الراكوبة، أخبار السودان لحظة بلحظة

لقد إنطفأ البريق وإهتزت السارية!

0
خربانة الدنيا أم قدود ما دايمة
نامت للأفاضل وللعرامل قايمة
اندمر في المخزن سيفي البشيل القايمة
غرقوا التماسيح شوف الوِرال العايمة
"إبراهيم ود أبو شناح"
تَوَسّد الثرى، في بقيع الغرقد بالمدينة المنورة، وبجوار القُبة الخضراء، حَيث ضَريح المُصطفى صلى الله عليه وسلم، جثمان أحد فرسان السودان وعظمائه، لا بَل أحد الزُّهّاد الذين قَلّ أن يجود الزمان بمثلهم، فقد فاضت روح المشير عبد الرحمن سوار الذهب إلى بارئها بالمُستشفى العسكري في العاصمة السعودية الرياض، تاركاً ثلمة في الأمة يصعب سدها. وكما يقال في السودان: "انكسر المرق واشتت الرصاص"! بل كأني بالشاعر العربي وهو يقول: كأنّ آل سوار يوم وفاته نجوم سماء خرّ من بينها البدر! وقَد فَاضَت مَواقع التواصل الاجتماعي بكثيرٍ من الأوصاف والأقوال في حَق الرَّاحل الكَبير، ونَعته جهاتٌ رسميةٌ وشعبيةٌ وكلّها كانت صادقة فيما قالت؛ ذلك أنّ هذا الرحيل المُر قد فتح سِيرَة هذا الرُّجل العَظيم عَلَى مصراعيها فدأب الجميع يحكي تجربةً شخصيةً تَكشف جانباً من عظمة سوار الذهب وزهده وورعه وصدقه، وبَساطته وحُسن خُلُقه ونُبله ووفائه، ورُبّ آخر يسرد حَادثة أو يُورد مَوقفاً مُتفََرِّداً يُشير إلى مَا كَانَ يبذل المشير سوار الذهب من جُهدٍ مُخلصٍ حتى يوفر الطعام أو الكساء والدواء ليتيمٍ أو أرملةٍ في مجاهل أفريقيا وغيرها من بلدان العالم الإسلامي الواسع، أو لكي يُؤمِّن فُرصَة لتعليم طَالِبٍ فقيرٍ تقطّعت به السبل أو أغلقت دونه الأبواب، أو يسعى لتوفير مياه الشرب لهذه القرية أو تلك بلا مَنٍّ أو أذى. الراحل، المغفور له بإذن الله تعالى، كان مثالاً للزهد والعفة، وإن شئت فقل إنّه قد كان أمة قانتاً لله وحده، لم تشغله المناصب ولم تغره الدنيا وزخرفها وبريقها وصولجانها الخادع، بَل كَانَ مُدركاً لما خلق من أجله؛ أي أن تكون صلاته ونسكه ومحياه ومماته لله رب العالمين؛ فظلّ مُلتزماً بهذا النهج والمسلك في كل أطوار حياته حتى انتقل إلى جوار ربه راضياً مرضياً؛ ليلحق بزمرة النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً. ولا غرو أن يكون فقيدنا، رَحمه الله تعالى على هذه الشاكلة؛ فهو من الذين نشأوا في كنف بيت تتلى فيه آياتُ الذكر الحكيم آناء الليل وأطراف النهار، فما من شخصٍ يتلو آية أو حزباً من القرآن الكريم في السودان إلا وكان لآل سوار الذهب في أجره نصيب؛ فهذه الأسرة الكريمة والعَريقة قَد عُرفت بنشر العلم والدين من منطقة القدار في الشمال، حيث يوجد ضريح جدهم الأكبر، إلى ربوع كردفان غرباً، إذ يقف مسجد سوار الذهب في مدينة الأبيض شاهداً على صحة ما نقول حتى يومنا هذا. ويكفي عبد الرحمن سوار الذهب فخراً أنّه كان نقيب الأشراف العباسيين في السودان، نسباً وفعلاً وسُلُوكاً وسيرةً طيبةً قصرت دونها الهامات. ومن نافلة القول الحديث عن مسيرة المشير سوار الذهب العسكرية فهي معلومة لدى القاصي والداني، ولكل أفراد القوات المُسلّحة السودانية الباسلة، ضباطاً وجُنوداً وقادةً، من الذين زاملوه في تلك المُؤسّسة أو عملوا تحت إمرته، فقد كَانَ فيهم مِثالاً للانضباط وحُسن التّصرُّف؛ فهو القَائد الفَذ والجُندي الجَسُور والضَابط المِقدَام، رحمه الله رَحمةً وَاسعةً. ومن حُسن حظ الأمة السُّودانية أنّ كَانَ المشير سوار الذهب وزيراً للدفاع عندما خرجت الجماهير ضد حكومة مايو في أبريل 1985 فحجب الله تعالى به دماء الناس وحفظ به استقرار البلد بعد أن تَسَلّم زمام الأمر، ليس شهوة في الحكم والسُّلطة، بل ليحول دُون انفراط حبل الأمن، حتى رَدّ الأمانة للشعب السوداني بعد سنة، وليته لم يفعل! وبعدها تفرّغ سوار الذهب للعمل الطوعي والخيري عبر منظمة الدعوة الإسلامية لا يكل ولا يمل، بل حَافظَ على ذات سمت التواضع والبساطة، يسير بين الناس دُون حراسة ولا أبهة ولا كبرياء، بل ظَلّ هو ذلك الشخص المُتواضع، الذي يُشارك الناس أفراحهم وأتراحهم بكل أريحيةٍ وطيب خاطر. عالمياً وإقليمياً، ما حَلّ سوار الذهب إلا اُستقبل كرئيس دولة حتى بعد أن غادر كرسي الرئاسة زاهداً فيه، وما ذلك إلا إعجاباً بشخصيته الفريدة التي ضَربت المثل في الوفاء وحفظ العهد؛ فكان بذلك أول ضابط عسكري يتنازل عن السُّلطة طَواعيةً وهو في أوج مجده!
نحن في ولاية شمال كردفان، فَقَدنَا برحيل سوار الذهب النصير الأكبر لنفير نهضة الولاية، فَقَد بذل المُشير الراحل جُهداً مُقدّراً وساند النفير معنوياً بحُضُوره المُتميِّز؛ حتى رأت مشاريع النفير النور بحمد الله وفضله، فنسأل الله تعالى أن يجزيه عن أهل شمال كردفان خيراً ويجعل كل ما بذل في ميزان حسناته، وأن يُوسِّع مدخله ويكرم نُزُله ويجعل البركة في ذريته ويخلفه في أهله خيراً ويبدله داراً خيراً من داره.
أما وقد رحل المشير سوار الذهب عن هذه الدنيا الفانية، مُخلِّفاً هذه السيرة العطرة؛ فإنّنا لا نَملك إلا أن نسأل الله تَعالى له الرحمة والمَغفرة، فقد كان سَمحاً زَاهداً، وعَزاؤنا لأُسرته وأبنائه وللشعب السوداني وللمسلمين أجمعين.
محمد التجاني عمر قش

تعليقك يثري الخبر والمقالات .. فبادر به ولا تكتم رأيك أبداً..

%d مدونون معجبون بهذه: