أخبار السودان لحظة بلحظة من الراكوبة، مقالات سياسية وثقافية

لماذا غير عبد الخالق موقفه من تغيير الحزب الشيوعي لحزب اشتراكي؟

السر بابو ومآزق المنهج الانتقائي (5)

1

ذكر السر بابو في مقاله " الحزب الشيوعي السوداني: نشأته المستقلة وهويته السودانية " أن الحزب نشأ مستقلا بعيدا عن أي تأثيرات خارجية. وقد تردد هذا الطرح كثيرا، منذ انهيار الاتحاد السوفيتي. وكان جوهره اننا حزب نشأ مستقلا، لم نرتبط بالشيوعية الدولية، ولم نمارس ممارساتها، لذلك الانهيار الذي حدث لا يتعلق بنا، ولا يمسنا بشيء. الهدف الأساسي وراء تلك الأطروحة اننا حزب نشأ مستقلا ولا شأن لنا بذلك الانهيار العاصف. وأننا، وطوال تاريخنا، متميزين ومتفردين. والداعين للمراجعات والتجديد هم من العناصر اليمينية البرجوازية الصغيرة، التي تريد استغلال ما حدث لتصفية الحزب.

أحد أهم الأمثلة التي تثبت تدخل السوفييت في الشئون الداخلية للحزب الشيوعي السوداني هو ما حدث في عام 1966. خلال تلك الفترة طرح عبد الخالق الدعوة لتحويل الحزب الشيوعي لحزب اشتراكي يضم الشيوعيين والاشتراكيين والديمقراطيين. وافقت قيادة الحزب على هذا الرأي، وتم اعداد الوثائق اللازمة لعقد مؤتمر حزبي لإنجاز تلك المهمة. اشتهر ذلك المؤتمر بمؤتمر الجريف. وهو من المؤتمرات الحزبية التي حدث حولها لغط كثير. البعض ينكر قيام أي مؤتمر بهذا الاسم. أخرون يعترفون بعقده ولكن يسمونه مؤتمر تداولي. ومجموعة ثالثة تؤكد بانه المؤتمر الرابع المقترح. المهم ما حدث ان عبد الخالق لم يحضر المؤتمر وسافر للاتحاد السوفيتي، وعند رجوعه أعلن موقف السوفييت الرافض لتحويل الحزب لحزب اشتراكي، فتم الغاء كل قرارات المؤتمر والتراجع عنها.

وقد ذكر السر بابو بالحرف الواحد ما يلي: " وهذا الموقف لم يأت استجابة لطلب من السوفييت كما أشار عبد القادر إسماعيل، بل جاء نتيجة لمناقشة عامة شاركت فيها كل تنظيمات الحزب يومئذ ورفضت فروع الحزب حل الحزب الشيوعي". وهو يناقض تماما رأي سليمان حامد، أحد القيادات التاريخية للحزب، الذي أكد دور السوفييت، كما أكد التغييب التام القواعد تماما.

في الفقرات التالية نقدم النص الكامل رأي سليمان حامد، أحد أعضاء ذلك المؤتمر، فكلماته واضحة، لا لبس او تحوير فيها. وقارن ذلك بما كتبه السر بابو عن نفس المؤتمر، وان أعضاء الحزب هزموا الفكرة. كتب سليمان حامد تحت عنوان (نقاط لتقييم مؤتمر الجريف):

" أولا: لا بد أن نؤكد على التقييم الأولي الذي خرج إبان انعقاد المؤتمر وفي نهايته، تقييم صائب وثوري وماركسي، حيث أكدت تجربة أيام قلائل أن المؤتمر شكل انحرافا يمينيا بالدعوة لحزب اشتراكي، يكون الحزب الشيوعي جزءا منه، وقد انتقد السكرتير العام الشهيد عبد الخالق محجوب ذلك الأمر ووصمه بالانحراف اليميني، وقد كان محقا في ذلك. ورغم ان الشهيد أوقف إجراءات المؤتمر الذي كان إن انعقد لربما لم نكن نجد حزبا شيوعيا الآن، ولكن رغم ذلك ظل التيار اليميني والاصلاحي في الحزب قوي ومتماسك، وهو ما ظهر لاحقا في الموقف السياسي والفكري من مايو، وانقسام الحزب في 1970، وما تلاه من ضربات ومؤامرات ضد الحزب، وما زال موقف اليمين هذا موجودا في حزبنا، وقد تختلف اشخاص الموقف، لكن رؤاهم الفكرية وأهدافهم ومصالحهم واحدة، وهي جميعا تهدف الى تصفية الحزب الشيوعي من الوجود، وان يحل محله تنظيم اشتراكي فضفاض، ولن يمكث طويلا.

ثانيا: لا بد من الانتباه إلى أن الدعوة في ذلك الوقت ربما كانت مناسبة، لأسباب منها التآمر الكبير على حزبنا والقوى الاجتماعية والطبقية المتحالفة معه، وكان اليمين قد بث سمومه وسط الناس، حتى كاد أن يكرههم في الشيوعية، الأمر الذي أوجب مراجعة التجربة. إضافة للتأثير الكبير للتجربة الناصرية في ذلك الوقت، ورأى بعضنا ضرورة التأثر بموقف الحزب الشيوعي المصري، وهذا تبين خطله من انحرافات الناصرية. ولكن الآن ونحن اذ نقيم هذه التجربة يهمنا في الأساس عدم تكرارها وأهمية وجود الحزب الشيوعي (قلبا ثوريا موحدا فكريا وسياسيا وتنظيميا)، وهو أمر لا يأتي الا بالصراع الفكري الحقيقي داخل الحزب، خاصة مع اقتراب المؤتمر الخامس لحزبنا، تطرح مثل هذه الآراء وبقوة من مجموعات داخل الحزب، وهو اتجاها يمينيا لا ريب فيه، يجب حسمه عبر الصراع الفكري القائم على الديمقراطية المركزية.

نقاط لا بد منها في التقييم:

  • إن الداعين لفكرة الحزب الاشتراكي كانوا أغلبية، بل كان جل عضوية الحزب باستثناء زميلين فقط، اعترضا على الدعوة من الأساس وهما (الجزولي سعيد وإبراهيم حاج عمر)، وكان كادر الحزب الأساسي مع تلك الدعوة، وعلى راسهم الزميل محمد إبراهيم نقد، قبل ان يصحح موقفه، والذي جاء انعكاسا لموقف الشهيد عبد الخالق، وكاتب هذه الورقة كان جزءا من الداعين للفكرة، وانخرط بنشاط وافر في انجاز أوراق المؤتمر الأساسية. وهو أمر لا بد ان ننتقد أنفسنا عليه، ويجب مع اتساع حلقات التآمر اليمينية داخل الحزب الآن أن ننتقد أنفسنا لنقفل الطريق أمام سريان هذه الدعوات الآن ومستقبلا.
  • أيضا لا بد من الإشارة الى نقد هذه التجربة الآن هو الرد البليغ على الذين يأملون في سريان دعوة جديدة اشبه بتلك الدعوة.
  • موقف الجناح اليميني في ذلك الوقت والذي سمى ما حدث بانه مؤتمر فهو لم يكن كذلك انما كان مؤتمرا تداوليا، ليس له الحق في تغيير الاسم أو طبيعة أو نظرية الحزب وغيرها من القضايا الأساسية.
  • مجموع الكادر الأساسي والكادر الوسيط والذي لا يزال ممسكا بتلابيب العمل السياسي والتنظيمي في الحزب كان مع هذه الدعوة، وهو ما مثل خطورة كادت أن تقصف بوجود الحزب.
  • غيبت قاعدة الحزب تماما عما كان يدور في ذلك الوقت، وهذا أيضا كان تجاوزا   للأساس الموضوعي للصراع الفكري الحقيقي في الحزب الشيوعي، ولولا ايمان القاعدة المطلق بقيادة الحزب الشيوعي تحت راية الشهيد عبد الخالق لكانت قاعدة الحزب قد اتخذت لها إجراءات تعيد لها حقها، وكان سوف يكون في مقدمتها تغيير القيادة الكامل.
  • إن الانحراف اليميني كان من بنات أفكار الشهيد عبد الخالق قبل ان يتراجع عنه لاحقا، ويصحح موقفه، برفضه كل ما ترتب على المؤتمر وتمخض عنه.
  • الموقف السوفيتي القوي كان سببا أساسيا في تلافي الانحراف اليميني ومحاصرته.
  • مؤتمر الجريف كاد ان يشكل فرصة تاريخية للجناح اليميني لتصفية الحزب والسيطرة عليه.

ختاما فان نقد هذه التجربة بصورة مبدئية هو الأساس لتحجيم التيار اليميني في حزبنا.         12/11/2008

 (انظر صديق الزيلعي: وثائق تحكي تاريخ الحزب الشيوعي السوداني، مركز آفاق جديدة، بريطانيا، 2017، ص 118)

 

خطاب قيادة الحزب الشيوعي السوفيتي:

أشرت في المقال السابق الي رسالة الحزب الشيوعي السوفيتي الي الحزب الشيوعي السوداني. لكن النسخة المصورة من الخطاب لم تظهر في موقعي الراكوبة وسودانايل، رغم ظهورها في صفحتي في الفيسبوك. وقد اتصل بعض القراء مطالبين بنسخ منها، وقد أرسلتها لهم، ولكن لتعميم الفائدة اعيد نشر صورة النسخة الاصلية، ثم انقلها كتابة، خوفا من تكرار نفس المشكلة السابقة.

رسالة من اللجنة المركزية للحزب الشيوعي السوفيتي

الي اللجنة المركزية للحزب الشيوعي السوداني

مسترشدين بمبادئ الأممية البرلوليتارية، واعتبارا للعلاقات الرفاقية الأخوية بين حزبينا، نخاطب اللجنة المركزية للحزب الشيوعي السوداني حول مسألة هامة تتعلق بتطور الثورة في السودان.

لقد أصبح معروفا للحزب الشيوعي في الاتحاد السوفيتي أن الخلافات داخل الحزب الشيوعي السوداني حول مسائل التكتيك بعد ثورة مايو 1969، فهناك تيارات تعوق وضع تكتيك ماركسي لينيني سليم تجاه النظام الجديد بهدف تطوير الثورة والحركة الثورية في الحزب الشيوعي السوداني.

ان مناشدتنا تنبعث من الحدب على مصلحة الثورة السودانية وتستهدف وحدة كل القوى الثورية المعادية للاستعمار ولتعزيز مواقع الحزب الشيوعي السوداني.

ان دعم الحزب الشيوعي للنظام وتعزيز مواقع الثورة بنشاط وفعالية ومشاركته في توجيه الضربة لقوى الثورة المضادة في مارس الماضي قد ساعدت على خلق تحولات جديدة لصالح الشعب السوداني. ان الإجراءات والخطوات التي تمت خلال العام والنصف من عمر ثورة مايو في السياسة الخارجية والداخلية (الجنوب، التأميم، النضال لوحدة الشعوب العربية الخ الخ ) تنسجم مع برنامج الحزب الشيوعي السوداني. وقد كان للحزب الشيوعي السوداني بالطبع دوره الحاسم في هذه الخطوات، وهي انتصار للحزب الشيوعي والشعب السوداني.

في هذه الأيام تقع على الحزب الشيوعي السوداني مسئولية كبيرة تجاه الثورة السودانية، وهذا هو السبب الذي دفع الحزب الشيوعي في الاتحاد السوفيتي للتأكد بان الحزب الشيوعي السوداني سيقوم بواجبه الثوري بنجاح لتطوير الثورة إذا ما بذل كل جهوده لتحقيق وحدته ولا يلجأ الي اتخاذ قرارات متعجلة قد تؤدي الى قسم وحدة الحزب. إن انتهاك وحدة الحزب سيترك أثرا سيئا على العلاقات مع القوى التقدمية الأخرى في إطار العمل تحت ظل النظام الجديد وتؤدي الى بلبلة صفوف الجماهير التي يعتمد عليها النظام التقدمي الجديد، وتؤدي الى اضعاف نضال الشعوب العربية ضد الاستعمار.

إننا نأمل أن يمنع أعضاء اللجنة المركزية للحزب الشيوعي السوداني وكل الشيوعيين السودانيين وقوع مثل هذه الأحداث الخطيرة التي لا تخدم سوى أعداء الحركة الشيوعية والنظام التقدمي الذي هو مكسب هام لكل حركة النضال الثوري في السودان.

وكما تعلمون فإن اللجنة المركزية للحزب الشيوعي في الاتحاد السوفيتي قد بذلت مساعي كثيرة لتقوية وتعزيز القوى التقدمية المناهضة للاستعمار في السودان، وقد اتخذ الحزب الشيوعي نهجا ثابتا لدعم العلاقات في المستقبل في جميع الميادين مع حكومة جمهورية السودان الديمقراطية التي أصبحت بعد الخامس والعشرين من مايو في الصفوف الامامية للثورة الوطنية الديمقراطية العربية.

ان اللجنة المركزية للحزب الشيوعي السوفيتي تقدر تقديرا عاليا دور الحزب الشيوعي السوداني في الحركة الثورية في السودان وفي حركة التحرر الوطني في العالم العربي وفي تقوية الحركة الشيوعية والحركة المناهضة للاستعمار العالمي. اننا نأمل أن تتقوى وتتطور العلاقات الأممية بين الحزب الشيوعي السوداني والحزب الشيوعي السوفيتي وستعمل اللجنة المركزية على مواصلة جهودها في هذا الصدد.

ان اللجنة المركزية للحزب الشيوعي السوفيتي تجدد استعدادها لاستقبال وفد من الحزب الشيوعي السوداني في موسكو خلال احتفالات أكتوبر كما اخطرناكم من قبل استجابة لطلب المكتب السياسي للحزب الشيوعي السوداني.

وتأمل اللجنة المركزية للحزب الشيوعي السوفيتي أن تجد هذه المعاني المضمنة في رسالتنا عنايتكم واعتباركم وتفهمكم.

مع التحايا الشيوعية   موسكو 17/10/1970

 

ملاحظات عامة وسريعة حول الرسالة:

  • كتب السر: " بعد انقلاب 25 مايو 1969 رفض الحزب الشيوعي السوداني رأي السوفييت حول طبيعة النظام الجديد باعتباره ديمقراطي ثوري". وحسب ما قرأنا في الرسالة فلم ترد أي إشارة لديمقراطي ثوري، وانما الحديث عن النظام التقدمي أو ثورة مايو. وقضية ديمقراطي ثوري التي أقحمها السر هنا هي محور الصراع داخل الحزب الشيوعي في 1970. وقد نوقشت في عشرات الصفحات من وثيقة عبد الخالق ووثيقة معاوية حول الموقف من نظام مايو، وكان الخلاف هل هو نظام برجوازية صغيرة أم ديمقراطيين ثوريين؟
  • جاءت تلك الرسالة بعد انعقاد مؤتمر أغسطس الذي أنتصر فيه جناح عبد الخالق وتبني المؤتمر موقفه من نظام مايو. وكان هدف السوفييت إعادة توحيد الجناحين فوقيا، بعد ان حدث الانقسام فعليا.
  • زيارة الاتحاد السوفيتي، التي وردت في الرسالة، كانت بطلب من المكتب السياسي للحزب الشيوعي السوداني.
  • لم يهتم السوفييت بما دار في داخل الحزب الشيوعي السوداني، وما توصل له من مواقف، فهو الأدري بواقع بلده، وهو الأحق بتحديد خطه السياسي وتحالفاته.
  • تجربة مؤتمر الجريف أوضحت كيف يتدخل السوفييت في قضايا أحزاب وشعوب أخرى، ويحاولون فرض رؤاهم على تلك الأحزاب.
  • هم السوفييت الأساسي كان الحفاظ على نظام مايو، باعتباره حليفا لهم، وفي إطار تكبير الكوم في صراعات الحرب الباردة.

 

صديق الزيلعي

 

تعليق 1
  1. د. هشام :

    الناس ديل ملكيين أكتر من الملك!! الشيوعية انتهت في عقر دارها دايرين يتنكرو للدار الآوتم و علمتم بعدما اتبنتم؟!

رد