أخبار السودان لحظة بلحظة من الراكوبة، مقالات سياسية وثقافية

تشهد تردياً بيئياً خطيراً.. بورتسودان.. العروس تغرق في بحر النفايات والحفر

0

بورتسودان: ناهد سعيد
ماذا أصاب بورتسودان، سؤال يتبادر إلى ذهن زائرها منذ الوهلة الأولى التي تقع فيها عيناه على هذه المدينة التي كانت حتى وقت قريب تحمل لقب العروس في دلالة على جمالها وأناقتها، ويبدو أن العروس قد شاخت وذهب عنها بريقها وألقها، فهي الواجهة السياحية الأولى شتاءً بالبلاد، يبدو أن الإهمال قد تسلل إليها وتمكَّن منها مفرزاً تردياً واضحاً في البيئة والتي مع انتشار النفايات وهطول الأمطار المتواصل هذه الأيام فأن الأوضاع تنذر بخطر صحي لن يكون أقل سوءاً من العام الماضي، الذي شهد تفشياً للإسهالات المائية والحميات.
اجترار الماضي
يبدو أن الأقدار قد حكمت علينا في السودان أن نظل أسري للماضي نجتر ذكرياته الجميلة لنعرضها على سينما الواقع عسانا نخفف من بؤسه، وفي بورتسودان أينما يممت وجهي وأرخيت سمعى فإن حديث الماضي، هو الذي يسيطر، فإذا جاءت سيرة الموانئ فأن الأسارير تتهلل حينما يحدثك أوهاج بسوق ديم مدينة عن كيف كانت الموانئ مزدهرة في الماضي، وهي توفر عشرات الآلاف من فرص العمل وتسهم في تحسين أوضاعهم عبر مداخليهم الجيِّدة. أوهاج يقول بحسرة إن الموانئ باتت مثل ضل الدليب يرمي خيرها بعيداً عن الولاية بعد أن تم نقل معظم عمليات التخليص إلى الخرطوم علاوة على التحديث الذي ضيِّق الخناق على الأيدي العاملة خاصة في الشحن والتفريغ، ذات المشاعر المتناقضة التي سيطرت على أوهاج وهو يتحدث عن الموانئ فقد اجتاحت دواخل الشاب مصعب الذي التقيته بالسوق الكبير حينما أشار إلى أن مدينة بورتسودان وحتى وقت قريب كانت الأنظف والأجمل على نطاق السودان بداعي اهتمام أيلا، ومن بعده علي حامد، بتطويرها وجعلها مدينة جاذبة للسياح وقبلة مفضلة لهم، إلا أن مصعب يتحسَّر على واقعها وهو يتحدث معي وفي ذات الوقت يشير بيده إلى نفايات كانت متراكمة بالقرب من موقف المواصلات، وقال بحسرة: في الماضي لم تكن مثل هذه المشاهد موجودة، ولكن الآن بات من المألوف رؤية الأوساخ في كل مكان والأمر لم يعد يثير دهشتنا، ولم نلحظ -أيضاً- دهشة المارة بتلك الطرقات ولانجد غير أن نقول يا حليل بورتسودان.
خطر حقيقي
فيما مضي كان البعض يجزم أن لمدينة بورتسودان أكثر من إطلالة وذلك قياساً على جمال المنطقة الشرقية التي تقع قبالة البحر الأحمر وغرب المدينة الذي يحكي عن تردٍ واضح وفقر مدقع، ولكن أخيراً فأن المدينة بات لها وجه واحد بعد أن اشترك غربها وشرقها في تردي إصحاح البيئة وهذا ما كشفته جولة (التيار) بعدد من أحياء المدينة، فمن ترانسيت مروراً بحي العظمة وديم عرب وصولاً إلى سلالاب ومايو وديم جابر والإنقاذات، فإن المشاهد تبدو متشابهة..النفايات منثورة ومتبعثرة في معظم الطرقات والأزقة حتى تحوَّلت إلى ملمح لايحتاج إلى كبير عناء في تبيانه، وهذا ما جعل أميرة التي التقيتها بسلالاب تعرب عن بالغ سخطها من تردي البيئة، وتلفت إلى أن عمليات النظافة تراجعت كثيراً عما كانت عليه وأن العربة المخصصة لنقل النفايات لم تعد تطوف على الأحياء مرتين مثلما كانت في الماضي، منوِّهة إلى أن المواطنين في مايو وعدد من الأحياء يتخلصوا من النفايات بحرقها ورميها في المجاري، أما بأسواق سواكن وديم مدينة والسقالة فأن الأوساخ تحتل أماكن متفرِّقة توضح مدى تراجع عمليات النظافة إلى مستويات لم يكن يتوقعها أكثر الناس تشاؤماً لجهة أن المدينة وحتى عهد الوالي السابق علي حامد، كانت من أنظف مدن البلاد، أما بغرب المدينة حيث الإنقاذات والسكة الحديد وفي جنوبها بكوريا ودار النعيم وسواكن فأن الأوضاع تعتبر أكثر سوءاً وهذا ماجهر به المواطن أبو فاطمة الذي لم يجد من فرط غضبه غير المطالبة بإقالة معتمد بورتسودان بدعوى فشله.
برك ومستنقعات
ولأن المصائب لا تأتي فراداً فأن المدينة الساحلية التي تمتاز بطقس البحر الأبيض المتوسط تحوَّلت هذه الأيام معظم ساحاتها وطرقها إلى برك ومستنقعات على إثر الأمطار الغزيرة التي ظلت تهطل بصورة شبه يومية منذ خواتيم شهر أكتوبر، ومازاد الأمر سوءاً أن معظم المصارف قد تم إغلاقها بالنفايات ولم يتم تطهيرها من قبل سلطات المحلية، وفي هذا يشير عضو تشريعي الولاية محمد محمد نور، الشهير بمحمدوية إلى أن بورتسودان باتت تواجه معضلة حقيقية في تصريف مياه الأمطار مرجعاً هذا الأمر إلى تشييد عدد من البنايات الضخمة على المجاري الطبيعية للأمطار، بالإضافة للمزارع التي تمددت وأثرت على مجرى خور "موج" وقال إن السيل الذي اجتاح المدينة في بداية هطول الأمطار أوقع أضراراً بالغة بالمواطنين وما كان له ليتسبب في ذلك لولا الأخطاء الهندسية التي وقعت فيها حكومات الولاية المتعاقبة، مؤكداً أن الوضع سيظل على حاله وأن المدينة موعودة بمزيد من الغرق في ظل وجود البنايات التي أغلقت المصارف، ويرى البعض أن قضية التردي البيئي كان يفترض أن تتصدر أجندة حكومة الولاية خاصة أن إرهاصات مهرجان السياحة بدأت تلوح في الأفق.
خور موج
من الأزمات التي طلت برأسها هذا الخريف والتي دفع المواطنون ثمنها فادحاً تمثلت في خروج خور موج عن السيطرة تماماً والذي تجري فيها مياه الأمطار المنحدرة من سفوح الجبال الغربية للمدينة وتجري باتجاه البحر الأحمر لتصب فيه وقد تم منذ عهد المستعمر تشييد سدود عليه أسهمت في التحكم بالمياه التي كانت تجري طوال العقود الماضية لانسياب دون معيقات، كما الخور يقطع جريانة على عرض تسعة كباري، ولكن انهيار الحواجز التي أقيمت على جمبتي النور بطول خمسين متراً، بالقرب من قضيب السكة الحديد تسببت في خروج المياه عن مسارها، وأشار المواطنون الذين تحدثوا لنا إلى أن الخور تمرَّد هذا الخريف بسبب تشييد أبراج على مجراه، بالإضافة إلى وجود مزارع تم التصديق بها قبل تشييد الأبراج وتمددت تلك المزارع على حساب مسار الخور الرئيس، وأكدوا أن هذا جعل المياه تغمر ديم جابر والمنطقة الصناعية وعدد من المناطق، ومن خلال جولتنا فإن أسباب أخرى لعبت دوراً مؤثراً في التردي البيئي منها تراكم النفايات عليه، بالإضافة إلى مخلفات عمليات البناء، وتحسَّر مواطنون على التدهور الذي تشهده مدينة بورتسودان خاصة على صعيد إصحاح البيئة، واعتبروا أن عدم استعداد سلطات المحلية الخريف تبدَّى جلياً في الأضرار الفادحة التي لحقت بعدد كبير من المنازل.
سلوك خاطئ
فيما يرى أحمد، الذي يقطن أبو حشيش سلبونا، أن المواطن يتحمل جزءاً كبيراً من التردي البيئي فرغم إقراره بضعف المجهودات الحكومية وتراجعها عما كانت عليه في الماضي، إلا أنه يرمي باللائمة على المواطنين في عدد من الأحياء، ويفسِّر حديثه هذا بالتأكيد على وجود سلوك خاطئ يتصف به بعض من الذين يعملون على التخلص من النفايات في المجاري، وقال إن المواطن هو المتضرر الأول والأخير من هذا السلوك الذي يصفه بغير المتحضر، بيد أنه يعود ويعتبر سلطات المحلية لاتؤدي دورها كما ينبغي مستدلاً بركود المياه في المجاري والساحات والطرقات، ويتساءل عن أسباب توقف عمليات الشفط التي كانت تسهم في التخلص من المياه سريعًا.
أمراض قادمة
طبيب بمستشفى بورتسودان أبدى تخوُّفه من حدوث تردٍ في البيئة تزامن مع هطول الأمطار، وقال إن الوضع الحالي وإذا لم تعمل المحلية على علاجه فأنه ينذر بخطر حقيقي في مقبل الأيام، معتبراً انتشار الذباب الكثيف مؤشراً لما هو آت من أمراض ربما تتفشى وأبرزها الإسهالات والحميات ويرى أهمية المكافحة المبكرة للبعوض والذباب مع تسيير حملات للقضاء على النفايات المتراكمة التي حذَّر منها.
تردٍ آخر
ليس على صعيد النظافة فقط تعاني مدينة بورتسودان فمن يتجوَّل بطرقها وساحل البحر الذي يوجد به كورنيش يمتد على طول أكثر من خمسة كيلو مترات، يلحظ التردي الذي أصاب الطرق التي تحوَّلت إلى حفر ومطبات وبعضاً منها اختفى الأسفلت وأخرى تصدَّعت، ويجد أصحاب المركبات صعوبة بالغة في القيادة. ويقول سامي، الذي يمتلك ركشة، وهو يتحدث معي ونحن في طريقنا إلى البر الشرقي من وسط المدينة، إن الطرق في بورتسودان باتت تشكل خطراً على المركبات وأنهم يجدوا صعوبة بالغة في السير فيها وحتى يتفادوا الوقوع في الحفر فأنهم يظلوا على درجة عالية من التركيز حتى لا يقعوا في مطبات تسبب أضراراً لمركباتهم، وقال إن أزمة المواصلات التي تشهدها المدينة هذا الأيام تعود إلى تخوُّف أصحاب عربات النقل من وجود كميات كبيرة من المياه في الطرق التي توجد بها حفر تسببت في إصابة عدد من السيارات بالأعطال.أما على صعيد الانترلوك فقد شهد تدهوراً واضحاً وتصدعاً معظمه بمختلف طرق وكورنيشات المدينة، وأرجع البعض هذا الأمر إلى عدم جودة المواد.
مطالبات متفرِّقة
عدد من المواطنين والتجار الذين التقيتهم في أماكن متفرِّقة من مدينة بورتسودان تتملكهم قناعة راسخة أن مدينتهم لم تعد كما كانت في الماضي، وأن انتشار النفايات والبرك والمستنقعات دليل على وجود إهمال حكومي وعدم متابعة من سلطات المحلية التي رموا عليها باللائمة واعتبروا أنها تتحمَّل وزر التردي البيئي وطالبوا وزارة الصحة بضرورة التدخل العاجل للحيلولة دون انتشار الأمراض .

التيار

رد