أخبار السودان لحظة بلحظة

مُتَلاَزِمَةُ هُوبْرِيس! .. 

0
(1)
درجت المستعمرات السَّابقة على الاحتفال بذكرى "استقلالها" الذي غالباً ما يكون قد تحقَّق لدى انهيار النِّظام الاستعماري القديم، بُعيد الحرب الثَّانية، بينما بعضها، من النَّاحية العمليَّة، ما يزال تابعاً، يرسف في قيد سلاسل دول المتروبول التي كانت تستعمرها. هذا مآل لم يفلت مِنه، للأسف، كثير من تلك المستعمرات السَّابقة. ولا تعود أسباب ذلك، فقط، إلى مخططات المستعمِرين السَّابقين، على أهميَّتها، بقدر ما تعود إلى تنكُّب كثير من حكَّام هذه البلدان جادَّة التَّطوُّر الذي كان، عند فجر الحركات الوطنيَّة، مأمولاً أن يتواصل انتهاجه، ليس، فقط، لتحقيق الاستقلال السِّياسي، وإنَّما لاستكماله بالاستقلال الاقتصادي الاجتماعي. غير أن نظرة عابرة قد تكفي للكشف عمَّا فعلت النَّزعات الشُّـموليَّة لدى بعض الأنظمة الوطنيَّة بآمـال شعوبهـا.
ومع أن مناهج التَّحليل الطبقي لعلاقات هذه الإشكاليَّة ما تزال مجدية، فإن ما يجترح البعض من زوايا إضافيَّة، كـ "متلازمة هوبريس" الطبيَّة، مثلاً، على يد اللورد أوين، لا يعني إدارة الظهر لسداد تلك المناهج، أو التَّناقض معها، بقدر ما يهيِّئ نظراً داخليَّاً أعمق insight إلى المشكلة، ويسلط مزيداً من الضَّوء على خواص تفصيليَّة فيها لم تتمَّ مقاربتها من قبل بصورة وثيقة. فكون الظاهرة من أصل "اجتماعي" لا يعني أنه ليس ثمَّة تأثير "طبي"، مثلاً، عليها!
(2)
و"المتلازمة Syndrome"، في الطب، تعني حالة تتميَّز بمجموعة أعراض مرضيَّة، بل، أحياناً، بمجموعة أمراض، ومع ذلك لا تعتبر، في حدِّ ذاتها، مرضاً! و"متلازمة هوبريس" هي إحدى صورها النَّموذجيَّة التي جعلها اللورد ديفيد أوين، الطبيب، والسِّياسي، وعضو البرلمان البريطاني المولود في 1938م، محوراً لمقالة قيِّمة نشرتها له مجلة "Clinical Medicine" قبل عشـر سـنوات (ع/أغسطس 2008م، ص 428).
أمَّا لفظ "هوبريس ـ Hubris" فيعني، لدى قدماء الإغريق، "إساءة استخدام السُّلطة"؛ لكنه، كمصطلح طبي، ما يزال غير متَّفق عليه بعد. وفي تقديمه للمقالة أشار المحرِّر إلى أن البابا المُنتخب، آنذاك، لتوِّه، مارس، في الطريق لحفل تدشينه، طقساً غاية في البسـاطـة والرَّمـزيَّـة، حيـث نثـر الرَّمـاد ثلاث مـرَّات، وهـو يردِّد، باللاتينيَّة، عـبارة "sic transit gloria mundi"، ومعناها "هكذا يمشي المجد الدُّنيوي"! وعلق المحرِّر قائلاً: كانت تلك تذكرة صريحة بالطبيعة غير الدَّائمة لـ "السُّلطة الدُّنيويَّة"، وحتميَّة فنائها، كما كانت تمثِّل، في نفس الوقت، ولذات السَّبب، رجاءً بأن تستخدم هذه "السُّلطة" بالحكمة، والتبصُّر، والتفهُّم لاحتياجات المحكومين وتطلعاتهم (المصدر؛ ص 361).
(3)
على أن مقالة أوين لاحظت، بوجه عام، أن أغلب ذوي النُّفوذ يسيئون استخدام "سلطتهم" بالمصادمة لهذه القيم، وأن هذا السلوك عادة ما يكون سمة للشَّخصيَّات المحتشدة بالغرور، وبالمبالغة في الثِّقة بالنَّفس، وبالميل إلى عدم احترام الآخرين، بل، على العكس من ذلك، بتحقيرهم، والحط من شأنهم. وبالمزيد من مقاربة هذا النَّظر نستطيع أن نلاحظ توفُّر هذه الصِّفات السَّالبة في الأشخاص ذوي السُّلوك الديكتاتوري، والنَّزعات الشُّموليَّة. أما الأشخاص الذين يوقنون أن النَّفس أمَّارة بالسُّوء، ويتَّسمون، إلى ذلك، بقدر عال من التَّواضع الشَّخصي، ومن حسِّ الفكاهة والسُّخرية، ويتقبَّلون النَّقد برحابة صدر، فإن هذه "المتلازمة" أقلُّ ظهوراً وسطهم. وبحسب لورد أوين، فإن هذه الحالة قد تؤدِّي إلى "مرض ذهاني"، ولذا يقترح على الباحثين في الحقل الطبي الانتباه إليها جيِّداً، والتعامل معها باعتبارها "متلازمة مرضيَّة" جديدة يزداد احتمال ظهور "أعراضها" كلما عظَّمت "السُّلطة" نفسها، وطالت فترة ممارستها. لكنها لا تعني، حتى الآن، تلفاً أو مرضاً معروفاً في الدِّماغ، كما وأنها غالباً ما تضمحلُّ بمجرَّد مغادرة صاحبهـا موقع "النُّفوذ".
(4)
ويضرب لورد أوين أمثلة بثلاثة رؤساء حكومات بريطانيِّين ورابع أمريكي تمَّ تشخيص حالاتهم باعتبارهم عانوا، على نحو أو آخر، من "متلازمة هوبريس"، وهم:
•    ديفيد لويد جورج (1863م - 1945م)، رئيس الوزراء البريطاني الأسبق عن حزب الأحرار أثناء النِّصف الثَّاني من الحرب العالميَّة الأولى،
•    ومارجريت ثاتشر، رئيسة الوزراء البريطانيَّة الأسبق، من 1979م إلى 1990م، عن حزب المحافظين،
•    وتوني بلير، رئيس الوزراء البريطاني الأسبق، من 1997م إلى 2007م، عن حزب العمَّال،
•    وجورج دبليو بوش، رئيس الولايات المتَّحدة الأمريكيَّة، من 2001م إلى 2009م، عن الحزب الجُّمهوري.
وإلى ذلك يصنِّف أوين أعراضاً سلوكيَّة معيَّنة، بحيث إذا توفرت أربعة منها في أيِّ رئيس حكومة، فإن "حالته" تشخَّص على أنه يعاني من هذه "المتلازمة". أبرز هذه الأعراض هي: الثِّقة الزَّائدة بالنَّفس، وبقدرتها الخارقة على الإنجاز ـ تصوير الذَّات بما يعكس شخصيَّة المسيح المخلص في آخر الزَّمان ـ الاستعداد الدَّائم لاتخاذ قرارات من شأنها، فقط، تسليط الضُّوء على النَّفس ـ الثِّقة غير المحدودة في التَّقديرات الذَّاتيَّة، والأحكام الخاصَّة، مع النُّفور من تلقِّي النُّصح ـ التَّصرُّف بغير تروٍّ أو تحسُّب للعواقب، وغالباً ما يكون ذلك نتيجة للعزلة التامَّة، وعدم الإحساس بالواقع المحيط ـ النزعة النِّرجسيَّة في رؤية العالم كمحض ساحة لممارسة "السُّلطة"، وإحراز المجد، لا كمكان يعاني من مشكلات تحتاج إلى حلول جماعيَّة ـ اعتبار الذَّات رمزاً للأمَّة، وذلك بمطابقة المصالح والرَّغبات الشَّخصيَّة مع مصالح ورغبات الأمَّة جمعاء ـ الميل إلى تعميم وفرض الرُّؤى الشَّخصيَّة، بصرف النَّظر عن كلفة ما يترتَّب عليها عمليَّاً، أو حساب نسبة نتائجها غير المرغوب فيها ـ عدم قابليَّة الذَّات لتقبُّل المحاسبة أو النَّقد، سواء من الزُّملاء، أو الشَّعب، أو الرَّأي العام، مع الاعتقاد الرَّاسخ بأن ذلك موكول، فقط، لإرادة الخالق، وتقديرات التاريخ، وأن كليهما سيقف، حتماً، إلى جانب هذه الذَّات، ليعلن أنها كانت، دائماً، على حق .. الخ!
(5)
ولئن كانت تلك بمثابة العوامل "الدَّاخليَّة" لـ "متلازمة هوبريس"، فإن عواملها "الخارجيَّة" تتمثَّل، حسب أوين، في علوِّ درجة "السُّلطة" و"النُّفوذ"، مع ضعف الضَّوابط الرَّقابيَّة عليهما، بالإضافة إلى طول الفترة الزَّمنيَّة التي تقضيها الشَّخصيَّة المعيَّنة في الكرسي "الأمامي"!
ويخلص أوين إلى أن من شأن توفُّر هذه العوامل "الدَّاخليَّة" و"الخارجيَّة" أن يتمخَّض عنه نوع من عدم الكفاءة السِّياسيَّة يمكن تسميته بـ "عدم الكفاءة الهوبريسي" الذي ينجم عن عدم التَّبصُّر، أو عدم اتِّخاذ القدر اللازم من الحيطة والحذر، مِمَّا يفضي، يقيناً، إلى الفشل السِّياسي الكلي أو الجُّزئي. على أنه يتوجَّب التَّمييز، هنا، بين هذا الضَّرب من عدم الكفاءة، وبين الضَّرب الآخر المعتاد، والذي يترتَّب على مجرَّد الخطأ في التَّقدير، رغم اتِّخاذ كلِّ تدابير الحيطة والحذر!
كمال الجزولي

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

شكراً لك على التعليق...