أخبار السودان لحظة بلحظة

دموع للبيع (2) بإمكاننا أن نصنع الفرق!!

1

مناظير

  • ما ان عانقت أعين القراء قصة الطالبة (تغريد) التى نقلتها لكم قبل يومين، حتى انهالت عشرات التعليقات والرسائل والمكالمات ترغب فى تقديم العون والمساعدة، وهو ما اعتدناه من هذا الشعب الكريم، رغم الكبت والقهر والظروف القاسية التى يعيشها منذ ثلاثين عاما عجفاء، أثرت على الكثيرين، ولكن بقيت الأغلبية على أخلاقها ومبادئها ونقائها، وتمسكها بالأمل فى انزياح الغمة العارضة والتغيير الى الأفضل!!

 

  • كنت قد حكيتُ على لسان( تغريد) الطالبة المتفوقة بكلية الصيدلة، الظروف القاسية التى تمر بها بعد وفاة أبيها المفاجئة فى حادث حركة، والذى كان يعمل سائقا بالخرطوم، ويحلم بأن تحقق ابنته الحلم الذى يعيشه بأن تصبح دكتورة صيدلية ويفخر بها امام كل الناس .. كان عندما يغمره هذا الشعور، يطحن نفسه ليوفر لها كل شئ ولا يجعلها تحتاج لأحد، ولكن جاء الموت واختطفه فجأة فى لحظة قاسية من لحظات الزمان الذى لا يرحم، وفقدت (تغريد) الحب والحنان والحضن الدافئ والاب الرحيم والعائل والسند .. !!

 

  • وأجد نفسى هنا أعيد ما قالته تغريد عن هذا الموقف الصعب الذى لا استطيع التعبير كما عبَّرت هى عنه: (كانت صدمة كبيرة بالنسبة لي، تعبت شديد والحمدلله،  فقد حار، وبالذات الوالد، بالجد حار شديد، شهور وانا بحاول أستوعب الحاصل وماقدرت، والحمدلله هسة بديت اعود للواقع، بس ذكراهو عايشة جواى، وفى بالى وفكري وكل شي)!!

 

  • بعد فترة من الوقت قضتها (تغريد) مع أمها فى (سنار)، تماسكت بعض الشئ، وعادت الى فصول الدراسة بالعاصمة، ولكن لم يعد الوضع هو الوضع، وتغيرت الظروف، ولم يعد للأب   الذى يقدم الحضن الدافئ، والأمن والأمان والحب والعون، وجود .. ووجدت تغريد نفسها فى مهب الريح القاسية التى لا ترحم، بدون عائل أو سند سوى (أُم) أرهقها المرض وهدها الحزن تعيش بعيدا هناك، وتحاول أن تفعل شيئا لابنتها بصنع وبيع المثلجات، ولكن .. !!

 

  • لم يكن أمام (تغريد) إلا أن تلجأ الى الإقامة والسكن مع خالتها فى الخرطوم، تلبية لرغبة والدتها، وهنا كانت المأساة الكبرى، فلقد عوملت من خالتها وكل أفراد الأسرة وكأنها (عدو)، وليست إبنة شقيقة وخالة، لا لسبب غير الغيرة من تفوقها الأكاديمى، ويا لها من غيرة تلك التى تجعل الخالة (الحنون) تطرد إبنة شقيقتها من المنزل ليلا وهى باكية جائعة، بعد إكالة الشتائم القاسية لها، لأنها تأخرت عن موعد عودتها من الجامعة لعدم وجود المواصلات !!

 

  • تقول تغريد (في يوم جيت من الجامعة، محاضراتي انتهت الساعة خمسة وكانت مواصلات مافى نهائى، واضطريت ارجع ماشة على كرعى وانا هلكانة من الجوع، وصلت البيت الساعة تسعة، ورغم التعب الشديد والجوع والدموع الكانت مالية عيونى وجارية على خدودى، ما خلونى وقعدوا يسمعوني كلام فارغ، وين كنتي، وانحنا ماعندنا كلام زي ده، لو انتي كدة تاني ماتقعدي معانا، خلي امك تقعِّدك في اي حتة .. وهم بيتكلمو وانا ببكي وجواي نار بتغلى .. أنا ماعارفة في خالات كده ولا خالتى نوعها براها)!!

 

  • قضت تغريد الليل على مضض فى بيت خالتها رغم الطرد الذى تعرضت له، وفى الصباح ذهبت الى الجامعة وهى لا تدرى الى اين تقودها قدماها وماذا تفعل، فأمسكت القلم وخطت هذه القصة الحزينة، التى ختمتها قائلة: (هسة انا ما عارفة اعمل شنو، اسيب القراية وأرجع سنار، ولا أحاول أشتغل، وأشتغل شنو، وأعيش وين مع الداخليات البقت بالشى الفلانى وأنا مصاريف وجبة واحدة ما عندى .. لا أملك غير آهاتى وأوجاعى ودموعى، ودعواتكم .. وأملى فى الله كبير)!!

 

  • عندما قرأت هذه القصة، وأعدت نشرها، انفتحت أبواب الأمل على آخرها، وجاءت التعليقات والرسائل والمكالمات من هنا وهناك، من داخل السودان، ومن كل بقاع الدنيا، تطلب نيل شرف تقديم يد العون والمساعدة لتغريد، ليس شفقةً عليها، وإنما واجب يجب ان يقوم به كل من بإستطاعته أن يفعل شيئا ..!!

 

  • إتصلت (زهراء إبراهيم) وهى شابة عصامية وصحفية وام لطفلين، تعرض إستضافة (تغريد) فى بيتها الصغير والتكفل بإعاشتها، وأرسل الشاعر (ابراهيم ابوناجى) المقيم بكندا يعرض استضافة تغريد مع اسرته فى الخرطوم، وقدمت الأستاذة نعيمة عجبنا عوض السيد نفس العرض، وتكفل الأمين دفينة بمصروفات سكنها وإعاشتها حتى تتخرج، وكذلك  تقوى كمبال، والشاعر الشاب على ابراهيم شمو (وهو ليس على شمو المعروف)، ثم تدفقت العروض من كل حدب وصوب، من سارة ميزان، ومحمد ابوحسن،  وعفاف عمر خوجلى، وآفاق حاج، والشريف الحامدابى، والزميلة الصحفية سميرة يوسف، واحمد سارجاث، وكثيرون طلبوا عدم ذكر اسمائهم، وتكرم كثيرون بالاقتراحات والتعليقات المؤيدة والمؤازة، التى تصب جميعها فى  محاولة إسعاد وتغيير حالة إنسان فى لحظة إحتياج، وقد نكون كلنا ذلك الإنسان فى يوم من الأيام ..

 

  • وأُطمئِن الجميع، بأن كل المبادرات وصلت أو ستصل للإبنة (تغريد)، التى تيسر لها بعون من الله ومَن سخرهم لقضاء حوائج الناس، حل مشكلة السكن بشكل مؤقت، كما انها بصدد العمل  فى إحدى الصيدليات بعد ساعات الدراسة لتدبير نفقات المعيشة، إن شاء الله، فشكرا لكم، ولمشاعركم النبيلة التى أثبتت أن الشعب السودانى بخير، لن تهزه أعاصير، ولن تهزم طبيعته الانسانية الراقية التى تملك القدرة على التغيير، محن !!

 

  • والتغيير ليس بالضرورة أن يكون لمجتمع أو وطن .. أو شئ أكبر حجما، حتى نسعى إليه ونتحمس له، فقد يعادل إعطاء قرش واحد لإنسان فقير، أو ساندوتش لجائع، تغييرا للعالم بأسره فى نظرهما .. شكرا لكم !!

زهير السراج
[email protected]

تعليق 1
  1. abdulbagi :

    لقد تضامنا مع الشابة تغريد وهى تستحق ذلك واكثر , ولكن يادكتور يجب الا ننجرف وراء العاطفة وننسى المجرم الحقيقى الذى هو نظام الابالسة الذى حول حياة الشعب الى جحيم بعد ان كانت تتمتع ببعض النعيم , هذه الخالة هي أداة تنفيذ ولكن من خطط ودبر وسرق هم الابالسة عديمى الضمير والذمة . هؤلاء الابالسة جعلوا حياة المواطن جحيم في جحيم واضطرته ظروف الحياة لتبديل بعض عاداته السمحة التي توارثها أبا عن جد . لو كانت هناك حكومة ونظام ذات ضمير وذمة ووجهه موارد البلاد بالعدل واهتم بصحة الناس وتعليمهم لما تعرضت بنتنا تغريد لهذا الموقف الصعب . ويحمد لها إنها تحلت بشجاعة واتصلت بكم وكان سهل عليها ان تسلك طريقا اسهل لجلب المال ولكنها لم تفعل مما يدل على ان والدها الذى حزنت عليه كان بسيطا فقيرا كادحا ولكنه سودانى اصيل رباها فأحسن تربيتها . وفقك الله ياتغريد ويابنتى الفقر لم يكن يوما عيبا لكن العيب في السرقة والانحراف كما يفعل الابلسة فاقدى الضمير والذمة أصحاب الوجدان المعكر برواسب الفساد . شدى حيلك وفقك الله وشكرا دكتور زهير وشكرا لكل من ساهم ولو باضعف الايمان وهو التعليق والناس ظروفها مقدره . الثورة تدق الأبواب افتحوا لها الأبواب والشبابيك وتنسموا عبير الحرية . الغد للحرية والجمال وأطفال اصحاء

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

شكراً لك على التعليق...