، واستحلال الخنزير وغير ذلك ،.
    و بالتالي لا توجد هنا مخالفة للقرءان الكريم , فنحن مثلا اذا قمنا بقتل بعض الابقار بسبب اصابتها بمرض معد فان هذا لا يعني أننا نقتل البقر من دون سبب . و استدلال البعض بحديث نزول عيسى عليه السلام على جواز قتل الخنزير مطلقا في غير محله . و طبعا يوجد الكثير من الناس مم يستنتج مثل هذه الاستنتاجات الخاطئة , ليس فقط في الدين بل حتى في أمور الحياة العامة .

  4. ابن الراوندى :

    انصاف الحقائق لاتجدى يجب الاعتراف ان الاسلام دين ارضى مثل غيره من الاديان ويحتوى القران على جملة من الاخطاء والاوامر يستحيل ان تكون من الاله وليس المقام هنا مقام تبيان لكن من اراد البحث والتحقق فالشبكة العنكبوتية تسعه اما من اراد التبرير والتقوقع فى ظلمة الاديان فلن يستطيع احد اخراجه من الوهم انصحكم بالاستماع الى احمد القبانجى والعربى المقنع وحامد عبد الصمد وكافر مغربى

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

شكراً لك على التعليق...