أخبار السودان لحظة بلحظة

من قضايا الإقتصاد السياسي لمشروع الجزيرة

من قضايا الإقتصاد السياسي لمشروع الجزيرة/ مساهمة حول قضايا العمال الزراعيين

2

"إن بقاء المحتوى الثوري لحركة المزارعين متقداً ، إنما هو رهينٌ بضرورة التحالف بين فقراء المزارعين والعمال الزراعيين في مشروع الجزيرة والمناقل".

                                      (من أدب تنظيم وحدة المزارعين، التاريخي).

الحلقة الأولى

 

(*) مقدمــــــــــــــــــــــــــــــــــــة/

تطاول الزمن على انتاج هذه المساهمة، والتي كان من المفترض أن تتم كتابتها منذ سنوات عديدة. وأن تكون جزءاً أصيلاً في صلب الكتابة عن مشروع الجزيرة والمناقل، لأن الكتابة عن مشروع الجزيرة والمناقل عبر تاريخه المديد، إن كان في عهود مجده او فترات إنحطاطه تحت السيطرة الحالية للراسمالية الطفيلية الاسلامية (رطاس)، لا تكون كتابة مكتملة دون النظر في قضايا العمال الزراعيين. والذين أعتبرهم، ومن وجهة الإقتصاد السياسي في التحليل، انهم الطرف الرابع الغائب والمغيب في العلاقة وفي عقد الشراكة في مشروع الجزيرة والمناقل!، إلى جانب أطرافه الثلاثة الأخرى المعروفة، المزارعون والحكومة وإدارة المشروع.

تمثل قضايا العمال الزراعيين جزءاً من قضايا المشروع المهمة، وبالأحرى هي بعضٌ من قضاياه الاقتصادية السياسية الكبرى، إذ ان الحل الناجز لقضايا وتعقيدات المشروع لن يتم وكما هو مراد، ما لم تتم مخاطبة قضايا العمال الزراعيين من ضمنها، بل وسيظل الحل ناقصاً دوماً بدونها. وهذا القول يستند إلى حقيقة أن قضايا العمال الزراعيين ليست طارئة وانما هي قضايا موجودة بقدر وجود المشروع ووجود العمال الزراعيين أنفسهم، والذين يصعب الفصل بينهم والمسيرة التاريخية للمشروع.

إن العلاقة بين العمال الزارعيين والمشروع هي علاقة عضوية وطيدة وأكيدة وراسخة، مثلها والعلاقة بين المشروع واطرافه الأخرى. وفي صياغة اكثر تحديدٍ ودقةٍ أنه لن يستطيع المرء ان ينفي علاقة هذا القطاع من المنتجين بالمشروع بدون ان يتضمن نفيه ذلك نفياً أكيداً آخراً، وهو نفي علاقة الأطراف الأخرى بالمشروع!. وفي هذا المقام دوننا الاحداث المؤسفة، التي لا تخلو من دوافع عرقية وعنصرية يصعب الدفاع عنها، كما حدث لأهل كمبو وادي الشعير في عام 1999، ولأهل كمبو محمد زين بالقرب من المدينة عرب في عام 2011، ولأهل كمبو أفطس في عام 2018. فهذه الأحداث ما كان لها أن تأخذ مكانها، ولا أن يعلو صوتها لولا تلك المحاولات البائسة لتلك القوى الاجتماعية، الممثلة في الراسمالية الطفيلية  للاسلام السياسي، محاولاتها لأجل ان تقتلع المزارعين من جذورهم وتجردهم من ملكية اراضيهم، ومن ثم أن يتم بالتالي تغريبهم ونفي علاقتهم بالمشروع!. وذلك نفي متلازم، فمن جانبٍ هو نفي لحق العمال الزراعيين في الوجود بالمشروع، ومن الجانب الآخر نفي لحق المزارعين والملاك في ارضهم. وبمعنى آخر انك لن تستطيع نفي المزارعين والملاك خارج دائرة علاقتهم بالمشروع دون ان تنفي وجود العمال الزراعيين بدءاً!، لان الثاني هو شرطٌ لتحقق الأول، وذلك لأن سيطرة راس المال الطفيلي الإسلامي على المشروع لن تتحقق واقعاً إلا بإحلال المزارعين والملاك محل العمال الزراعيين، أي أن يذهب العمال الزراعيون من حيث أتى أسلافهم من قبل اكثر من مئة عام!. وبالنتيجة ان يصبح ، وبفضل العلاقات القسرية الجديدة، المزارعون والملاك أجراء، أي  أن يصبحوا هم العمال الزراعيون الجدد، وذلك على أساس القاعدة التي أسس لها قانون سنة ،2005 وتعديلاته لسنة 2014، والتي مهدت لها كافة النصوص الواردة فيهما!، ومن ضمن تلك النصوص توفيرُ تمويلٍ مجحفٍ وبشروطٍ مجحفة تفضي إلى نزعٍ مجحف للإرض!.

هناك حقيقة مهمة تستند عليها هذه المساهمة، وهي أن العمال الزراعيون، وطيلة المئة عام الماضية من تاريخ المشروع، لم يكونوا فقط جزءاً من جغرافيته، وإنما أصبحوا بعضاً من نسيجه الإقتصادي والإجتماعي والسياسي. أي أضحوا جزءاً من كله!، حيث أنهم أفادوا من نجاحه، وها هم الآن يضارون من إنهياره كبقية أهله.  

وهناك ملاحظةٌ لابد لنا من الإشارة إليها وهي ان حظ قضايا العمال الزراعيين من الدراسة والتناول المتأني بواسطة الباحثين والمهتمين، وعلى كل المستويات، كان ضئيلاً مقارنة بدراسة وتناول القضايا الأخرى للمشروع. معلومٌ، أنه لم يتم إسقاط قضايا العمال الزراعيين كليةً، ولكن ما تمّ  وما أُنجز فعلياً بصددها لا يشفي غليل الباحث المهتم، ولا يسد حاجته.

ستتناول هذه المساهمة الخلفية التاريخية لوجود قطاع العمال الزراعيين، مع تقديم تعريفٍ وتحديدٍ لموقعهم الطبقي. وكذلك بذل مقارنة لوجودهم على مستوى البلدان المتخلفة، والسودان بلد متخلف، وكذلك على مستوى البلدان المتقدمة. ومن ثم التركيز على وجودهم في منطقة مشروع الجزيرة والمناقل، وبحث دورهم في سياق عملية الانتاج وحركة التطور الإقتصادي والاجتماعي والسياسي التي إنتظمت وتنتظم المشروع. وكذلك موقعهم وموقف القوانيين التي حكمت المشروع منهم، ومن قضايا وجودهم. كما وأنه سوف لن تكتفي المساهمة بالتشريح لقضاياهم وحسب وانما ستتقدم بجملة معالجات ومقترحات في شأن الحل.

(*) مدخـــــــــل/

يُعرَّف العمال الزراعيون على انهم تلك الفئة من العاملين المرتبطين بعمليات الإنتاج في القطاع الزراعي على مستوى الحقل وملحقاته، وذلك على أساس العمل المأجور، بشكلٍ عام. ومعلومٌ تاريخياً ان العمل الزراعي المأجور ظهر إلى الوجود بعد ان انتقل النشاط الزراعي من نمطه الإقطاعي إلى نمطه الرأسمالي، وذلك هو ما ينطبق وبشكل كلاسيكي على العمال الزراعيين في مشروع الجزيرة والمناقل بإعتبار أنه مشروعٌ يقوم، وبكل المقاييس، على اسس رأسمالية حقيقية أرستها الإمبراطورية البريطانية، حادية العالم الرأسمالي وقتها، وهي تتسنم أعلى قمم صعودها، حيث كان يصعب على الشمس ان تغيب عنها!.

ولأهمية موقع العمال الزراعيين في سياق عملية الإنتاج وكذلك في عملية تراكم الرأسمال، نجد ان معظم البلدان النامية منها والمتقدمة، قد أولت  هذا القطاع من المنتجيين قدراً كبيراً من الإهتمام، ضمنته في تشريعاتها وأطرها القانونية. وذلك بدءاً بتعريف العامل الزراعي ومروراً بالنص على التزاماته وواجباته، وصون حقوقه وحمايتها. ومن المهم بالنسبة لهذه المساهمة بذل كل ذلك ومقارنته بما هو حادثٌ ومتعلقٌ بشأن العمال الزراعيين في السودان، من ناحية التشريع  وفي النص على حقوقهم الأساسية وصونها، وكذلك حقهم في التنظيم وغيره من الجوانب المختلفة. ولكن، عند مضاهاة كل ذلك نجد أن ما يجري في السودان لا يختلف وحسب وإنما يكاد أن يكون متخلفاً!.

عليه، وقبل كل ذلك نود ان نشير إلى بعض الحقائق المهمة التي تساعدنا على الإقتراب من جوهر موضوعنا ومن ثم لتعيننا على فهمه.

تشير تقديرات منظمة العمل الدولية  The International Labor Organization (ILO) إلى  أن عدد المنشغلين والمشتغلين في قطاع الزراعة في العالم يصل إلى حوالي 1,1 مليار شخص، ويتضمن ذلك ما بين 300 إلى 500 مليون من العمال الأجراء، أي العمال الزراعيين، والذين يعتمدون وبشكل اساس على العمل في القطاع الزراعي. كما وتقول المنظمة بأن نسبة مساهمة القطاع الزراعي في خلق فرص العمالة على مستوى العالم، في العام 2013، كانت 31% مقارنة بنسبة مساهمته التي كان أن وصلت إلى 45% في العام 1991. والجدول التالي يعطي صورة أكثر تفصيل:

 

النسبة المئوية لمساهمة القطاع الزراعي في العمالة او توفير فرص العمل حسب أقاليم العالم

نسبة التغيير المئوية % 20131991 الإقليم
29,7 -     31,3 44,5 العالم
47,8-3,6 6,9 الإقتصادات المتقدمة ودول الإتحاد الأوربي
38,5- 17,7 28,8 وسط وجنوب شرق أوربا (غير دول الإتحاد الأوربي)
46,7-30,3 56,8     شرق آسيا
33,3-39,3 58,9 جنوب شرق آسيا والباسفيك
25,4-46,3 62,1 جنوب آسيا
40,1-14,824,7أمريكا اللاتينية والكاريبي
41,6- 14,324,5الشرق الأوسط
19,8-28,034,9شمال أفريقيا
5,9-62,065,9أفريقيا شبه الصحراء

 

المصدر: موقع منظمة العمل الدولية.            Source: ILO, “Key indicators of the labour market” Geneva, 2014

 

في يوم الأرض 21 أكتوبر 2018.

                          صديق عبد الهادي   [email protected]

2 تعليقات
  1. John :

    السبب الأساسي في ظهور الكنابي بمشروع الجزيرة والمناقل هو الحروب التي أشعلها الكيزان في كل أصقاع البلاد…….

    زمان العمال الزراعيين ديل بيجوا الجزيرة للعمل لفترات موسمية، ثم يرجعون بعدها
    إلي مناطقهم الأصلية……بعد إشعال الحروب، وبالذات في غرب السودان، لم يعُد
    لهؤلاء العمال خيار غير الإستقرار في الجزيرة، الأمر الذي أدي إلي تغيير ديموغرافي
    بكل ما يترتب علي ذلك من آثار سلبية…..

    ثم أتت علي المشروع الطامة الكبري علي يد فأر الفحم، وآخرين، عليهم اللعنة، فدمروه تدميراً….

  2. مجودي :

    هو موضوع مهم فعلا استاذ صديق …
    الغريب انو ظل موضوع تجاهل من معظم القوى السياسية ( بما في ذلك الحزب الشيوعي الذي كان يفترض فيه الريادة في هذا المجال).وكأن العمال الزراعيين من طينة غير طينة هذا البلد . هم قطاع مهم جدا في القوى العاملة السودانية ( إن لم يكن اهمها )
    ربما يكون من قلة النظر ان ننتظر من حزب الأمة او الإتحادي النظر الى هذه القضية بعين الإعتبار لأن معظم اثرياءهم ( المؤثرين فيهم ) هم المستفيد التاريخي من وراء ان يظل هذا القطاع العريض في فقره ورخص سعر قوة عمله.
    إلا ان جهات مثل الحركة الشعبية وحركات دارفور التي كان يفترض فيها ان تلتف معهم إلا ان لا وجود لها ابدا بين ظهرانيهم . وهذا ربما يفسر “البناء الفوقي” القيمي والمفاهيمي لهذه الحركات الذي ينتهي في الغالب الأعم الى كراسي الحكم.
    لى ثقة كبيرة بأنك محل ثقة في كشف وتحليل خبايا الأمر وفي النهاية تبصرة بمآلاته المستقبلية .
    آمل ان يكون الموضوع ليس مقتصرا على الجزيرة ، بالرغم من اهميتها ، فمناطق الزراعة الآلية والمزارع المنتشرة في اطراف المدن الكبيرة ايضا تحفل بأعداد كبيرة منهم . كما لا ننسى العمال الزراعيين في مشاريع انتاج السكر فهم ايضا فئة غير قليلة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

شكراً لك على التعليق...