أخبار السودان لحظة بلحظة

السر بابو ومأزق المنهج الإنتقائي 2

0

صديق الزيلعي

ناقشت في المقال الأول طبيعة المنهج الانتقائي وكتبت ما يلي: " يؤدى المنهج الانتقائي لمآزق ومزالق كثيرة، مما يجعل من يستخدمه مكشوف الظهر، ضعيف التحليل، ناقص الحجة. ويضع القراء في موضع الشك حول مصداقية الكاتب، وامانة طرحه. كما ان المنهج الانتقائي يتعارض مع ضرورة التجانس الداخلي للأطروحة المعينة، وتطورها المترابط، الذي تؤدى مقدماته لنتائجه، بأدلة مرتبطة بسياق وتطور التحليل. وينبني المنهج الانتقائي على جمع مقتطفات، متفرقة ومعزولة عن سياقها، ومركبة تركيبا غير متجانس، لتبرر اراء مسبقة أو مواقف أو سياسات، او لتدافع عن مواقف وتاريخ حزب". كما ذكرت ان صديقي السر قد انجز أيام السرية دراسات بذل فيها مجهودا واضحا، ولك كتاباته عن الحزب تتميز بالانتقائية، ورص المقتطفات بعيدا عن سياقها التاريخي، وتدوير نفس المقتطفات والمقالات مرات ومرات مع تغيير العنوان.

وتعرضت لقضية المناقشة العامة التي نظمها الحزب الشيوعي السوداني، وما كتبه السر بابو عنها في مقاله الذي انتقد طرحي، ثم نقلت حرفيا، ما كتبته انا في كتاب (هل يمكن تجديد الحزب الشيوعي السوداني؟). وقصدت ان يقارن ما قاله السر بابو عن طرحي، وحقيقية ما كتبت. وأي قارئ يمكنه ملاحظة الفوارق الهائلة بين ما ادعاه السر في مقاله، وحقيقة ما كتبت. والكتاب موجود في السوق ولدي العديد من القراء، لمن أراد ان يستوثق بنفسه من الفرق بين ما انتقاه السر وبين حقيقة ما كتبت.

في هذا المقال سأتعرض لموضوع اتفاقية الحكم الذاتي لسنة 1953. وقد ورد ذلك السطر في إطار ما كتبته في مقدمة كتاب التجديد بعنوان ملاحظات حول قضية التجديد. وقد انتقى منه السر هذا السطر عن اتفاقية 1953، ورفض الحزب لنظام عبد الناصر. وسأنشر هنا ما كتبه السر والاصل الذي كتبته في المقدمة، مما سيكشف طبيعة العقلية الانتقائية للسر.

كتب الصديق السر ما يلي: " أشار د. صديق الزيلعي في مقال له بعنوان " ملاحظات حول قضية تجديد الحزب الشيوعي السوداني ، إلي أن المناقشة العامة لم تتناول نقديا تجربة الحزب الشيوعي والستالينية وسلبيات التجربة الاشتراكية ، وأن الحزب الشيوعي في رفضه لاتفاقية 1953 كان متأثرا بالتجربة الصينية ، ورفضه لنظام عبد الناصر بعد إعدام خميس والبقري، والمشاركة في انتخابات المجلس المركزي كانت نقلا حرفيا لمؤلف لينين " مرض اليسارية الطفولي " ، وأن الحزب الشيوعي السوداني فقد استقلاله بارتباطه بالحركة الشيوعية العالمية والمصرية، والنقل اللينيني للتحليل الطبقي لمزارعي الجزيرة ، وتأثر الحزب بمخطط المراحل الخمس التي أشار لها ستالين،. الخ."

جاء في مقدمة كتاب (هل يمكن تجديد الحزب الشيوعي السوداني؟) وتحت العنوان الجانبي: (الاستقلالية والارتباط بالحركة الشيوعية العالمية) ما يلي حرفيا:

" أحد أهم الآراء التي تطرح بكثرة ان الحزب الشيوعي السوداني حزب يتميز باستقلاليته لأنه لم يرتبط بالحركة الشيوعية الدولية. كتب القدال ان الحزب نشأ مستقلا لأنه ظل بعيدا عن الحركة الشيوعية الدولية حتى عام 1958 (معالم ص 59). ولقد تكرر هذا القول كثيرا من الشيوعيين السودانيين لتأكيد استقلال حزبهم، وانه شق طريقه بجهد قادته بعيدا عن الشيوعية الدولية، لذلك كان بعيدا عن مساوئ الستالينية. ولكني لا اتفق مع هذا الرأي، وأعتقد أن الحزب تأثر بالستالينية وبخطها السياسي والفكري والتنظيمي، بل وترسخت في الكثير من ممارساته، وذلك للأسباب الآتية:

  1. ما ذكره عبد الخالق عن كتاب ستالين كأول كتاب ماركسي يقرأه، ويقنع به آخرين، ثم ترجمته كتاب آخر لستالين.
  2. كتب عوض عبد الرازق في تقريره لقيادة حستو: "أخذت الحركة السودانية للتحرر الوطني تسير في علاقاتها الخارجية في طريق الانكفاء على الحزب الشيوعي السوفيتي، والبلدان الاشتراكية (تقرير عوض عبد الرازق ص 4)
  3. الارتباط اللصيق بالحركة الشيوعية المصرية، منذ لحظة الميلاد، كان أهم بوابات الارتباط بالشيوعية الدولية. فقد أسست حستو فرع لحركة أنصار السلام العالمية عام 1950. وأحد أسباب رفض حستو لاتفاقية الحكم الذاتي تأثرها بموقف الحركة الشيوعية المصرية من انقلاب الضباط الأحرار بعد اعدام خميس والبقري.
  4. سافر نقد في بعثة دراسية إلى بلغاريا في عام 1952، بعد فصله من جامعة الخرطوم. وشارك الشفيع أحمد الشيخ في مؤتمر اتحاد النقابات العالمي، وانتخب نائبا لرئيسه، مما يؤكد الارتباط بالشيوعية الدولية.
  5. عقد الحزب الشيوعي البريطاني مؤتمرا في أوائل خمسينات القرن الماضي، وتم فيه تقديم تقرير عن الحركة الشيوعية في السودان. من المعلوم تكليف الأممية الشيوعية أحزاب البلدان الاستعمارية بإنشاء أحزاب شيوعية في مستعمراتهم.
  6. لائحة الحركة السودانية للتحرر الوطني كانت تحمل إشارات مباشرة وصريحة للستالينية.
  7. أحد أسباب رفض حستو لاتفاقية الحكم الذاتي كان تأثر قادتها بالثورة الصينية، وان الاستقلال لا ينال الا بالكفاح المسلح. بالإضافة لوصف الشيوعية الدولية لانقلاب ناصر كانقلاب امريكي، وهو ما رددته حستو.
  8. ابتعاث كل الكوادر التنظيمية لدراسة الماركسية في الاتحاد السوفيتي، ودول شرق اوربا، مما جعل الكادر متأثرا بتلك التجارب. كما أن معظم المطبوعات التي كانت متوفرة في السوق كانت من اصدارات دار التقدم. وتأثرت حتى مناهج التعليم الحزبي بالمنهج الماركسي السوفيتي.
  9. أوضح لاكوير ان وثائق أول مؤتمر لاتحاد مزارعي في السودان، والذي انعقد في أغسطس 1952، وقد نشرته مجلة حستو، قد نشر كاملا في مجلة الشيوعية الدولية

( The Cominform Journal, July 1953, in  W. Liqueur, Communism and Nationalism in the Middle East, Praeger, 1956, p 9.)

كل هذه الأسباب تؤكد الارتباط اللصيق، والتأثر الواضح للحزب بالشيوعية الدولية، وفكرها، وخطها السياسي. فما هي إذن مظاهر الجمود والسلفية التي نتجت عن ذلك الارتباط، واحاطت بتجربة الحزب الشيوعي السوداني؟)

هذه ما ذكرته في هذا العنوان الجانبي في مقدمة للكتاب بعنوان: ملاحظات حول تجديد الحزب الشيوعي السوداني. وقد شملت تلك المقدمة العناوين التالية: مدخل لقضية التجديد، مواقف متميزة وتجديدية للحزب الشيوعي السوداني، أثر الحركة الشيوعية المصرية، الاستقلالية والارتباط بالحركة الشيوعية العالمية، بعض مظاهر الجمود والسلفية الشيوعية، الماركسية واللينينية، محدودية المناقشة العامة، قضية اسم الحزب.

تأثر قادة حستو بالثورة الصينية موجود وموثق في اعداد مجلة اللواء الأحمر التي كانت تصدرها الحركة كمجلة ناطقة باسمها ، بالإضافة لعدة تصريحات من قادتها ، بما فيها حديثهم عن الديمقراطية الجديدة.

بعد عرض كل ذلك يتضح لنا جليا، بلا مواربة، منهج السر الانتقائي، الذي دأب عليه في كل كتاباته عن الحزب. فهو يقفز من موضوع لآخر في نفس المقال. كما انه يستخدم نفس الكلمات والمقتطفات مرات ومرات، في عملية تدويرية مستمرة.

( نواصل)

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

شكراً لك على التعليق...