أخبار السودان لحظة بلحظة من الراكوبة، مقالات سياسية وثقافية

رجل قلبه معلق بالجنوب

0
عندما ترك جعفر ابنعوق الجيش كان برتبة شاويش.. لكن جعفر ابنعوف الان برتبة عقيد اركان حرب حيث من نسله 6 من الاطباء و4 مهندسين.. وذلك اذا اعتبرنا كل طبيب يساوي دبورية.. وان كل مهندسن لوحده يعادل رتبة اركان حرب..
اذا اردنا التحدث عن جعفر ابنعوف لابد ان نسط الضوء كذلك على مستر لوكا وهو وزير جنوبي سابق من قبيلة المادي.. سكن نمولي قبل وصوله الى جوبا.. وله سابق معرفة بجوزيف لاقو زعيم الانانيا.. علاقته مع جعفر ابنعوف شارفت على الستين عاما.. يحضرني موقف يستحق السرد قبل الدخول في سيرة جعفر ابنعوف..
الحدث يعود الى نهاية حقبة الثمانينات من القرن الماضي .. جاءني (قريبي)  وكان طالبا ثانويا او في بداية سنواته الجامعية  وذكر لى انه رتب لزيارة ما صحيفة ما نسيت اسمها الان .. وكانت امنيته عندما يكبر ان يعمل صحفيا وقد كان.. وبما انه يعرف انني هاو اكتب القصة القصيرة .. طلب منى مرافقته .. وتقديم نصوصي القصصية للصحيفة.. وهي فرصة لا تعوض.. لكنني اشترطت عليه شرطا واحدا ان يظل الامر بيننا سرا ولا يبوح به لاحد .. اخذت منه موثقا غليظا ان يظل المشوار طي الكتمان وأن (يقيد لسانه ما امكن) وان لا يلعلع بالخبر في مجتمعات الكلاكلة ووسط الاهل والاصدقاء ..
وصلنا دار الصحيفة وقابلنا الصحفي .. رحب بنا ترحيبا اعلي من مستوانا .. اعطيناه نماذج اعمالنا .. انا سلمته قصة قصيرة .. اما (قريبي) قدم له بعض الاوراق لا ادري ما بها .. وعدنا الصحفي بنشر اعمالنا ثم انصرفنا ..
توجهنا نحو موقف الكلاكلة وكان قريبا من مكتبة القبة الخضراء .. في زحمة الصعود الى البص سمعت (قريبي) يصيح: نشال ياناس اقبضوا النشال ..
محفظتة ذهبت مع الريح .. اخذها النشال وولى هاربا لم يدركه احد ..
اصبح (قريبي) داخل داخل البص وان على الارض ابحث عن النشال .. المشكلة لم تكن معي نقودا .. وسُرقتْ المحفظة.. صرنا في ورطة كيف ندفع قيمة البص.. في تلك اللحظة ظهر مستر لوكا بملبسه الباذخ الانيق.. سلمنى مبلغا اعطيته (قريبي) داخل البص من اجل دفع قيمة التذكرة ..
عدت انا ومستر لوكا سويا الى الكلاكلة بنفس البص ..
عندما وصلت اخر محطة .. كان (قريبي) سبقنا الى الكلاكلة .. قابلني احد اهلي في الطريق .. وقال لي انه قابل لتوه (قريبي) وذكر له اننا ذهبنا سويا الى الصحيفة.. التى بدورها ستنشر اعمالنا ..
لم يحفظ (قريبي) العهد الذي قطعه لي بان يظل الامر طي الكتمان ..  انتشر الخبر وسط المقربين والمعارف وفاح..
ظلت الاسئلة تلاحقني : متى ستنشر الجريدة القصة وفي أي عدد .. راجعنا جرائد اليوم ولم تنشر .. اشترينا عدد الاسبوع الثقافي ولم نجد بها القصة ..
نسي المقربون قصة محفظة (قريبي) المسروقة (وكنكشوا) في موضوع القصة القصيرة (بتاعتي)..
علاقة جعفر ابنعوف مع مستر لوكا تعود الى عقود طويلة .. الى مدينة جوبا حيث تحفها ظلال اتفاقية اديس ابابا .. الامن في قمة استتبابه.. والتجارة وارفة ومجدية الربحية .. والتماسك الاجتماعي في قمة مجده ..
ايها السادة: لجعفر ابنعوف شجرة لالوب نابتة امام منزله القابع في حي ملكال.. البيت نفسه مطل على شارع الزلط الواصل بين جوبا تحت وحي اطلع برا.. كثيرا ما يقعد تحتها اوقات العصر هو واصدقاءه وتحوم حولها اغنام جلبها من بلدته في اقصى الشمال.. وتمتد جلسته حتى بعد صلاة العشاء .. كانت الشجرة قبلة للناس فهي تلم اطيافا متنوعة .. شماليون وجنوبيون .. تجار وعامة.. جنود وملكية .. هذه الشجرة في اوقات تكون اشبه بالنادي .. من خلالها استطلاع جعفر ابنعوف ان يخلق شبكة صلات كبيرة باعيان مدينة جوبا..
محمد جابر المدير وهو الصديق المقرب لجعفر ابنعوف يقول : شجرة جعفر ابنعوف وشبكة علاقته الواسعة انقذتنا من مواقف محرجة كثيرة..  يقصد هنا العراقيل التى يجدها في تجارة سن الفيل الذي كان احد اكبر رموزها .. فكانت العراقيل تزال بواسطة المسئولين الذين التقاهم تحت شجرة اللالوب وبواسطة الصداقات التي عقدها جعفر صناع القرار.. وقتها تجارة سن الفيل تجارة مشروعه ورائجة.. حيث تمنح الحكومة رخص العمل التجاري  لمن يرغب..
مستر لوكا يعد احد رواد الشجرة المداومين.. حكي لي جعفر ان بداية علاقته بمستر لوكا عندما كان موظفا صغيرا ضامرا ..  واستمرت العلاقة الى ان ترقي بدرجة وزير في الاقليم الجنوبي ..
استطيع القول ان مستر لوكا رجلا مزواجا .. وافر الذرية .. اولى زوجاته طاب لها المقام  بمدينة هراري ..
عندما كثفت الحركة الشعبية هجوما على مدينة جوبا في ثمانينات القرن الماضي..  اصبحت القذائف تسقط داخل جوف المدينة ذاتها واستحالت بعض المباني الى خراب.. جنح السكان الى النزوح ناحية الشمال ودول الجوار الاخرى.. تبعثروا في مدن الشمال المختلفة لكن حظ الخرطوم هو الاوفر ..
شاءت ارادة الله ان يسكن مستر لوكا قريبا من جعفر ابنعوف في الكلاكلة.. لذا ظل يرتاد منزل جعفر كالعادة .. لكنهما افتقدا معا شجرة اللالوب ..
الحياة في الشمال صعبة وشاقة .. ذهبت نعومة ورخاء الجنوب الى الابد .. ظل كل من جعفر ابنعوف ومستر لوكا يكدحان من الصباح الى المساء .. واصبحت ملماتهما متقطعة .. ربما يلتقيان مرة في الاسبوع لكنهما حافظا على متانة العلاقة .. كما يقول عمي احمد زيدان ارث الجنوب لا يزول..
اتيحت لى فرصا عديدا اكون ثالثهما وهما يتناقشان حول المركز الصحي الذي يزمع مستر لوكا تشيده .. يتكلم مستر لوكا وجعفر ابنعوف مطرق يسمع .. ثم يدلو بدلوه مقدما طبق النصيحة الذاخر بالارشادات ..
كنت اعتبر ما يرمي اليه مستر لوكا ضربا من الخيال .. كل الظروف تسير عكس اتجاهه فهو نازح .. يقضي جل وقته باحثا عن لقمة عيشه .. فكيف اذن سيشيد مركزا صحيا من الصفر ..
قال جعفر ابنعوف : مستر لوكا بيقدر .. الزول دا شديد ..
كان ايمانه منقطع النظير بقدرات رفيقه مستر لوكا ..
جعفر ابنعوف يتميز بالهدوء والروية في التفكير.. لا يتخذ قرارات تشوبها العجلة والتهور.. يفكر الف مرة ثم يقدم على خطواته التى ينتويها  وهو واثق الخطي يمشي على ارضية ثابتة .. مدخن شره ويحب السكر الزيادة في الشاي والقهوة..  قدم الى جوبا في ستينات القرن الماضي .. كان القدر يخبيء له مفاجاة سعيدة .. رفيق دربه في العسكرية محمد جابر المدير يهبط في المدينة ذاتها قادما ياي وتستمر الصحبة الطويلة.. في جلساتي معه يرفع محمد جابر احدي الصور ويقول كنا في خيمة التدريب العسكري  خمسة جنود .. توفوا جميعا الا انا وجعفر ابنعوف.. ومن سخريات القدر بعد سنة او اكثر بقليل يشيع جعفر ابنعوف رفيق دربه الى المقابر..
محمد جابر المدير كان رجلا يتعامل مع الارقام بصورة فوق العادة .. يحفظ نمرته العسكرية الطويلة رغم مضي اكثر من ستين عاما على تركه للعسكرية..
قبل سنوات قليلة قال محمد جابر وهو يخاطب جعفر ابنعوف : هل تذكر رقمك العسكري ..
انكر جعفر معرفته بالنمرة العسكرية.. فهو هجر العسكرية منذ امد بعيد ..
ذكر محمد جابر النمرة العسكرية خاصة صديقه جعفر ابنعوف .. كانت ارقاما طويلة ذكرها رقما تلو رقم ..
عندما توفي محمد جابر المدير .. وقمنا بواجب الدفن .. القيت نظرة اخيرة ناحية قبره .. كان القبر يحمل الرقم 1094 .. نقل المرحوم عدوي حفظ الارقام الى ذاكرتي الواهنة (ذاكرة السمكة) ..
في احدي اعياد الكريماس ذهبت مصطحبا جعفر ابنعوف لزيارة مستر لوكا بغرض اداء واجب مباركة العيد.. جلسنا ضمن مجموعة كبيرة تضم في جوانحها طيف من ابناء الشمال والجنوب .. فقد كان مستر لوكا  سياسيا غير محظوظ .. قاتل مع جوزيف لاقو في انانيا (1) .. عندما انتفض جون قرنق  لم يسانده .. اثر الانضمام الى المعسكر النقيض أي معسكر انانيا (2) .. بعدما كان وزيرا مرموقا.. اصبح كادحا يدافر في المواصلات ..
ظل مستر لوكا يحكي لجعفر خطواته التى اتخذها بعدما اسس منظمة خيرية باسم الشهيد نيال دينق ويحكي له انه ذهب الى المصلحة الفلانية وجاء من الوزارة الفلانية .. كان جعفر ابنعوف يصغي ويثني ويشد من ازره .. ثم ينصرف .. في احد الاعياد الاسلامية جاء مستر لوكا الى جعفر ابنعوف لتهنئة العيد وكان هناك جنوبي اخر -اظن مستر جنسون صاحب مدارس الدبلوماسي- جاء ليبشر جعفر انه سجل اخيرا المنظمة الخيرية.. وان شرع في وضع خطة لبناء المستوصف .. انا ادري ان مستر لوكا ليس له مال .. كنت اري من الاستحالة ان ينجح في مسعاه.. تحدى مستر لوكا الصعاب وشيد مركزا صحيا في الدخينات باسم الشهيد نيال دينق..
سالته عن صلته بالشهيد نيال دينق قال لي انهما تربيا في بيت واحد ولهما صداقة طويلة..
ايها السادة: القصة القصيرة التى كتبها والتى رفضت الجريدة نشرتها ارسلتها الى احدى الصحف المصرية التى تعني بالادب.. نشرتها وعلقت عليها الناقدة سهير القلماوي واثنت عليها.. فيما بعد فازت ذات القصة بجائزة اتحاد الطلبة في جامعة الزقازيق..
النذير زيدان