أخبار السودان لحظة بلحظة من الراكوبة، مقالات سياسية وثقافية

دار أبو جلابية .. من أشعل الحريق؟

0

يوم (الخميس) قبل الماضي، التأم اجتماع تفاكري حاشد لقيادات اتحاديين بدار الخليفة محمد أحمد كمبال، بأم درمان، نادى بالمسارعة بعقد المؤتمر العام للحزب، بعدها بأيام انطلقت دعوات تشاورية لعقد مؤتمر عام الحزب بالقاهرة، مع إن آخر مؤتمر عام للحزب كان في القاهرة بـ"القناطر الخيرية" 2004م، هل يعقل أن يعقد حزب سوداني كل مؤتمراته بالخارج؟ وما الذي يمنعه من أن يعقدها هنا، في اليوم التالي لاجتماع الخليفة كمبال، تحصلت (التيار) على معلومات من مصادر موثوق بها، تفيد بإقالة نائب رئيس البرلمان، عائشة محمد صالح، التي شاركت بالاجتماع، وتعيين محمد المعتصم حاكم، في موقعها، رغم أن عائشة سارعت بنفي الخبر، إلا أنه بالفعل القرار صدر عن مكتب القاهرة، حتى قبيل مشاركتها في الاجتماع، قريباً من حادثة عائشة كان قد تم إعفاء نائب رئيس المجلس التشريعي بولاية الخرطوم، هاشم عمر، وتعيين النور فضل المولى، خلفاً له، فهل حقاً إن الصراع المكتوم بين مجموعة الحسن، وتيار أحمد سعد، المدعوم من القاهرة، سبب مايجري من إقالات؟ وأين موقع الحسن مما يجري بصفته رئيساً لقطاع التنظيم بالحزب؟ هل ابتلعته مجموعة الـ(خمسة)؟ ومن هم؟

تحقيق : محمد سلمان

قصة جيل

يتميَّز الحزب الاتحادي الديمقراطي الأصل، على غيره من سائر الأحزاب السياسية السودانية، أنه الحزب الوحيد الذي لم يعقد مؤتمره العام منذ أكثر من "نصف" قرن و "عقد" من الزمان، جيل كامل للحزب الاتحادي الديمقراطي الذي أثرى الحركة الطلابية بالجامعات، منذ مطلع التسعينات، وحتى العقد الثاني من الألفية الثالثة قدم نماذجاً رائعة في الوطنية والتضحية والفداء عرف بها الاتحاديون، للأسف هذا الجيل لم يشهد ميلاد أي مؤتمر، فهم انتموا لحزب لقناعتهم بفكره وطرحه وموضوعيته، ولكن اغتالهم "كهنوت" السياسة، فلم يشهدوا أي مؤتمر لحزبهم منذ انضمامهم حتى الآن؟ صحيح الحزب في ديكتاتورية نظام نميري تحمل عبء العمل النظالي ضد مايو برئاسة زعيمه الخالد الشريف حسين الهندي، فكان الهم إنقاذ الوطن من ديكتاتورية نميري، لا الحزب، ولكن ماذا يمنع الحزب الاتحادي الديمقراطي الأصل من عقد مؤتمره العام حالياً، خصوصاً وأن معظم الأحزاب عقدت مؤتمراتها وتلتزم بدوراتها التنظيمية، بما فيها الحزب الشيوعي السوداني، الذي يميل للعمل السري، ولكنه يعقد مؤتمراته علناً. الاتحاديون يملأون الأرض، ويسدون عنان السماء، فهل يصعب الجمع بين الاتحاديين في مؤتمر واحد؟ الاتحاديون الذين أحرزوا أكثر أصوات في انتخابات 1986، لكن تعدد مرشحي الحزب في الدائرة الواحدة، ومنافسة المرشحين لبعضهم البعض جعلت الحزب يحتل المرتبة الثانية، فهل يمكن للاتحاديين أن يسقطوا راياتهم المتعددة والمتكاثرة، ويدخلوا مؤتمر عام تحت راية واحدة؟ أم أن الخلافات الذاتية والشخصية والمرارات الشخصية لبعض قياداتهم، وطموحاتهم المتباينة تجعل الجمع بينهم في مؤتمر واحد أمراً مستحيلاً، أو يصعب تحقيقه؟ في هذا الجزء الأخير لهذا التحقيق نتناول قضية المؤتمر العام للحزب الاتحادي الأصل، وقد تقصينا التحديات التي تواجه قيامه، وكيف ينظر له الاتحاديون ؟ وبالطبع جاءت وجهات نظر قيادات الحزب مختلفة ومتباينة، منهم من يرى أن الظروف ليست مواتية لقيام المؤتمر، وأن هناك أولويات أخرى وخطوات يجب اتخاذها، ومن يرى غير ذلك، وأن عدم قيام المؤتمر في ظل غياب المؤسسات، تسبب في أزمة الحزب.
عدم رغبة

هنالك صعوبات كبيرة تواجه قيام المؤتمر العام الآن، إذ ليس هنالك رغبة في بناء حزب ديمقراطي من القاعدة إلى القمة، هكذا بدأ القيادي بالحزب الاتحادي الديمقراطي الأصل "العهد الثاني" محمد الفكي سليمان، حديثه لي عن قضية المؤتمر العام، وأضاف :"كما أن الطريقة القديمة المتمثلة في جمع الناس لمولانا محمد عثمان الميرغني، لتجديد البيعة لم تعد متاحة لعدة أسباب منها، تنامي حالة الرفض لهذ الطريقة غير الديمقراطية، والتي تجلت بصورة واضحة عند الإعلان عن الاتحادي الديمقراطي الأصل "العهد الثاني" والذي كان في قيادته للمفارقة أحد أهم أركان الطريقة الختمية الراحل الشيخ حسن أبوسبيب الذي أكد بموقفه قبل رحيله رفضه الواضح لاستمرار قيادة الحزب بهذه الطريقة التي انتهت بمشاركة الحزب النظام الذي ظل يعارضه طوال هذه السنوات"، يمضي ود الفكي في حديثه حول عدم قيام المؤتمر العام للحزب قائلاً:" السبب الثاني يكمن في أن الميرغني نفسه لم يعد قادراً على فرض هيمنته بالطريقة القديمة لأسباب صحية."

ليس أولوية

بالنسبة للقيادي بالاتحادي الأصل، النائب البرلماني، أحمد الطيب المكابرابي، إن المؤتمر العام للحزب لا يمثل أولوية في الوقت الراهن، وقال لي :"نحن الآن في حاجة لإدارة حوار مع كل الفصائل الاتحادية أولاً، قبل الدخول في مؤتمر عام"، ويلفت المكابرابي إلى أن حزبه كان قد صرف أموالاً طائلة على مؤتمر (المرجعيات) الذي عقد بالقاهرة، وتساءل: أين هي المؤسسات التي تمخضت عن هذا المؤتمر؟ لقد تلاشت! يمضي مكابرابي سرده في أن المؤتمر لايعد أولوية حالياً، قائلاً :" المؤتمرات يجب أن يكون نتيجتها فعل، فما هو الفعل"؟ يرى مكابرابي أنه الآن لايوجد فعل سياسي، وبالتالي هذا الأمر لايجعلهم في عجلة من أمرهم لعقد المؤتمر، ويقر مكابرابي أن هناك ضغوطاً يمارسها الرأي العام تجاههم لعقد مؤتمر الحزب، وقال لي :"الرأي العام يبتزنا أن نعقد مؤتمرنا، ولكن علينا أن نبحث عن فعل حقيقي قبل أن نتجه للمؤتمرات"، ربما أن الحزب الاتحادي الديمقراطي الأصل ينظر بإشفاق لما يحدث لنده التقليدي حزب الأمة القومي بزعامة الإمام الصادق المهدي، ويخشى مصيره، هذا ما عبَّر عنه المكابرابي بقوله :"حزب الأمة القومي كل مايعقد مؤتمراً عاماً يقع انشقاق بالحزب، ونحن لا نريد انشقاقات بالحزب"، وأضاف:" نحن نريد أن نجمع كل الناس، ونريد للمؤتمر أن يجمع الناس لا يفرقهم"، وذكر النائب البرلماني عن الاتحادي الأصل، أن الحزب الآن خطوطه متباعدة والبلاد تعيش ظروفاً استثنائية يصعب معها عقد مؤتمر عام حقيقي _ على حد تعبيره_ ويبدي الطيب اعترافاً بأن المؤتمر العام للحزب فعلاً هو أشواق الجماهير الاتحادية ويعبِّر عن تطلعاتها، لكنه نوَّه إلى أن اللجنة العليا للمؤتمر العام عندما عقدت اصطدمت وواجهتها عقبات، والآن أعضاء اللجنة منهم من رحل عن الدنيا لهم الرحمة والمغفرة، ومنهم من غادر الحزب، ومنهم من اعتزل، وهذا الأمر يتطلب إعادة ترتيب.

اتفاق ولجان

يشدد عضو الهيئة القيادية بالاتحادي الأصل، دكتور علي السيد، على ضرورة أن يصل الأشقاء الفرقاء داخل الحزب الاتحادي على اتفاق فيما بينهم قبل الذهاب إلى أي خطوة نحو المؤتمر العام، ويخص السيد بدعوته للاتفاق، أن تبدأ هذه الخطوة بين الحسن الميرغني، وخصومه بالحزب، وذلك بالوصول إلى اتفاق بينه والمجموعة المشاركة بالحكومة من تيار (أحمد سعد _ حاتم السر) المدعوم من القاهرة، وبينه ومن يسميهم الحسن بـ"الدواعش" من مجموعات (الاسكلا) التي أبرز قادتها، طه علي البشير، ودكتور بخاري الجعلي، محمد فايق، وتيار (أم دوم) وأبرز قادته الراحل أبو سبيب، وتاج السر الميرغني، ودكتور عبدالله أبوسن، لكن تيار (العهد الجديد) بالاتحادي الأصل، خطى خطوات واثقة في إعادة تنظيم صفوف الحزب، وينتظر آخر نتائج مايفضي إليه الحوار الاتحادي إن بدأ، ويرسم علي السيد صورة شبه مستحيلة لقيام المؤتمر بدون حضور الميرغني شخصياً، قائلاً:" الميرغني إذا لم يترأس المؤتمر فإن قيامه يبدو أمراً شبه مستحيل، وأضاف:"لابد أن يحضر الميرغني شخصياً المؤتمر ويجلس في كراسيه الأمامية" يمضي دكتور علي السيد في رسم تصوراته لما يمكن أن يكون إليه حال الحزب وكيفية تسيير أموره دون مؤسسات وعقد مؤتمر عام، فقال لي :"الحزب يمكن الانتخابات بدون مؤتمر، وذلك بتكوين لجان للانتخابات" وأبان أنه يمكن تكوين لجنة عليا للانتخابات، ولجنة فنية، ولجان بالولايات، تتولى أمر دخول الحزب للانتخابات.

قيادات عابرة للأجيال
يرسم القيادي الاتحادي محمد الفكي، صورة بائسة جداً لوضع الحزب الاتحادي الأصل، وقال لي :"وجود (القيادات العابرة للأجيال)، كما يصفها لي أحد الأصدقاء، هو الذي أدى إلى عدم قدرة أعضاء الحزب للإحساس بالزمن لذلك كثير ما تجد خريجون من السبعينات والثمانينات والتسعينات يطالبون بإعطائهم فرصة كشباب بينما هم في واقع الأمر تجاوزوا محطة الشباب بسنوات وبسبب أنهم لم يأخذوا فرصتهم فإنهم يصرون على تعريف أنفسهم كشباب" على جانب آخر يرى ود الفكي أن هذا الانسداد ولد واقع سيئ جداً في طبيعة الكادر المستقطب للحزب في السنوات الأخيرة إذ أصبحت التغذية تتم بصورة أساسية من الأسر الاتحادية، خلافاً لبداية سنوات التسعينات التي انخرط في روابط الطلاب الاتحاديين أطياف واسعة من الشعب السوداني وشهدنا لأول مرة قيادات طلابية من أسر أنصارية اجتذبهم الخطاب الفكري الوسطي والخط السياسي الواضح والآمال الكبيرة في إصلاح حزب الحركة الوطنية، وارتفع المد الوطني.
فقدان الأمل الذي يسيطر على المشهد الحالي إثر على الرصيد الشبابي من خريجي روابط الطلاب الاتحاديين فالكتلة الأكبر أصبحت خارج دائرة الفعل السياسي، وهي بالنسبة لود الفكي في حالة انتظار لحدوث معجزة ما، بدلاً من الانخراط في الحراك اليومي، وتابع القيادي لتيار العهد الجديد قائلاً :" عدد كبير من الاتحاديين تسرب عدد منهم إلى أحزاب أخرى ومنظمات تطوعية، وقلة ذهبت إلى حزب السلطة مباشرة طمعاً في منصب تصيبه"، فهل انتهى المطاف بحزب الحركة الوطنية إلى هذا المآل؟ أم أن حزب قوى الوسط سينهض من كبوته ويتعافى فيعود كما كان؟

آن الأوان

لكن وبالرغم مما يعتمل في الأفق الاتحادي من ضبابية إلا أن القيادي محمد الفكي، يرى أن الوقت مناسب جداً الآن لإدارة حوار داخل الحزب، بشأن مستقبله وقيام المؤتمر العام، ويعزو ود الفكي فرضيته تلك، إلى أن التيار المشارك في الحكومة بالحزب الاتحادي الديمقراطي الأصل الآن قد ضعف وخارت قواه، فأحد الأجنحة المتصارعة فقد أهم لاعبيه وركائزه، بينما الجناح الثاني (الحسن الميرغني) فقد كل عناصره المؤثرة والتي يمكن أن يستند الحسن عليها في مسيرته بالحزب، وفي صراعه ضد مناوئيه، ربما كان أكثر العناصر في مجموعة الحسن قدرة على الاتصال والاستقطاب والتنفيذ، الوزير السابق أسامة حسونة، الذي تم إبعاده وإخلاء مقعده لصالح أحد العناصر المهمة بمجموعة القاهرة، الآن قرار إعفاء عائشة قيد الإجراء، وقال لي ودالفكي :"على الرغم من الموقف السيئ للحسن الميرغني وتقليم أظافره بإبعاد الموالين له من الحكومة إلا أن المجموعة المناوئة له فقدت قبل أيام صانع الألعاب الحقيقي بها، برحيل الخليفة عبدالمجيد عبدالرحيم، رجل الظل وأكثر الشخصيات نفوذاً في الحزب والطريقة بعد مولانا محمد عثمان الميرغني"، ذات الاعتقاد يوافق فيه القيادي بالاتحادي الأصل، عضو البرلمان، أحمد الطيب المكابرابي، وقال لي المكابرابي:"إن مجموعة القاهرة فقدت برحيل الخليفة عبد المجيد (70%) من قوتها، لأنه كان داعمها الأساسي، والركيزة التي تستند عليها المجموعة وتعتمد عليها في كثير من الأشياء"، مما يعني أن ثمة وضعاً جديداً سيحدث بالحزب، وبفعل كل هذه المتغيرات يقول القيادي بالحزب الاتحادي الأصل"العهد الثاني"، محمد الفكي:" اَن الأوان لفتح حوار حقيقي عن مستقبل الحزب الاتحادي الديمقراطي"، وأردف: " الواضح أن المرحلة التي نعيشها -حالياً- على وشك الانطواء برحيل أبرز صناعها وغياب الأحياء على التأثير في المشهد السياسي لأسباب متباينة"، فهل ستتم للاستجابة لدعوة ودالفكي بفتح الحوار حول مستقبل الحزب؟

رد