أخبار السودان لحظة بلحظة

طبلة الحب الصافي

1

د. ناهد قرناص
جانا الخبر شايلو النسيم.. أن بدعة جديدة ظهرت في سماء العشاق والمحبين.. وكل من لف لفهم.. ألا وهي طبلة يتم تعليقها على كبري النيل الأزرق.. انقسم الناس بين مؤيد ومعارض.. ونالت الطبلة حظها من الشهرة.. بعد أن كانت مجرد أداة.. تؤول الى الاندثار من العالم.. حتى انتعش سوقها.. وصارت المغالق في عجب من تدافع الشباب لشراء الطبل والأقفال.
تذكرت عبارة لجدتي رحمها الله.. كانت توصينا دائماً أن الزوج حقه عظيم علينا.. وتقول إن المراة مربوطة بزوجها بـ(44) فاتحة.. وكنا نمازحها قائلين (نحن غايتو قروا لينا فاتحة واحدة بس.. الـ43 الباقيات ديل قروها متين؟) رحمها الله فقد رحلت قبل أن تضاف إليهم طبلة أيضاً.
قبل أيام.. كنت استمع لأغنية الطير المهاجر باندماج.. وأدندن مع وردي (تلقى الحبيبة بتشتغل منديل حرير.. لحبيب بعيد)..عندها سمعت ابني أحمد يقول بإعجاب (والله الشاعر دا إنسان حساس.. بغني لي زولة شغالة في مصنع مناديل).. رفعت رأسي ناحيته ولسان حالي يقول (من أين أتى هؤلاء؟).. مصنع مناديل شنو يا ولدي.. طفقت أشرح له بالتفصيل عن حقبة المنديل.. الذي كان شعاراً للمحبين طوال سنوات وقرون مضت.. منديل قماش يتم تطريزه واهداءه للخطيب أو العريس ويظل رمزاً للاخلاص والمودة.. وياما تغنى له الشعراء (إنت جميل والجابك لي ملاك وجميل.. يا منديل.. يا منديل)..
في ذلك الزمن اذدهرت حركة الأشعار.. وسمعنا أعذب الألحان.. لذلك الحبيب صاحب الدلال.. المتمنع الذي لا يرضى بسهولة (سالب فؤادي وما عليك.. أنا في جحيم اشتاق اليك).. وظهرت كل أنواع الغزل وأجمل الاستعارات اللغوية.. (عدل الطبيعة.. جعل.. جور الحبيب مسموح).. في ذلك الزمن.. كانت تلك القطعة من القماش التي تسمى منديلاً.. كنزاً في حد ذاته.. ورمزاً لتبادل المشاعر.. ودوام الاخلاص ووفاء الحبيب.. وكان الذي يتحصل على المنديل بعد طول جهاد.. يحرص على الحفاظ عليه.. ويتحسر بشدة على ضياعه (منديلي راح مني.. الشالو ما يتني.. ما يشيل خلاف روحي)..
كان أحمد يستمع مذهولاً لحكايات القرون الأولى.. لكنه قال بعد تفكير (منديل قماش؟!! طيب وبعملوا بيهو شنو؟).. بعد الشرح دا كلو !!.. تنهدت قائلة.. والله يا ابني كان شيئاً مهما حينها.. وله دلالات عديدة.. خاصة إن كانت الأحرف الأولى مطرزة على أحد أطرافه .. وربما تجد قلباً أيضاً بجانب تلك الأحرف.. كان (حاجة من ريحة الحبايب).. لم يبدو على وجهه الاقتناع.. كان حديثي كأحاجي الحبوبات.. (ناس فاطنة السمحة ومحمد الشاطر).. لكنه استدار وخرج قبل أن أقول له.. إن المنديل زمان.. مثل الطبلة هذه الأيام.. لكل جيل رمزه الذي يعبر به عن ذاته.. لكن وقت الكلام جاب الكلام.. أود أن أهمس في أذن معلقي الطبلات.. (خفوا على الكباري تبعنا.. اصلها عقاب عمر.. واعمارها الافتراضية مثار شكوك.. .والطبلات كثرتها ربما أدت الى ما لا يحمد عقباه.. .يعني حقو نراعي فوارق الوقت والظروف والشفافية وكدا.. ولو عايزين نصيحتي.. المنديل مالو؟.. خفيف وظريف.. .وكمان بنفع (أتر) للفكي.. لما الصداقة تبقى قرابة ونكسب الودين)..
الجريدة

تعليق 1
  1. يعقوب :

    د. ناهد…

    السلام عليكم ورحمة الله وبركاته

    في إعتقادي كان حري بك البحث في الظاهرة وأسبابها ولماذا اختار الشباب الطبلة بالذات ..؟؟ ولماذا اختار الشباب كبري النيل الأزرق ليضعوا فيه الطبلة..؟؟

    كما تعلمين أن السلوك البشري له دوافعه ، لذا أجد مقارنتك بين المنديل والطبل غير جائزة ، فالمنديل في زمانه يرمز إلي إنسان ذاك الزمان بكل أشياءه ، وإختيار الطبل ليعلق في كبري النيل الأزرق لم يأت إعتباطاً إنما أتي لأسباب غاية في الدقة ولا تجوز الكتابة عنها بسطحية فتجعل من السلوك شيء تافه لا معني له..!!

    أيضاً لا يفوتني هنا أن أناشد جميع الأباء والأمهات بتجنب سرد تاريخ -عاشوه- مزيف للأولاد يخلو فيه ما يكدر العيش ، ويخلو من غدر الحبيب والصحاب ، ويكون الناس فيه كلهم سعداء كما اليوتيوبيا ، فهم سوف ينضجون يوما ما ويكتشفون الكذب ، وأخطر ما سوف يكتشفونه هو أنك أحب الناس إليهم غررت بهم ورويت لهم أكاذيب عاشوا فيها زمن طويل….رجاءً تجنبوا هذا الفعل

    مع خالص التقدير….

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

شكراً لك على التعليق...