أخبار السودان لحظة بلحظة من الراكوبة، مقالات سياسية وثقافية

الدورة المدرسية غير ضرورية‎

0

أسماء جمعة

المُنافسات المدرسية أمرٌ مُهمٌ ومطلوبٌ، فهي تدعم قيم المُنافسة الشريفة بين المدارس وبين الطلاب، وتقوي قيم المَحَبّة وتكتشف المواهب في شتى المجالات وتُعزِّز المقدرات ..الخ، ولكن ليتحقّق هذا يجب أن يتم الأمر في مناخٍ تعليمي طبيعي، أي أن يكون التعليم جيداً ومتطوراً ويمتلك بنية تحتية مثالية وملبياً لحاجات العصر ومتاحاً لجميع الأطفال مَجّاناً وقريباً منهم أينما وجدوا على امتداد السودان، وإلا فإنّ الأمر يصبح ضياع زمن وهدراً للجهود والأموال فيما لا يفيد ولا ينفع، وهذا بالضبط ما يحدث الآن في السودان بشأن الدورة المدرسية التي تقام كل عام في ظرف أسوأ من الذي قبله.

ان كانت الحكومة تتعظ من أخطائها لانتبهت أنها ترتكب جرماً كبيراً في حق التعليم والتلاميذ بإقامتها للدورة المدرسية كل عام في ولاية، وأعتقد أنها فكرة غير مُوفّقة، والاستمرار فيها كل هذه السنوات بكل إخفاقاتها وفي ظل أزمات البلد المستفحلة أمر يعكس مدى عمي بصرها وبصيرتها وسُوء تقديرها للمصلحة العامة، كما يعكس أنها ليس لديها هدف ضروري من إقامتها.

تستعد ولاية جنوب دارفور لاستقبال الدورة المدرسية هذا العام، وظلت طيلة الفترة الماضية تجمع الأموال لها بشَتّى الطرق والوسائل مثلما فعلت قبلها ولايات كثيرة، أرهقت المواطنين واستقطعت الأموال من فقرهم وجهلهم ومَرضهم وجوعهم، ولا أدري أيِّ قيمة أو عائد ترجوه الحكومة من دورة مدرسية تُقام في ظِلِّ تَدهور التّعليم ومُؤسّساته وسُوء أوضاع المُعلِّمين، بل وفي ظل أزمة اقتصادية خانقة.

لم يحدث أن مرّت دورة مدرسية بسلامٍ دُون أن يتهم أهل الولايات المُستضيفة حكومتهم بالفساد المالي وكل عام يتحدثون عنها يتساءلون ويشككون في أوجه صرف الأموال، وما زالت لعنة الدورة المدرسية تُطارد عدداً من الولاة حتى الآن رغم ان بعضهم ذهب، فما زال أهل النيل الأبيض يتساءلون حتى الآن عن ميزانية الدورة المقامة في ولايتهم العام قبل الماضي، وكذلك أهل كسلا، وقبلهما بسنواتٍ طويلة أهل شمال دارفور حين استخدم الوالي عثمان كبر حيلاً لا تخطر على بالٍ لتوفير المال لدرجة أنّ دهشة المُواطنين ما زالت مُستمرة حتى الآن، والقائمة تطول، والآن الدور على والي جنوب دارفور الذي سيظل حديث الناس ضمن من سبقوه وقد بدأ الحديث فعلاً من العام الماضي.

أتمنى أن توقف الحكومة الدورة المدرسية وتُوجِّه أموالها التي تَحشدها لها بالحق والباطل كل عام في إعادة تأسيس نظام تعليمي جديد كلياً خالٍ من كل مشاكل الماضي والحاضر وتُؤسِّس لنهضة تعليمية واسعةٍ، فهذا سيكون أنفع وأعمق أثراً ويضمن للتعليم مُستقبلاً جيداً، بعد ذلك يمكن إقامة دورات مدرسية ولائية ولا داعي للقومية لأن عبئها كبيرٌ وهناك طرق أخرى لخلق التواصل بين طلاب الولايات وهي أكثر فاعلية وأقل تكلفةً، أما الدورة المدرسية فهي غير ضرورية على الأقل في الوقت الراهن.

تخيلوا معي إن ألغت جنوب دارفور الدورة المدرسية وحوّلت هذه المبالغ لإعادة تأهيل أو بناء المدارس وتطوير البيئة المدرسية وتوفير وسائل ومُعينات التّعليم وتدريب المُعلِّمين وتَحسين أوضاعهم وضمان مجَّانية التعليم، لا شك أنها ستضمن استيعاب كل الأطفال وتوقف التّسرُّب وتضمن تعليماً جيداً للجميع، مقابل لا أثر تتركه الدورة المدرسية غير لعنات تطارد الولاة وأسفٍ شعبي لا يزول .

التيار

رد