أخبار السودان لحظة بلحظة من الراكوبة، مقالات سياسية وثقافية

حول تحديد الأسعار بقرارات إعتباطية أو الغرق فى شبر موية

0

الدكتور موسى محمد كرامة وزير الصناعة و التجارة من ( إندنا) على قول إخواننا فى أقصى شمال السودان وهو جارى فى السكن . وقد تمنيت له التوفيق فى القيام بمهام المنصب الدستورى ولكن سمعت منه صباح يوم الثلاثاء 16 أكتوبر2018 حديث مزعج جداً ويثير القلق. فقد سمعته يعلق على ورقة الأسعار والأجور فى قاعة المؤتمرات الكبرى بوزارة التعليم العالى والبحث العلمى و يهاجم دعاة الحرية الإقتصادية ويقول ما معناه إن الحكومة سوف تقوم بتحديد أسعار البيع للمستهلكين و توحيد أسعار البيع على نطاق السودان بمعنى أن سعر بيع السلعة فى الدلنج سوف يكون متساوياً مع سعر بيعها فى أمدرمان.وأقول إبتداءً إن تحديد الأسعار بقرارات إعتباطية خاطئ نظرياً وضار عملياً  ومكلف مالياً وجالب للفساد.والمقصود بالقرارالإعتباطى القرار الذى لا يسنده تعليل منطقى معقول و يقوم على الهوى أو المزاج أو التعسف إلخ.

ماذا وكيف ولمن؟

تقول الكتب المرجعية فى علم الإقتصاد إن النشاط الإقتصادى لكل الناس يتعلق بالإجابة على ثلاثة أسئلة رئيسية هىwhat,how and for whom?  أو ماذا ينتج و كيف ولإستهلاك من أو يباع لمن.و فى النظم الإقتصادية التى تقوم على التحكم الكامل فى النشاط الإقتصادى حيث تملك الحكومة و سائل إنتاج وتوزيع السلع و الخدمات (النظم الإشتراكية أو الشيوعية) فإن الحكومة هى التى تقرر فى ماذا ينتج وكيف ولمن.ويعرف القارئ الكريم ما آلت إليه تلك النظم من فشل وإنهيار كامل. والنظام المقابل والنقيض للنظم التحكمية هو نظام الإقتصاد الحر حيث يملك الناس وليس الحكومة وسائل إنتاج وتبادل السلع والخدمات.وفى هذا النظام يجيب ملايين الناس على أسئلة ماذا ينتج وكيف ولمن. ويقرر كل منتج أن ينتج السلعة أو الخدمةالتى تحقق له ربحاً إقتصاياً وأكرر ( ربحاً إقتصادياً)  معقولاً ( مثلاً 10%أو 15% من التكلفة )على ضوء حساباته لتكاليف و مكاسب ومخاطر(إحتمالات الخسارة)إنتاج وبيع السلعة.والمنتج وحده و أكرر المنتج وحده يعرف المعلومات التى يبنى عليها حساباته(الله يعلم بالطبع)ولا يستطيع أى موظف حكومى أن يحيط بالمعلومات التى يبنى عليها المنتجون قراراتهم.ولكن ماذا نعنى بالربح الإقتصادى؟

التكاليف الظاهرة أو النقدية explicit  والتكاليف الضمنيةimplicit or imputed :

تخيل إنك كنت تعمل فى الحكومة براتب شهرى إجمالى مقداره خمسة ألف جنيه وتسكن فى بيتك.وتملك غرفة فى أحد أركان البيت مؤجرة لشخص آخر يستخدمها لبيع السلع(بقالة) ويدفع لك أجرة شهرية مقدارها ألف جنيه.ولكنك قررت أن تترك الوظيفة الحكومية وتفتح بقالة فى نفس الغرفة تديرها بنفسك.ففى هذه الحالة أنت تضحى بمبلغ ستة ألف جنيه فى كل شهر هى مجموع الراتب و أجرة الغرفة وهذا المبلغ هوالتكاليف الضمنية أوتكاليف المدخلات الشخصية التى لم تدفع فلوس مقابل شرائها من الآخرين ولكنها تشكل تكاليف يجب أن تضاف إلى تكاليف شراء وترحيل وتخزين السلع التى تقوم ببيعها( التكاليف الظاهرة أو النقدية) لتحديد التكاليف الإقتصادية أوالإجمالية( النقدية زائداً الضمنية).ولكى تحقق ربحاً إقتصادياً يجب أن تتجاوز إيرادات بيع البضاعة التكاليف الكلية أو الإقتصادية وإلا تكون قد شربت مقلب.ويشكل حساب التكاليف فى بلد مثل السودان لا يتعامل فيها الناس بالفواتير وإلإيصالات وتشهد إرتفاعاً متواصلاً فى الأسعار؛ يشكل حساب التكاليف مشكلة كبيرة للمنتجين و التجار و مصدر نزاع  مع سلطات الحكومية التى تحدد الأسعار.و ربما يذكر القارئ الكريم إشتطاط حكومة الإنقاذ فى أيامها الأولى فى تحديد الأسعار وما نشأ عن ذلك من إبتزاز و تعسف و فساد ونشوء سوقين لكل سلعة مسعرة بواسطة الحكومة حيث تباع الأصناف متدنية أو رديئة الجودة بسعر الحكومة و تباع الأصناف الجيدة بالسعر الذى يتراضى عليه البائع و المشترى.

تعدد الأسعار ليس فوضى بل هومن طبيعة التعامل فى الأسواق:

عندما يرتفع سعر أية سلعة إرتفاعاً عاماً عند أغلبية البائعين يكون ذلك بسبب واحد أو اكثر من أربعة أسباب. السبب الأول هو إرتفاع تكاليف إنتاج أو إستيراد ألسلعة مثل ما يحدث عندنا اليوم من إرتفاع متواصل لأسعار السلع المستوردة بسبب إرتفاع سعر الدولار.والسبب الثانى هو فرض ضريبة على السلعة مثل ضريبة المبيعات والسبب الثالث هو إرتفاع حجم الطلب على السلعة مع بقاء الكمية المعروضة للبيع على حالها أو إرتفاعها بنسبة أقل من  إرتفاع حجم الطلب والسبب الرابع هو إنخفاض الكمية المعروضة للبيع مع بقاء حجم الطلب على حاله أو إنخفاضه بنسبة أقل من نسبة إنخفاض حجم الطلب. و صفقة البيع و الشراء تتم بين طرفين . طرف بائع يرغب فى الحصول على ربح إقتصادى معقول آخذاً فى الإعتبار المنافسة مع البائعين الآخرين ودرجة جودة السلعة و المتبقى من عمرها الإفتراضى و إعتبارات أخرى يعرفها هو وحده.و الطرف الآخر هو المشترى. و يرغب المشترى فى الحصول على السلعة أو الخدمة بأقل سعر ممكن آخذاً فى الإعتبار قوة رغبته فى السلعة أو الخدمة  intensity of demand والبدائل المتاحة له و قدرته على الدفع وإعتبارات أخرى يعرفها هو وحده .ولهذا يتم بيع نفس السلعة وفى السوق الصغيرة جداً بأكثر من سعر لأن لكل بائع و مشترى إعتباراته و تقديراته الخاصة به هو وحده .وهذه ليست فوضى كما يقول كل من معتز موسى رئيس مجلس الوزراء و الدكتور موسى كرامة وزير التجارة و الصناعة ولكنها طبيعة التعامل فى كل الأسواق. ولا يستطيع أية محاسب تكاليف حكومى أن يحيط بكل المعلومات التى يبنى عليها المنتج تكاليفه الإقتصادية ويحدد على ضوئها هامش الربح الإقتصادى الذى يتطلع للحصول عليه.وتحديد الأسعار بقرارات حكومية و الإشراف على الإلتزام بتلك الأسعار لن يكون مجاناً ويحتاج لجيش كبير من الموظفين الحكوميين. وقدتوصلت كل الحكومات بالتقريب التى تدير إقتصادات تقوم على تملك الناس لوسائل إنتاج وتبادل السلع و الخدمات؛ توصلت  لقناعة قوية وهى إن تحديد الأسعار بقرارات تصدرها الحكومة عمل بائس وفاشل وجالب للفساد وفيه إنصراف عن السياسات و الإجراءات الرشيدة و المسؤولة التى تحول دون إرتفاع الأسعار .ولكن ماهى؟

الغلاء الفاحش فى السودان بفعل فاعل :

إرتفاع الأسعار الذى أدى إلى إفقار وتجويع كل السودانيين أصحاب الدخول الثابتة و المنخفضة من جنود وعمال وموظفين وحرفيين صغار ومدرسين فى كل مستويات التعليم بما فيها التعليم الجامعى ناتج عن فعل فاعل هو حكومة الحركة الإسلامية التى تهيمن على مفاصل الدولة السودانية منذ الثلاثين من يونيو1989 وحتى اليوم.

أولاً قامت حكومة الحركة الإسلامية بنفخ الطلب الكلى على السلع و الخدمات بصورة يصعب على أى شخص عاقل تصديقها .فقد مارست السفه فى طباعة وإصدار العملة لتمويل صرفها.وإرتفع عرض النقود من حوالى(14)مليار جنيه فى نهاية ديسمبر1988 ؛ أى قبل ستة شهور فقط من إنقلاب الحركة الإسلامية؛ إرتفع إلى ما يزيد عن (203)ترليون جنيه سودانى فى نهاية ديسمبر2017 أو تضاعف(14500)مرة.و قد زادت كمية النقود خلال عام 2017 وحده بنسبة (68.4% ). وذلك الإرتفاع الهائل فى كمية النقودهو السبب الرئيسى لأرتفاع أسعار السلع و الخدمات وإنهيار القيمة الشرائية للجنيه السودانى وإنهيار سعر صرفه.

وثانياً تعتمد حكومة الحركة الإسلامية على الضرائب على السلع والخدمات كمصدر أساسى لإيرادات الحكومة بدل الضرائب على الدخول.وتؤدى تلك الضرائب إلى إرتفاع الأسعار الذى يقع على رأس المواطن السودانى الغلبان.

وثالثاً عندما يرتفع سعر أية سلعة ويحصل من ينتجونها أو يبيعونها على هامش ربح إقتصادى أكثر من النسبة التى تعتبر معقولة(مثلاً 15 %)؛ فإن المنطق الإقتصادى يقول إن الموارد الإقتصادية سوف توجه إلى إنتاج أو بيع تلك السلعة وزيادة كمية المعروض مما يؤدى إلى تراجع و إنخفاض سعرها.ولكن هذا لا يحدث فى السودان لوجود هيمنة حزبية على السوق ويوجد محتكرون نافذون حسب ما قال وزير التجارة و الصناعة الدكتور موسى كرامة بعضمة لسانه.

ورابعاً يعانى الإقتصاد السودانى من وجود خوانق هيكلية تعوق الإستثمار والإنتاج والتوزيع وعلى رأسها النقل والكهرباء و الأيدى العاملة الماهرة و التمويل.و ما لم تزل تلك الخوانق لن يتمكن عرض السلع و الخدمات المنتجة فى السودان من مواكبة زيادة الطلب الكلى الذى ينتج عن الزيادة الطبيعية فى عدد السكان والتى تقدر بحوالى (2.8 %) فى العام.وتبدع النساء السودانيات، والحمد لله، فى كل ما يشجع على الإكثار من خلق الله.

سياسات رشيدة و مسؤولة بدل الغرق فى شبر موية:

أعتقد إن حكومة رئيس مجلس الوزراء معتز موسى قد أهدرت ما يزيد عن شهرين من عمرها فى أمور لاتتطلب أكثر من قرار يقضى بخروج الحكومة من سوقى العملات و الذهب وسوف تغرق فى شبر موية وتهدر الوقت و الموارد و تحصد الفشل إذا ما حاولت التحكم فى أسعار السلع و الخدمات بقرارات إدارية ومطاردة بوليسية.و أعتقد إن الإجراءات الناجعة لمحاربة إرتفاع الأسعار وغير المكلفة وغيرالمهدرة للوقت و الموارد هى:

أولاً التوقف الكامل عن طباعة و إصدار العملة لتمويل العجز فى موازنة الحكومة أو أى غرض آخر.

وثانياً إجراء إصلاح ضريبى شامل وعادل يجعل الضرائب على الدخول هى المصدر الرئيسى لإيرادات الحكومة وليس الضرائب غير المباشرة.

وثالثاً القضاء على هيمنة رموز ومناسيب و ومحاسيب الحركة الإسلامية على مفاصل الإقتصاد.و القضاء على جميع أشكال الإحتكار.و إقامة العدل و المساواة بين كل السودانيين فى السوق بدون محاباة أو مضاداة على أساس الإنتماء الحزبى أو القبلى أو الجهوى أو الدينى. وقد أعجبنى و سرنى ما سمعته من معتز موسى رئيس مجلس الوزراء حول تلك المعانى فى الندوة التى أقيمت بقاعة الشارقة بجامعة الخرطوم صباح يوم السبت 27 أكتوبر2018. وأتوقع منه أن يتبع ما قاله بأفعال يراها الناس شاخصة أمامهم.

و رابعأ مواصلة القضاء على ترهل أجهزة إدارة الدولة والقضاء على كل أشكال الصرف الحكومى المهدر للموارد مثل تمويل إتحادات الطلاب والشباب و النساء والجمعيات الخيرية و التطوعية و غيرها من أبواب و نوافذ سرقة المال العام و توجيه الموارد لإزالة خوانق الإستثمار و الإنتاج والتوزيع التى ذكرتها أعلاه.

وخامساً تطبيع علاقة السودان بالعالم الخارجى و خاصة الدول ذات النفوذ الكبير مثل الولايات المتحدة الأمريكية لأن ذلك العمل ضرورى جداً لجذب الإستثمار الأجنبى المباشر.

 

سعيد أبو كمبال
[email protected]

رد