أخبار السودان لحظة بلحظة

بيت الفراش-العزاء في أم درمان في الماضي

0
كل انسان في الدنيا مصيره الي الموت وكما قال الشاعر :  كل امرئ    وان طالت سلامته يوما علي آلة حدباء محمول .. ونحن في السودان نحمل الميت علي
  العنقريب ، ولو كانت الدنيا تدوم لمخلوق لدامت لسيد  الخلق سيدنا محمد عليه صلاة الله وسلامه ،حتي ان امير المؤمنين عمر ابن الخطاب رضي الله عنه لم يصدق ان سيدنا محمدا" قد مات ، واستل سيفه وقال انه سيقتل من يقول أن سيدنا محمدا" قد مات ، حتي خرج سيدنا ابوبكر الصديق من بيت النبي(صلعم )  ولم يكن قد حضر وفاة الرسول وقال للحشود خارج المنزل .. ( من كان يعبد محمدا" فان محمدا"قد مات ومن كان يعبد الله فان الله حي لا يموت ، وتلي عليهم قوله سبحانه وتعالي ، وما محمد الا رسول قد خلت من قبله الرسل أفأن مات أو قتل انقلبتم علي اعقابكم ومن ينقلب علي عقبيه فلن يضر الله شيئا سيجزي الله الشاكرين      ( سورة العمران 144 ) فثاب الناس الي صوابهم وهدأت النفوس المتفجرة بالحب لرسول الله الي حين ..
وفي مدينتنا الحبيبة امدرمان عندما كانت قلوب اهل الحلة محملة بالخير والصفآء فالمصاب والفرح يصيب الجميع وان كانت هناك بعض العادات غير السليمة فانها اندثرت بالوعي وانتشار التعليم بين النساء خاصة فمن ما اذكره ونحن اطفال في سن التاسعة والعاشرة من العمر ان نساء الميت يضعن في طشت الغسيل كمية من التراب والرماد ويحضر بعض النساء وتخلع الواحدة ثوبها عن رأسها وتهيل التراب والرماد ويجري ذلك وسط صراخهن ( حي ووب  حي ووب والبعض يقفز الي أعلا ويعددن مآثر الميت مثل (  ياجمل الشيل  يا سيد الرجال ) وان كانت امرأة تقول الواحدة منهن ( سجمي يا بت امي  ياحبيبة قساي خليتيني لمنو بعدك .والقائمة تطول ، ويخيل الي ان الميت اذا كان يسمع فلن يصدق ما يسمعه عن اعماله وسيرته ،دعك من المستمعين من الاحياء فالبخيل يصير كريما" جوادا" ، والجبان مثل عنترة في الشجاعة والاقدام .. ومن العادات القبيحة لدي النساء عادة    ما يسمي ( شيل الوسخ )  وهو _ اجارك الله عدم الاستحمام وتغيير الملابس لمدة اسبوع  ويتبع ذلك لبس فستان من قماش القنجة ويستمر الحداد لمدة عام لا تلبس فيه  الملابس الملونة ولا تتعطر  ولا  تتزين وكانت  هناك في الحلة عائلة كبيرة العدد ويموت رجالها  وكانت نساءها في حالة حداد دائمة ولا يسمح للزواج للرجال والنساء في فترة الحداد ولكن تغير الحال من النقيض الي النقيض وصارت  المرأة تذهب وهي مرتدية احسن ملابسها حسب الموضة وبعضهن يغالين فتاتي محننة مكبرتة وكانها ذاهبة الي بيت عرس واماالرجال فهم يرتدون جلاليب  من قماش الدمورية وعند عودة الرجال الى منزل الفقيد ويطفأون ظمأهم بالماءالبارد المثلج  الذي يدا ر  عليهم ، ثم الشاي والقهوة اذا تيسرت وتجد الناس في البداية صامتين تبدو عليهم معالم الحزن والاسي ، ويتوافد المعزون لعزاء اهل الميت ممن لم يذهب الي المقابر وتراهم رافعين أكفهم وقائلين ( الفاتحة ) بصوت عال  ويغمغم ويبادله الثاني رفع يديه ويغمغم والبعض يسأل عن سبب وفاة المرحوم ومتي حدثت الوفاة ويدقق في الاسئلة وكانه متحري الشرطة عن جريمة ، والجميع جالسين علي الكرسي واهل المتوفي يقومون ويجلسون وهذه الحركة تشبه التمارين الرياضية  وتجدهناك متطوع يرشدك الي شخص منزو ويقول لك المتطوع انت ما عزيت الزول داك ، ده ود خالة المرحوم ، ويلاحقك المتطوع وينقلك الي زول آخر ويتم التعريف بانه  ود عمالمرحوم الذي كان في  السعودية  وتقوم بواجب العزاء  ، وقد اعجبت بعادة حميدة عندما كنت اعمل في المناقل فالكل يجلسون علي البروش أو السجاد ويتوسطهم اهل المرحوم الاقربين ويجيءالمعزي ويجلس امام الذي يتلقي العزاء  ويعزيه واري أن هذا الاسلوب يوفر مشقة القيام والجلوس لكبا رالسن  والمرضي والمعزين بال عشرات أو المئات ..
وكان بعد عودة الرجال من المقابر ويشعرون بالرحة تنفرج  الاسارير وتبدأ الونسة وتتحولالي منتدي ويدار عليهم الشاي والماء البارد والقهوة اذا تيسرت ، وهكذا دواليك طيلة ايام الفراش الثلاثة ، وكان الجيران في وقت الغداء يأتي كل واحد منهم حاملا" صينية الأكل  وفي يوم رفع الفراش يذبح خروف ويأكل الجميع ويستدعون ان وتلاميذ بعض الفقرا لقراءة وختم القران وياكلون الفتة بالرز و ال لحم ويوزع عليهم  قطع من القماش .
وقد ارجأت الحديث عن العزاء في الغربة ، فعندما كنت في السعودية انتقل الي رحمة الله صديقي العزيز وزميلي المربي التربوي للرياضيات في مكتب تعليم نجران كامل  ابراهيم ادم ، وكان في السودان مديرأ" لمدرسة شندي المتوسطة الحكومية للبنات ، وترقي الي موجه فني وتعاقد مع من المدير وزارة المعارف السعودية موجهأ" تربويا" للرياضيات ، وعندما  توفي حزن عليه جميع المدرسين في نجران من المصريين والسعوديين والمصريين والسوريين والفلسطينين وذلك لصفاته  المتفردة ، فكسب حب واحترام الجميع ، ولاول مرة في السعودية يقام سرادق للعزاء ، وجاء الجميع للعزاء من مدير التعليم والمدرسين والفراشين ، وفي السعودية ليست هناك سرادق للعزاء وينفض المشيعين بعد  الدفن كل الي عمله ...
واناافي الغربة توفي والدي ووالدتي وشقيقي ، والحكومة السعودية لا تسمح بالتغيب من العمل لأي سبب من الاسباب دعك من السفر .
ولم تجردموعي وكنت اكتم الحزن في داخلي ، عند وفاة والدي صادف ذلك ولادة ابنتي الغالية رشا والتي انضمت الي شقيقاتها الزهرات أميرة وهالة ..
وحدث لي ما يصعب علي التصديق ، فقد حلمت وانا نائم بالشيخ الجليل بابكر يدري منتصبا" أمامي وهو يعزيني في والدي ويحثني علي الصبر واجهشت في بكاء حار  وسالت الدموع من عيني ، وصحوت مضطربا" ووجدت المخدة مبتلة بدموعي ..
وحتي اليوم لم أجد تفسيرا" للذي حدث ، وحدث ذلك في عاغم 1981  بينما توفي الشيخ بابكر بدري في عام 1954 ، وانتابني ما يشبه اليقين بان الشيخ  من الصالحين الذين يحشرون مع الأنبياء والصديقين  والشهداء وحسن اولئك رفيقا ، ويكفيه من صالح اعماله انه انتشل نصف الأمة من الجهل وذلك بريادة تعليم البنات ...
  هلال زاهر الساداتي    2نوفمبر2018
    فلادلفيا[email protected]

رد