أخبار السودان لحظة بلحظة

بين ميشيل عفلق وحسن البنا: التواريخ المتقاطعة وواقع العرب اليوم

0
إشارة:
هذه الدراسة قد تتعارض مع رؤية بعض القوميين لمجرد وضع اسم ميشيل عفلق بجوار حسن البنا، وكذلك مع رؤية الإسلاميين لقرن اسمه بميشيل عفلق ولكل أسبابه. كما يمكن أن يتبرع بعض المثقفين السودانيين بنقد هذه الكتابة بكوننا كسودانيين من المفترض ألا ننشبك مع قضايا العرب، وذلك بكوننا أفارقة، ويتناسى هؤلاء بأن التنظيم الذي يسيطر على السودان ولقرابة ثلاثة عقود قد أسسه حسن البنا في مصر، ومن ثم انتقل إلى السودان، وهذا يعني أن قضايا السودان تترابط مع القضايا العربية بشكل أو باَخر. لكن وفي المحصلة النهائية وبالرغم من الوعي بطبيعة تلك الانتقادات، فإن هدف هذه الدراسة يتجاوز هذا وذاك من أجل الأجابة على سؤال النهضة في الواقع العربي ودور الأفكار فيه.
وتصبح هذه الدراسة معنية بمناقشة الأفكار ومدى علميتها وكيف تم انتاجها، ودرجة الصواب فيها. ويعتذر الكاتب مقدما عن أي قصور يمكن أن يشوب هذه الدراسة لأن الموضوع المطروح معقد ومتشابك.
تقديم: هذه الدراسة تشتغل على تفكيك الرؤى المتناقضة ومقاربتها في ذات الآن من أجل اختبار المآلات التي ألت اليها الأقطار العربية.
الفرضية الأساسية تتأسس على أرضية العوامل الداخلية أولا، ودور ميشيل عفلق وحسن البنا في التاثير في الواقع العربي سواء كان ذلك إيجاباً أو سلباً، واختبار دور الرجلين اللاحق في الواقع الراهن ومدى فاعلية أفكارهما، نافذين بعد ذلك نحو طبيعة الظروف المحيطة والتي قادت إلى التفكير عند الرجلين، ومقايسة ذلك عبر الواقع الذي عبرا عنه، حسب طبيعة وتفكير كل منهما. وكل ذلك من أجل تفكيك المتاهة العربية استنادا على دور الأفكار والمفاهيم التي اشتغل عليها ميشيل عفلق من جهة وحسن البنا من جهة أخرى. لماذا هذه القراءة الاَن؟
أولاً: هذه القراءة ستساعدنا على فهم دور الفرد وتأثيره في الواقع الذي يعيشه، وكذلك دور البيئة المحيطة وتأثيرها على نمط تفكير الأنسان، والاستفادة من تجربة الرجلين عند التعامل مع الواقع الراهن.
ثانيا: قد كتبت دراسات عديدة حول التيارات القومية والإسلامية والمقارنة بينهما وقد لا توجد دراسات مقارنة بين ميشيل عفلق وحسن البنا، وتأثيرهما على مستوى الواقع العربي والعالم كذلك. اختبار مثل هذه الأبعاد يعتبر مهما. ومع إدراك تباين واختلاف الرؤى والمنطلقات، إلا أن المحصلة النهائية ترتبط بواقع العرب والأزمات التي تطوق تجربتهم وجذور الإشكاليات في الأقطار العربية، وجزء من ذلك، تلكم الأفكار التي طرحها حسن البنا والتي أصبحت حجر عثرة أمام تطور ونهضة العرب، وفي المقابل النظر للأفكار التي طرحها ميشيل عفلق ونقاط القوة والضعف فيها.
النشأة و التطور:
ولد حسن البنا في المحمودية محافظة البحيرة في العام 1906 واغتيل في العام 1949 ضمن واقع صراع الأخوان المسلمين مع الملك في مصر. والده كان محققا في الحديث وتأثر حسن البنا به، كما تأثر بالشيخ عبد الوهاب الحصافي شيخ الطريقة الحصافية-الشاذلية، وشيوخ آخرين مثل الشيخ محمد زهران(1).
تخرج حسن البنا من كلية دار العلوم 1927 وعين بعدها مدرسا بالإسماعيلية حيث ظهرت فكرة الأخوان المسلمين.
فيما يتعلق بميشيل عفلق فقد ولد في حي الميدان في دمشق، لعائلة من الطبقة الوسطي تدين بالمسيحية الأرثوذكسية في العام 1910 وتوفي في العام 1989.
تخرج من جامعة السوربون وعمل بالتدريس مثل حسن البنا(2).
هذه النشأة للرجلين قد يكون لها الأثر الكبير في تفكيرهما وبالتالي صياغة رؤيتهما للواقع العربي. فحسن البنا نشأ في الريف لأسرة متدينة تعتبر ثقافتها ثقافة دينية بحتة، وقد نشأ ميشيل عفلق في قلب المدينة، هذه النشأة قد لا تكون حاسمة في تحديد فكر الإنسان وبشكل مطلق، إذ أنه قد يحدث أن شخصا قد نشأ في الريف، وقد يحمل رؤى متقدمة عن من هو قد نشأ في المدينة، وكذلك يحدث العكس، لكن يبقى عامل البيئة المحيطة لديه الأثر البارز.
استنادا لهذه الرؤية والمرتبطة بالبيئة من جهة والتجارب الانسانية الخاصة سنحاول قراءة ومقاربة طبيعة ميشيل عفلق وحسن البنا:
أولاً: لقد كان ميشيل عفلق أديبا وعاشقا للأدب، وكذلك حسن البنا، فقراءة الأدب العربي والشعر كانت خاصية جمعت بين ميشيل عفلق وحسن البنا، فالشعر العربي هو المدخل للفلسفة، ولكن توقف حسن البنا عن الأدب ليذهب نحو الدين، وذهب ميشيل عفلق بعيدا نحو الفلسفة بكونها المدخل الصحيح للتفكير.
ثانياً: كان ميشيل عفلق معلما، وكذلك كان حسن البنا معلما، وهذه الوظيفة لديها تفرد في الملاحظة وتلمس واقع الناس وفتح العقل تجاه قضاياهم.
ثالثاً: تعرض الرجلان لحالة التغريب، إذ كانت سوريا تحت الاتداب الفرنسي وكانت مصر تحت الإداراة البريطانية.
إذاً ماذا أختلف؟
الاختلاف: لقد اختلفت رؤية الرجلين تأسيسا على المعارف التي تلقاها كل منهما والتجارب التي عايشاها.
فحسن البنا قد انتقل من مجال أسرته وبيئته، والتي تدور حول الماضي الديني إلى دار العلوم بمنهجها الذي يدور حول الماضي كذلك، بالرغم من تدريسها للعلوم الحديثة.
أما ميشيل عفلق فقد أتاحت له الظروف أن يتصل بالواقع النضالي لحي الميدان في دمشق، وعرف هذا الحي بمصادمته ضد سياسات الاستعمار وبالموقف الداعم للقضية الفلسطنية، ويتصل ميشيل عفلق بصلة القرابة بالمؤرخ والأديب الشهير جورجي زيدان، وقد زامل المفكر السوري ساطع الحصري، واتصل بمفكرين آخرين مثل زكي الأرسوزي وأنطوان سعادة. كما تلقى ميشيل عفلق معارف عديدة قبل أن يدرس في أعرق جامعات الغرب، وهي جامعة السوربون، وهي جامعة الدولة التي تسيطر آنذاك على القطر السوري. وكان من الممكن أن يندهش ميشيل عفلق بتجربة الغرب وهو المسيحي الذي يلتقي معه في الديانة، وينجذب لتجربته من خلال دراسته في فرنسا، ولكن نتيجة لعمق المعرفة والتجربة لدى ميشيل عفلق فقد كان واعياً لهذه الجدلية بين الدين والوطن، وكذلك القومية، بل كان واعيا لدور الدين في الواقع العربي مقارنة بالغرب.
فلنتوقف هنا عند هذه الكتابة المتقدمة التي سطرها ميشيل عفلق وفي زمن بعيد قليلا، فماذا يقول ميشيل عفلق عن الدين والغرب؟ يقول ميشيل عفلق (فالفكرة القومية المجردة منطقية إذ تقرر انفصال القومية عن الدين. لأن الدين دخل على أوربا من الخارج فهو أجنبي عن طبيعتها وتاريخها، وهو خلاصة من العقيدة الأخروية والأخلاق، لم ينزل بلغتهم القومية، ولا أفصح عن حاجات بيئتهم، ولا امتزج بتاريخهم، في حين أن الإسلام بالنسبة إلى العرب ليس عقيدة أخروية فحسب، ولا هو أخلاق مجردة، بل هو أجلى مفصح عن شعورهم الكوني ونظرتهم للحياة، وأقوى تعبير عن وحدة شخصيتهم والتي يندمج فيها اللفظ بالشعور والفكر، والتأمل بالعمل، والنفس بالقدر. وهو فوق ذلك كله أروع صورة للغتهم وأدابهم، وأضخم قطعة من تاريخهم القومي، فلا نستطبع أن نتغنى ببطل من أبطالنا الخالدين بصفته عربيا، ونهمله وننفر منه بصفته مسلما. قوميتنا كائن حي متشابك الأعضاء، وكل تشريح لجسمها وفصل بين أعضائها يهددها بالقتل، فعلاقة الإسلام بالعروبة ليست إذاً كعلاقة اي دين بأية قومية. وسيعرف المسيحيون العرب، عندما تستيقظ فيهم قوميتهم يقظتها التامة ويسترجعون طبعهم الأصيل، أن الإسلام هو لهم ثقافة قومية يجب أن يتشبعوا بها حتي يفهموها فيحرصوا على الإسلام حرصهم على أثمن شيء في عروبتهم (3).
اللافت للنظر هنا بأن ميشيل عفلق وهو المسيحي الذي تتشابه ديانته مع الغرب، كان واعيا بطبيعة الغرب ومدرك لقوانين الصراع ومتجاوزاً للطائفة والدين من أجل قضية الأمة العربية. فميشيل عفلق لم يبهره الغرب ولم يتعامل هو مع الغرب بمنهج هروبي كما فعل حسن البنا، إذ أتخذ ميشيل عفلق موقف المدرك لطبيعة الغرب وعلاقته بالعرب وبالذات الغرب الاستعماري، لكنه وفي نفس الوقت لم يرفض الجانب المعرفي في الغرب بأعتبار ذلك ملكا للانسانية.
أما في الجانب المقابل فإن حسن البنا القادم من الريف إلى المدينة صدمته حركة الأجانب داخل القاهرة وظواهر التغريب في مصر، فبدلا أن يواجه الواقع ويدرك طبيعة الصراع كما فعل ميشيل عفلق فإنه هرب إلى الماضي ليحتمي به، يقول حسن البنا (وقد وجدت في نفسي على إثر ما شاهدت في القاهرة من مظاهر التحلل والبعد عن الأخلاق الإسلامية في كثير من الأماكن التي لا عهد لنا بها في الريف المصري الاَمن (4).
فحسن البنا صدمته مظاهر الحضارة الغربية ، فبدلاً أن يستوعب ما حدث في بلده مصر، ويدرك طريق المواجهة بمفهومها الوطني والقومي، اختار المسجد والقهاوي من أجل الدعوة الإسلامية كما يقول هو في مذكراته.
وإذا كانت هذه الدعوة من أجل تثقيف الناس حول أمور دينهم وفي إطار الدائرة الإسلامية فهذا أمر لا يعترض عليه أحد، لكن عندما يكون هذا الأمر ذو هدف سياسي ويتعلق بأمر الوطن والسياسة، فإن الأمر يختلف، وتصبح الحالة هنا حالة اختيار بين المذهب والوطن.
وقد اختار حسن البنا المذهب على الوطن، إذ أن الوطن يحتوي طوائف وديانات متعددة.
ففي حين استوعب ميشيل عفلق واقع الدين في الوطن العربي ولم يتعصب لدينه، ذهب حسن البنا باتجاه الدين وتعصب لرؤيته الدينية وهذا ما أدى للانقسام لاحقا في المجتمعات العربية عبر الصراع الديني والطائفي، إذ لم يستطع حسن البنا النظر إلى واقع ومشكلات المجتمع العربي ومن ثم تحديد الخلل التاريخي. أما ميشيل عفلق فقد استوعب التراث كما ذكرنا سابقا وانتصر لحقيقة الأمة العربية، ولو تم ذلك على انتماءه الديني. فإن يتحدث مسيحي عن الإسلام بالطريقة التي وردت سابقا فهذا يعني تجاوز الذاتي للموضوعي والخاص للعام وهذا ما فشل فيه حسن البنا.
إذًا ما هي الدلالات المستنبطة من نشأة الرجلين؟
أولا:  الملاحظة الأولى تتصل بعنصر الإدراك لما يدور حول الإنسان والقدرة على استيعابه للواقع وتجاوز الرؤية الضيقة نحو الرؤية الأوسع والتي تتصل بالشأن العام الوطني والقومي. وفي هذا الخصوص فان ميشيل عفلق قد تجاوز الإطار الضيق للإنتماء لينفتح على قضايا الأمة، وهي حالة الخروج من عباءة الدين بكونه انتماءا ذاتيا يخص الإنسان في علاقته بخالقه إلى دائرة الانتماء الموضوعي نحو التغيير الأشمل.
في المقابل فإن حسن البنا قد تدثر بالدين أو بالمذهب خصما على المكونات الأخرى وفي الوطن الواحد ليتحدث عن أمة خارج اللغة وخارج منطق الجغرافيا.
ثانيا: لقد مارس حسن البنا فعل اللجوء إلى الماضي في مواجهته للغرب وهذا ما أطلق عليه فعل الصدمة، وفعل الصدمة يولد ردة فعل وقتية قياسا بالفعل الواعي بقوانين الصراع، والذي يمتلك أدوات التحليل، وهي ذات الصدمة التي تعامل بها لاحقا الإخواني المتشدد سيد قطب بعد احتكاكه بالغرب بسفره لأمريكا. فقد كان سيد قطب قبل سفره هذا رجلا متفتحا وأديباً بارعا، وعندما عاد من أمريكا بدأ يتحدث عن جهالة القرن العشرين، وكان اللجوء للماضي هو الحل.
في المقابل فان ميشيل عفلق قد استوعب تجربة الغرب وتعامل معها بادراك متقدم. ولهذا واستنادا على هذا التحليل يمكن أن نخرج بثلاثة اتجاهات في النظرة والموقف من الغرب، ومن قبل المثقفين العرب، وهي التي تحكمت في مسار هذه العلاقة كما يحددها المفكر المغربي عبد الأله بلقزيز، وهي:
1-الاتجاه الرفضوي 2- الاتجاه الانبهاري 3-الاتجاه التثاقفي النقدي (5).
والاتجاه الأخير هو الذي اشتغل عليه ميشيل عفلق، فقد استوعب بدوره التناقضات جميعها  وحدد جملة المفاهيم التي تحلل الواقع وتجد له الحلول. وقد اتجه حسن البنا نحو الاتجاه الأول، وهو الاتجاه الرفضوي المرتبط بفعل الصدمة، إذ أن فعل الصدمة وقتي.
ثالثا: لقد كان الاتجاه الثقافي النقدي قويا عند ميشيل عفلق، فقد حدد مسبقا الموقف من الغرب وتعامل مع حلقات التاريخ الثلاث، الماضي، الحاضر، والمستقبل تعاملا جدليا، فهو لم يرفض الغرب كحضارة إنسانية، ولكنه رفضه كاستعمار وهيمنة، وهو لم يهرب للماضي بل صعد للماضي بوعي الحاضر، بحثا عن الأبعاد الحضارية التي تساعد علي المواجهة.
وهنا يمكن أن نقول بأن ميشيل عفلق قد مارس القطيعة التاريخية مع الغرب وحدد مكمن الخلل في العلاقة معه. والقطيعة التاريخية هنا لا تعني الانقطاع عن المجرى الحضاري، بل التمييز بين الايجابي والسلبي في تجربة الغرب والعالم ككل واتخاذ موقف معرفي، ومن ثم تحديد الموقف الصحيح الذي يخدم قضية الوطن والأمة.
أما حسن البنا فلم يمارس فعل القطيعة التاريخية، بل مارس فعل القطيعة اللحظية، إذ سرعان ما عاد للتعامل مع الغرب، بل أصبح التنظيم الذي أسسه منسجما مع استراتيجة الغرب من حيث تجسيد نظرية ضرب أسفل الجدار، والتي تم فيها استخدام تيار حسن البنا لاحقا لتقوية عوامل التجزئة في المنطقة العربية. بل الأدهى وحسب الدراسات العديدة فإن حسن البنا قد قبل هدية مالية من الشركة القابضة لقناة السويس آنذاك، وتحالف لاحقا مع الملك فؤاد والذي خاطبه البنا حينها بقوله (إلى سيدي صاحب الجلالة الملكية حامي حمى الدين، ونصير الإسلام والمسلمين، مليك مصر المفدى يتقدم أعضاء مجلس الشورى العام للإخوان المسلمين المجتمعون بمدينة الإسماعيلية برفع أصدق آيات الولاء والإخلاص للعرش المفدى ولجلالة المليك وسمو ولي عهده المحبوب ويلجأون إلى جلالكم راجين حماية شعبكم المخلص الأمين من عدوان المبشرين الصارخ على عقائده (6).
كما تصالح تنظيمه في البدء مع الملك فاروق وتوافق مع إسماعيل صدقي رئيس الوزراء المصري في الثلاثينات، والذي باع القضية الوطنية للإنجليز. وأخيراً فقد اتصل تنظيم الإخوان المسلمين مع الأمريكان في حقبة حكم جمال عبد الناصر وتلاقت المصالح. إذ سعى الأمريكان لقطع الطريق أمام العلاقة المتسارعة بينه والسوفيت في الخمسينيات، ووجد الأخوان في ذلك خدمة لهدفهم في محاربة جمال عبد الناصر.
ولهذا فهروب حسن البنا للماضي كان هروبا وقتيا وحجابا زائفا للوعي المدرك لمعنى القطيعة التاريخية والتي تتجاوز الرؤية الراهنة إلى رؤية الإمساك بجميع الحلقات وتفعيلها، من أجل إدامة المواجهة، وهذا ما تأتى لميشيل عفلق.
فالبرغم من الاستفادة من المعارف الغربية إلا أن ميشيل عفلق لم يتصل بالغرب ولا حزبه من بعده، وذلك هو سبب هجمة الغرب على النماذج التي أقامها تنظيمه. هذه الاختلافات الجوهرية بين ميشيل عفلق وحسن البنا، انعكست في تناولهما للقضايا العربية وهذا ما يتم تناوله في المقاربة التالية بين كتاب في سبيل البعث، والذي يعتبر الكتاب المؤسس لتجربة حزب البعث العربي الاشتراكي، في مقابل رسائل حسن البنا والتي عكست الارهاصات الأولية لتفكيره ولفكرة الإخوان المسلمين.
 ما بين (في سبيل البعث، والرسائل لحسن البنا):
في سبيل البعث يعتبر هو النص المؤسس لحزب البعث العربي الاشتراكي، ومن جهة أخرى تعتبر الرسائل التي كتبها حسن البنا النصوص التأسيسية لحركة الإخوان المسلمين.
المقاربة بين هذين الكتابين صعبة لأنهما لا يشتغلان في حقل واحد، ويباعد بينهما المنهج المستخدم. فميشيل عفلق يستخدم في كتاباته المنهج العلمي الجدلي التاريخي، في حين يستخدم حسن البنا المنهج الوصفي وبتاريخية لا تربط الحلقات الثلاث-الماضي-الحاضر المستقبل ربطا علميا. بل يتوغل هذا المنهج في الماضي، وعندما يناقش الحاضر يمارس فعل الانفصال لا الاصال، لأن الوعي بالحاضر يتطلب الوعي بالتناقضات وتفكيكها، لا الهروب نحو المسلمات الجاهزة. فنلاحظ  في سبيل البعث ترابط الموضوعات وتعبيرها عن رؤية موحدة يحاول المؤلف الوصول اليها، في حين تبدو الرسائل كسياحة في عالم المجردات وأحيانا المتناقضات. نلحظ ذلك عندما يتحدث حسن البنا في الجزء المعنون بدعوتنا فيقول (نحن مؤمنون بأن دعوتنا عامة ومحيطة لا تغادر جزءا صالحا من أي دعوة الا ألمت بها وأشارت اليها (7). هذا حديث فضفاض وتجريدي ولا يتطابق مع الواقع المحدد، وينفتح نحو تفكير لا عقلاني يقفز على الواقع المشخص نحو المجردات. ولهذا يتحول الوطن ضمن هذه الرؤية المجردة إلى فضاء غير جغرافي وهذا ما يقول به حسن البنا (أما الخلاف بيننا وبينهم فهو إننا نعتبر حدود الوطنية بالعقيدة، وهم يعتبرونها بالتخوم الأرضية والحدود الجغرافية، فكل بقعة فيها مسلم يقول (لا اله الا الله محمد رسول الله)، وطن عندنا له حرمته وقداسته وحبه والاخلاص له والجهاد في سبيل خيره، وكل المسلمين في هذه الأقطار الجغرافية أهلنا وإخواننا نهتم لهم ونشعر بشعورهم ونحس بإحساسهم (8). وهذه الفقرة تثير إشكالية خطيرة في جغرافيا العالم، وتخلط خلطا مشوها بين المفاهيم. فالمسيحي المصري في هذا السياق أبعد من المسلم الماليزي، وبالذات حين يتم الحديث عن الوطنية، أو القومية.
والسؤال الذي يطرح نفسه هنا: هل اعتبر حسن البنا المسلمين الذين يعيشون في الغرب آنذاك جزءا من الحدود الوطنية؟ وما هي حدود هذه الوطنية؟ هذا التفكير يأتي مقرونا بالتفسير الديني ويعتمد على النقل لاستخلاص تجارب حدثت في التاريخ، وقبل تبلور مفاهيم مثل الوطنية والقومية، ويغيٌب المفاهيم ويتم خلطها بشكل لا يساعد على تحديد الوقائع، ومن ثم تعقيد الحلول نفسها. في الجانب المقابل وعندما يتحدث ميشيل عفلق عن الجوانب الفكرية لحركته يقول (خيارات البعث الفكرية وضعت بالمقاييس التاريخية لا الظرفية وعلى ضوء قيم التراث الخالد ومفاهيم الحضارة العالمية المعاصرة(9).
وهذا الوعي هو الذي يعي الحلقات الثلاث وتوظيفها بشكل صحيح من أجل فك التناقضات وتفعيل أدوات التحليل.
المقارنة بين سبيل البعث والرسائل صعبة، لكن يمكن أن نقول بإن الرسائل لحسن البنا بها روح حماسية وانفعالية،  وتتنقل بين موضوعات عديدة وأحياناً غير مترابطة، إذ تبدأ وبدون فصول أو أبواب لمناقشة قضايا متعددة تحتاج إلى منهجية في التناول. تبدأ هذه الرسائل بعناوين مثل دعوتنا، في مؤتمر الإخوان المسلمين، من هم الإخوان المسلمون، طور جديد في دعوة الإخوان المسلمين، في اجتماع رؤساء المناطق، وتستمر المواضيع لتناقش قضايا مثل أي لون نختار، قضيتنا الوطنية في ضوء التوجه الإسلامي، ووحدتنا في ضوء التوجه الإسلامي، نظام الحكم والنظام الاقتصادي، ومواضيع مثل نظام الأسر، رسالة العقائد، رسالة الجهاد، المناجاة، ومواضيع أخرى.. لكن يعود الكاتب وفي نهاية الكتاب ليقوم بتبويب ما أطلق عليه المأثورات-المقدمات وتقسيمها إلى أربعة اقسام وهي الوظيفة، الورد القرآني، أدعية اليوم والليلة، الأدعية المأثورة في حالات مختلفة في غير أحوال اليوم والليلة، من أوراد الأخوان بعد الورد القرآني، وورد المأثورات.
إذاً نحن أمام كتاب أو رسائل تحاول أن تناقش الدين والدنيا، لكنها لا تقدم مفاهيم مترابطة يستطيع القاريء أن يتبين من خلالها فلسفة تشريح المتناقاضات، ومن ثم وضع الحلول لها. بل يتم الخلط بين المفاهيم وتعميم المنطلقات بشكل يخرج رسائل حسن البنا من دائرة الفعل إلى دائرة المطلقات ومفارقة مشروع النهضة.
لنقرأ هنا تشخيصه لمنظومة الصراع بين الشرق والغرب (لو اَمن الشرق بحقه وغيًر من نفسه واعتنى بقوة الروح وعني بتقويم الأخلاق لأتته وسائل القوة المادية من كل جانب وعند صحائف التاريخ الخبر اليقين (10).
هذا حديث غير علمي، ولا يشخص الوقائع برؤى تراعي المقدمات لتصل للنتائج. فتقوية الأخلاق لا تسبق الانجاز المادي، بل تتداخل هذه المعاني، لأن الاخلاق ليست مجردة، بل تلعب العوامل الاقتصادية دورا مهما فيها. على العموم فهذا الحديث لا يقلل كلية من الجهد الذي بذل في هذه الرسائل، لكنه جهد فارقه المنهج والوعي بالواقع وعدم إدراك المتغيرات التي طالت العالم.
في الجانب المقابل فإن كتاب في سبيل البعث  مترابط المواضيع إذ يبدأ الباب الأول بأفكار وتأملات، ويناقش الباب الثاني حركة البعث وماهية هذه الحركة، ويناقش الباب الثالث معنى الانقلاب في حركة البعث، موضحا أن الانقلاب يعني مواجهة النفس، والتي تتشظي بالتخلف والأمراض العديدة التي راكمتها حالة الركود والتخلف، فكما يقول ميشيل عفلق فإن (الانقلابية تفرض نوعا معينا من العمل في الوسط الخارجي السياسي والاجتماعي، فهي تفرض كذلك نوعا معينا من التنظيم والسلوك في داخل الحزب (11)، وهذا السلوك هو المرتبط بالتجرد والتعالي على الذات. وتتواصل فصول الكتاب، إذ يناقش الباب الرابع الرسالة العربية الخالدة وضمن هذا الباب تتم مناقشة الدين ومدلول الرسالة الخالدة.
أما الباب الخامس فيناقش القومية العربية ومدلولاتها، ويناقش الباب السادس وحدة النضال العربي، ويفصل الباب السابع في الاشتراكية العربية، وفي هذا الباب الأخير يتم تحديد الموقف من الشيوعية والرأسمالية.
هذا عرض سريع لكتاب في سبيل البعث، وقبله رسائل حسن البنا، حاولنا أن نقف عبر ذلك على منهج الكتابة والتصورات الأولية للحركتين. وتبرز هنا الفوارق في طريقة التفكير والتحليل والوعي بطبيعة الصراع.
فميشيل عفلق يستخدم المنهج الاستقرائي الاستنتاجي الذي يمسك بالجزء ليصل للكل، وفي المقابل يحاول حسن البنا الإمساك بالكل، دون تعيين الجزء ودون تحديد الرؤية التي توصل لهذا الكل، وهنا تتم حالة تعويم الفكر. والنقطة الأهم فإن ميشيل عفلق يمارس النقد الموضوعي للمختلف، أما حسن البنا فإنه ينفي المختلف تماماً، وهنا تتبدى المفارقة بين الفكر العقلاني ونقيضه.
نتائج ومستخلصات:
النتائج التي تخلص اليها هذه الدراسة بأن تشخيص الواقع يبدو اكثر أهمية من وضع الحلول له، إذ لا يمكن انتاج الحلول الصحيحة إلا من خلال التشخيص الصحيح، ولهذا فعندما نظر ميشيل عفلق للواقع العربي، نظر إليه من خلال الجزء والجزء هنا سوريا، واستوعب طبيعة التناقضات واشكالات الواقع التي تواجه القطر السوري.
واكتشف أن الأزمة التي تواجه سوريا حينها ترتبط بالتجزئة، وطالما وقف القطر السوري وحده فإنه لن يستطيع مواجهة الواقع المتردي الذي خلقه واقع التجزئة.
وهذا جعله أن يلتفت للواقع العربي ككل وحدد فيه طبيعة التحديات والتي حددها في ثلاثة، وهي التجزئة والتبعية والتخلف.
واستطاع ومن خلال تحليل منهجي جدلي أن يضع الحلول لهذه التحديات، فوضع الوحدة بديلا للتجزئة، والحرية بديلا للتبعية، والاشتراكية بديلا للتخلف الاجتماعي والاقتصادي.
هذا الوعي يربط بين المشكلات، وكذلك يربط بين الحلول، وفي تقديري فإن هذا الوعي، هو الوعي المفقود في صفحة وعنوان النهضة العربية، التي ما زالت تراوح مكانها ولأسباب يمكن تفصيلها في دراسة أخرى.
أما حسن البنا فقد قفز على الجزء، والجزء هنا هو مصر ليتحدث عن العالم وعن الإسلام العالمي، ودون مرتكزات تقوم على مفهوم وقيم الدولة الحديثة والوطنية العصرية. ولهذا فليس غريبا أن يتحدث حسن البنا عن وطنية أطلق عليها وطنية الفتح، فما هي وطنية الفتح؟ يقول حسن البنا الآتي:
( إن كانوا يريدون بالوطنية فتح البلاد، وسيادة الأرض فقد فرض ذلك الإسلام ووجه الفاتحين إلى أفضل استعمار وأبرك فتح، فذلك في قوله تعالى (وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله (12).
إذاً نحن هنا أمام فكر يخلط بين المفاهيم بشكل مخل، فالوطنية مفهوم حديث، والفتح ارتبط في تجربة الإسلام بالجهاد، وفكرة الاستعمار الواردة في الفقرة السابقة تجعل الإسلام مستعمرا، ومدلول الفتح لا يمكن أن يشتغل في الزمن الراهن.
ولهذا تضيع معالم الوطنية هنا ومعها مفاهيم القومية، وتصبح التجريدات الدينية هي التعميم المطلق والتي لا تستند إلى أرضيات لها صلة بالواقع المعاش.
أما من حيث تطابق الفكر بالعمل والمقارنة بين المواقف العملية لتطبيق هذا الفكر، فإن ميشيل عفلق كان مؤمنا بالقضايا والأفكار التي يطرحها. تبدى هذا فى رؤيته الموضوعية للإسلام كما ذكرنا سابقا، ولحله لحزبه في نهاية الخمسينيات من أجل الوحدة بين مصر وسوريا تجاوبا مع الشرط الذي فرضه جمال عبد الناصر.
أما حسن البنا فقد كان متحول المواقف، نتيجة لوعي الضرورة والذي هو على نسق فقه الضرورة، وهذا ما تحكم في تجسيده للفكر وأصبح حاكماً لحركة الإخوان المسلمين من بعده. وكمقارنة أخيرة فإن ميشيل عفلق قد ربط الفكر بالتنظيم ومنذ البدء، وفي المقابل فإن حسن البنا فقد بدأ حركته كحركة وعظ وارشاد، ركزت في البدء على الأبعاد الروحية والتربوية ولكن فرضت عليها الأحداث لاحقا لتتحول إلى تنظيم.
لكن النقطة الأبرز والتي يمكن استخلاصها من نشأة تنظيم حسن البنا تتصل بالوعي المسافر نحو المطلقات دون تعيين وتحديد مطلوبات الحلول.
أقصد بذلك ربط تنظيمه بالدين، ومحاولة تعميم القضايا بشكل تضيع معها إمكانية الإمساك بحل لأي قضية يطرحها الواقع.
ولكي ندلل على ذلك فلنقرأ ماذا يريد حسن البنا من الإسلام، فهو يقول (إن الإسلام عقيدة وعبادة ووطن وجنسية ودين ودولة وروحانية ومصحف وسيف) وهنا يتوقف الفكر لتحل مكانه المطلقات والمطلقات مكانها السماء لا الأرض.
في المحصلة النهائية فنحن أمام نوعين من التفكير، يتصل الأول بالتفكير العقلاني والذي مثله ميشيل عفلق، وفي المقابل هناك تفكير يرتبط بالنقل من خلال الصلة بالماضي، ودون تحديد الماضي نفسه ونقاط الانحدار والصعود فيه، أي العجز عن الربط العضوي بين الأصالة والمعاصرة، أو التراث والحداثة وهذا العقل مثله حسن البنا. فعقل النقل يفتقد القدرة على استيراد اللحظات المشرقة في التاريخ، ويحاول أن ينقل الحاضر إلى الماضي وذلك بتجميد الحاضر نفسه، والسكون في الماضي وهذا غير ممكن عقليا وانسانيا.
إذاً نحن هنا بين خيارين ضمن مشروع النهضة المتعثر، خيار العقل النقلي والعقل العقلاني، العقل الأخير الذي مثله تاريخيا ابن رشد ومن بعده ميشيل عفلق، والعقل الآخر الذي مثله أبو حامد الغزالي، ومن بعده حسن البنا وهو الذي أورث المسلمين عموما هذه الحالة من التراجع. فالخيار لدى العرب، ومن خلال مشاريع النهضة يقع بين عقل ذاهب نحو الماضي، وبين عقل يمسك بجميع الحلقات ويؤسس وبشكل علمي لمشروع نهضوي عربي، فأي خيار سيختارون؟.
مصادر الدراسة:
1-حسن البنا-ويكيبيديا-بحث غوغل
2-ميشيل عفلق-ويكيبيديا - بحث غوغل
3-مأثورات-موقع أياد ميشيل عفلق
4-حسن البنا-مذكرات الدعوة والداعية-بحث غوغل
5-عبد الإله بلغزيز-تعدد الوعي العربي بالغرب-مجلة فكر ونقد-موقع الدكتور محمد عابد الجابري.
6- عبد المنعم محمود-الدستور الأصلي-بحث غوغل
7-حسن البنا-رسائل حسن البنا-بحث غوغل
8-المصدر السابق
9-ميشيل عقلق-في سبيل البعث-موقع أياد ميشيل عفلق
10-حسن البنا-رسائل حسن البنا-مصدر سابق
11-ميشيل عفلق-في سبيل البعث-مصدر سابق
12-حسن البنا-رسائل حسن البنا-مصدر سابق
أحمد  محمود أحمد
[email protected]

رد