أخبار السودان لحظة بلحظة

الثورة المهدية: أشراطها اللينينة

0

كنت رتبت للرد على اتهام الدكتور النور حمد لنا بأننا في الحزب الشيوعي (القديمة) كنا إمعات للحركة الشيوعية نميل حيث تميل، لا نعصي لها أمرا. ولكن، وقد تطرقنا في كلمتنا الماضية لأشراط الثورة اللينينية التي انتفعنا بها في خططنا للإطاحة بنظام الفريق عبود مما قاد إلى ثورة أكتوبر 1964، رأيت التوقف عند هذه الأشراط مرة أخرى لمزيد من التوضيح. وأعرض هنا لكيف انطبقت هذه الأشراط على الثورة المهدية في تحليل واحد من أبرز مؤرخيها وهو بيتر مالكوم هولت صاحب كتاب "الدولة المهدية" (1958). وكنت رجعت إليه في الخصوص في كتابي الأول "الصراع بين المهدي والعلماء (1968) لبيان نضج أشراط الانتفاضة لثورة للمهدي بما جعل جهود العلماء المنظمة من الحكومة لتكذيب المهدي لإجهاضها تذهب ادراج الرياح. ورأيت نشر المقال في مناسبة الاحتفال بمرور صدور أول كتاب لي منذ 50 عاماً. ونعود لمسألة النور الذي قال بخضوعنا لوحي الشيوعية الدولية في المرة القادمة إن شاء الله.   

في معرض البحث عن أسباب قيام الثورة المهدية في زمانها ومكانها أثار المؤرخ هولت، مؤلف "الدولة المهدية" وأول من صنف وثائق تلك الدولة، سؤالاً استوجب إعادة النظر في التناول التقليدي لتلك الأسباب مذ جاء بها نعوم شقير في كتابه "تاريخ وجغرافية السودان". وكانت تلك الأسباب هي:

1-حملات الدفتردار الانتقامية بعد مقتل إسماعيل باشا ابن الخديوي محمد علي على يد المك نمر.

2-حملات قمع تجارة الرقيق التي ولدت طبقة من النخاسة الساخطين.

3-حظوة الختمية والشايقية عند الحكام دون غيرهم.

وجديد هولت هنا أنه قال إن تلك الأسباب مظاهر قهر وسوء إدارة اتصف بها النظام التركي منذ حلوله السودان واحتملها السودانيون. وسأل: لماذا اندلعت الثورة في عام 1881؟ لماذا لم تندلع في وقت أسبق؟ لماذا ضاق السودانيون ذرعاً بذلك النظام في ذلك الوقت (1881) بالذات؟

فمن رأي هولت أن السخط على نظام والتبرم من هوله لا يصنعا ثورة في زمانها ومكانها. فالحركة الثورية في نظره تتوافر لها عناصر النجاح وآفاق النصر حين يواكب مثل ذلك السخط العام، الناجم عن مظالم محددة، الشعور بضعف مادي في النظام القائم يجعل من العسير عليه قمع الثورة إبان نشوبها، وأن يتوافر أيضاً جيش ثوري (ليس عسكرياً بالضرورة إلا كملحق لنهوض جماهيري) على استعداد لاستعمال العنف في سبيل هدفه. ومن جانب آخر وجوب قيادة ثورية تنفذ من السخط والبرم لتبشر بنظام سياسي واجتماعي جاذب.

كتاب دولة المهدية في السودان

وفصّلت في كتابي "الصراع بين المهدي والعلماء" كيف طابقت المهدية شروط هولت للثورة الناجحة. فالسخط وحده لا يكفي وقد يمتد إلى آجال وطاقة احتمال الناس له مطاطة. فالفيصل في الثورة نهوض جماهيري بقيادة ملهمة في شرط تضعضع ساحق للطبقة الحاكمة. فمن أراد الرجوع إليه كفانا كتابة فصولنا عن المهدية بعد 50 عاماً من نشره ككتاب بفضل شعبة أبحاث السودان بكلية الآداب بجامعة الخرطوم. وكان نشأ كرسالة شرف معادل في التاريخ بجامعة الخرطوم بإشراف شيخ المؤرخين مكي سبيكة (1966).  

ورأيُ هولت الذي تقدم عن الثورة مطابق للينينية من جهة قوله أن الثورة تقع في وضع أزمة ثورية تتسم بفشل النظام القديم في الاستمرار في الحكم ورفض الجماهير أن تستمر خاضعة لحكمه. وصاغ لينين مفهوم الأزمة الثورية في رسالته للجنة المركزية لحزبه (1917). وطلب منها أن تتعامل مع الثورة القائمة آنذاك ك"فن" كما قال بذلك ماركس. وقال بأن الثورة لا تقوم على حزب ما بل على الطبقة التقدمية التي استكملت أسباب النهوض بها. فعلامة الثورة هي النهوض الجماهيري. وتقع في لحظة يكون فيها نشاط القوى التقدمية في المجتمع في أعلى درجاته في حين يكون اضطراب الطبقة الحاكمة في ذروته. 

وأذكر أننا تداولنا في الحزب الشيوعي نظرة لينين للانتفاضة-الثورة في الحوار الواسع الذي ضرب الحزب والمجتمع عن مايو 1969: هل هي ثورة أم انقلاب؟ ومن بين الوثائق التي تداولناها رسالة لينين المذكورة عن شروط الانتفاضة بفضل موقف أستاذنا عبد الخالق محجوب، الذي رأى الواقعة انقلاباً لا ثورة. وفرق لينين فيها بين البلانكية (منسوبة إلى ثوري اسمه بلانك) والماركسية. فالبلانكية دعت إلى الثورة تقوم بها جماعة طليعية ثم تلحق بها الجماهير بعد ذلك. وهذا خلاف رأي الماركسية. وأصل الماركسية في الانتفاضة أن الثورة فن إدارة التغيير وليست مؤامرة محسنين للجماهير تدبر بليل.

وتعلمنا من جدل الستينات وأوائل السبعينات كثيراً عن فن التغيير بالثورة صرنا بفضله ماركسيين لا بلانكيين. والحمد لله على اليقين.

 

رابط مقالة لينين عن الأزمة الثورية

https://www.marxists.org/archive/lenin/works/1917/sep/13.htm).

 عبد الله علي إبراهيم
[email protected]

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

شكراً لك على التعليق...