أخبار السودان لحظة بلحظة من الراكوبة، مقالات سياسية وثقافية

(أبو القَدَحْ)..!

2
عبد الله الشيخ
خط الاستواء
كان من بقايا اليسار الذي تناثر في الأرياف بعد ضربة هاشم العطا.. بعد تلك الضربة شوهد في مناسبات معدودة.. لم يظهر عياناً إلا عقِب الانتفاضة، بعدها انطوى في عزلته المجيدة عندما هبّتْ ثورة الإنقاذ. عندها استكمل إحباطه وتزوج بنت عمه.. قال أحسن (يغتِّي قدحو)  ويتحول إلى منتج للطماطم كتعويض عن انحسار المدّ الأحمر بعد انهيار سور برلين!.
لكن سياسة (الثورة) أوصلته إلى حقيقة أن البلد ما بتنقعِد. كان هو يبدي سخطه، ويقول بين ذويه:النّاس ديل، ما باقي ليهم، إلا يقولوا إنو (الدّكّاي) حرام!.
وصل نبأ إحباطاته إلى دناقلة الاغتراب، فاجتمعوا وقرروا استقدامه، علَّه يبدأ  في الخليج حياةً جديدة لا علاقة لها بالمؤثرات الانقاذية. وصل صاحبنا إلى هناك، وانخرط في حصد الريال، لكن ضاع من بين يديه إبنه البِكر، الذي تغلغلت في ذهنه مفاهيم التنطُّع فأصبح واعِظاً للناس بالمساجِد، مبتدئاً بكبسولة: أوصيكم ونفسي..
ظهرت الأحزمة الناسفة وظلّ صاحبنا يرقب تلاعب الأقدار به من خلال شطحات ابنه... كان حذَّره مِن ذاك الطريق: يا زِفتْ التّين، إنت حتعمل لي بتاع دين، أكتر من حسن بِجّة؟. إنت ليش ما تكون زي الأولاد اللِّي بيدرسوا النّحت واللُّغات؟. أنا أتعب فيك عُمري كلّو، تجي في النهاية، تقول لي، (جزاك الله هير)؟.
بذل عديد المحاولات لإثناءه عن التشدد، لكنه لم يفلَح... يا ابني، إحنا عاوزين دِين، على قدر حالنا.. إحنا جدُّنا الكبير كان يصلي بالصفرجية في قصر عابدين، ده مش كفاية؟.
عندما أعيته الحيلة، ركب المتوكي رأسه، وقرر تصدير ابنه إلى الدّاخِل.. ذهب مباشرةً وسلّم جوازات سفر أسرته لمكتب الأمير وطلب بإلحاح، خروجاً دون عودة، وعاد يحكي غزوته لدناقلة الغُربة... قال إنه اتخذ قراراً بترحيل (زِفْت التِّينْ) للداخل، عشان حكومة الكيزان (تعرِف حاجة)..!
في قيدومة الوداع، إلتأم الدناقلة على الكابيدة، يتآنسون على سجيّتهم، بحضور الابن.. دخلوا في ونسة صريحة، لا تُحتمل إلا عبر شفرات الرطانة.. تطاولت ضحكاتهم إلى حَكايا الليل، والنساء، والعشق الخفي.. كان بوحاً هستيرياً لا يخضع لجماعة الأمر بالمعروف، ولا يقيِّده اللّوم.. وكلما ارتفع مستوى الشفافية، زاد امتعاض الابن... وأوغل العواجيز في المعارج، إلى غزل بلغَ مبلغاً بعيداً، وتمدد فوّاحاً إلى المنافذ المحظورة.. عندها نفد صبر الإبن فانفجر فى عواجيزه، بجاهزيته الخطابية صارِخاً: (يا قوم...)!!.. بهلَ فيهم مواعظه، مذكراً بعذاب الآخرة، ومشيراً إلى أن تلك الونسة الطليقة تتنافى مع منهاج السلف... وختم غضبته طالباً منهم الاستعداد للفريضة!
دُهشَ المتوكية الذين أدمى الاغتراب قلوبهم، فتساءلوا واحداً بعد الآخر: مين دَه؟. الوّاد عاِمل فيها نِصف نبي واللا أيه؟. هو عامِل في روحو كِدا ليه؟.
هُنا وقف صاحبنا وأطلق آهاته المرطونة: يوووه.. كلونوكورريه.. الجّماعة دول شبكونا دِين في دِين، خلينا ليهم البلد عشان نرتاح، يقوم يطلع لينا في الغربة الزِفْت دا؟... بس أنا مُش ح أسيبهُمْ، أنا راح أرجِّعو ليهُم، عشان حكومة بتاع الإنقاذ يعرف، إنو أنا دينياً، وصلت مرحلة الإكتفاء الذاتي، ودخلت مرحلة التصدير!!.
2 تعليقات
  1. غربة وشوق :

    رهيب

  2. ضد الجاذبية :

    الله يديك العافية أ. عبد الله، ياريت تضغط على نفسك وتكتب بصورة منتظمة أو على الأقل متقطعة.

رد