أخبار السودان لحظة بلحظة

إذا كانت هناك تسويات فلتكن أمام المحكمة

1

محجوب محمد صالح

التسوية التي كشف عنها جهاز الأمن السوداني، بعد أن تم الوصول إليها مع أحد المتهمين في قضايا فساد، لا بد من أن يتوقف المرء أمامها طويلاً، لأن المبلغ الذي تضمنته التسوية كبير لدرجة لافتة للنظر، ومثيرة للتساؤل عن نوع النشاط الذي ظل يمارسه هذا المتهم، والذي وفر له كل هذه الأموال الطائلة، التي وافق على سدادها، ومقدار التسوية وحده جدير بأن يجعل المرء يتساءل بصورة جادة: من أين لك هذا؟ ما النشاط التجاري أو الاستثماري الذي يمكن أن يوفر لفرد في هذا البلد الفقير أربعين مليون دولار، وخمسمائة مليون جنيه سوداني «جديد»؟ يمكن أن يدفعها فوراً كتسوية فقط؟ وما هي قيمة «أصول» هذا الرجل الذي يدفع تسوية بهذا الحجم؟

وحسب علمي، فإن هذه هي التسوية الوحيدة التي كشف جهاز الأمن عن تفاصيلها، رغم تسريبات صحافية أشارت إلى تسويات في حالات سابقة، لكنها لم تصدر عن مصدر رسمي، ولم تأتِ مفصّلة، بينما أشارت الأنباء إلى آخرين أطلق سراحهم في انتظار مثولهم أمام المحاكم، وانقطعت أخبارهم بعد ذلك، ولم نسمع عن موعد تحدد لتلك المحاكمات، بل قد تراجعت كثيراً أخبار حملة مكافحة الفساد، التي كانت الحكومة السودانية قد أطلقتها مؤخراً تحت شعار محاربة «القطط السمان»،

فهل العدد الذي اعتُقل في بداية الحملة هو كل «القطط السمان»؟ وأنه باعتقالهم أصبحت الساحة خالية من تلك القطط؟ وهل اعتمدت الحكومة أسلوب التسوية عبر الغرف المغلقة لمعالجة أمر «القطط السمان» بديلاً عن مثولهم أمام المحاكم؟

إذا كانت الحملة تهدف إلى ترسيخ مبادئ النزاهة ومحاربة الانحرافات وأوجه الخلل والاعتداء على المال العام، فليس هناك بديل للمحاكم التي تتيح لكل متهم محاكمة عادلة، وإعمالاً كاملاً لمبدأ حكم القانون، الذي يكون المتهم فيه بريئاً حتى تثبت إدانته، وتتوفر له كل فرص الدفاع عن نفسه، حتى إذا اتضحت الإدانة، كان في حيثياتها درس لا يُنسى، يعرف الناس عبره كيف وقع الاعتداء على المال العام، وكيف استُبيحت أموال الشعب، وكيف يمكن أن نحكم الرقابة على الأموال العامة، ونعلي من شأن النزاهة.

المحاكمة العلنية في مثل هذه القضايا ليست مقصودة فقط لإرساء قواعد الثواب والعقاب، بل هي مقصودة لذاتها لرفع درجة وعي الناس، ولإلمامهم بكل جوانب الاعتداء الذي وقع على المال العام، وكيف استُبيحت حرمته ليستولي عليه أقوام أعمتهم مصالحهم الخاصة عن المصلحة العامة، تلك دروس سيتعلمها الناس من متابعة المحاكمات المفتوحة العلنية المتسمة بالشفافية التامة،

إن هذه القضية أثبتت أهمية إغلاق منافذ المرابحات الصورية والشركات الوهمية، بجانب صفقات «الجوكية» وشراء الرهونات العقارية، والرأي العام يريد أن يعرف تفاصيل كل هذه الممارسات الإجرامية، خلال محاكمات علنية، حتى يساهم في كشفها مستقبلاً.

صحيح أنه في بعض الحالات، قد يفضل المسؤولون الوصول إلى تسوية، ولكن هذا هو الاستثناء وليس القاعدة، ولا بديل لقاعدة المحكمة المفتوحة، وحتى الاستثناء الذي هو التسوية يمكن أن تتم أمام المحكمة، وذلك بأن يمثل أمامها المتهم، ويقدم اعترافاً شاملاً بجرمه، وقبولاً بمبدأ التسوية وشروطها، وتقتنع المحكمة بأن التسوية تزيل كل آثار العدوان الذي وقع على المال العام، وتسجل كل ذلك في محضر المحاكمة، ثم تصدر قراراً بموافقة المحكمة على التسوية، واعتبارها مبرئة للذمة،

وهذا الأسلوب يحقق العدالة، ويستجيب لدواعي حكم القانون، ويوفر الشفافية المطلوبة في مثل هذه المواقف، ويؤكد جدية الحكومة في محاربة الفساد والمفسدين.
ويظل بعد هذا السؤال قائماً:
هل وصلت الحملة نهايتها؟
وهل كانت كل مظاهر الفساد المرصودة هي المتعلقة بهذا العدد المحدود من الرجال الذين اعتُقلوا؟
وإذا كان الأمر كذلك،
فلماذا أنشئت نيابة خاصة ومحاكم خاصة لمحاكمة الفساد؟

تعليق 1
  1. الفاتح حسين :

    يا عمنا محجوب لو كتبت لينا ووريتنا شنو الوصّل السودان للمرحلة دي ، الكيزان ؟ مهم جدا نعرف كيف وصل بنا الحال هذا المستوي من الفوضي ، ماهي الأسباب ؟ كيف تدرّج الأمر؟ أين كانت البداية ومن الذي وقف خلفها ؟ تحميل كل الأخطاء لنظام الكيزان فيه ظلم لهم وان الأوان لكي نعترف .

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

شكراً لك على التعليق...