أخبار السودان لحظة بلحظة من الراكوبة، مقالات سياسية وثقافية

واحد شاي سادة

2

ناهد قرناص

شوارع الخرطوم صباحا ..تبدو شبه خالية من المارة ..الا المضطرين من امثالي الذين خرجوا من ديارهم للشديد القوي ..بالقرب من المستشفى ..اقترب مني شاب حدث السن مبتسما مد كوب شاي لي ..كنت في امس الحاجة له لمقاومة النعاس في يوم الاجازة ..كان يحمل معدات الشاي كلها بيد ..كفتيرة واكواب ورق ..سكر وبسكويت ... (سيد شاي) كامل الأهلية ..تلفت حولي ..كان هناك العديد من امثاله ..انه شاي دليفري يا جماعة ..حيث لا بنابر ولا كانون يتم التحلق حوله ..والامر يتم سريعا ..تاخد شايك وتذهب الى حال سبيلك.

الذكور يتسيدون الموقف مرة اخرى ..ويستعيدون مواقعهم في عمل الشاي والقهوة ..كانت الى زمن قريب مهنتهم ..(القهاوي) تجدها في اطراف الأسواق ..شئ لابد منه ..والحقيقة في العالم كله تقريبا ..تحتل المقاهي حيزا كبيرا من المدن ..المقهي يقدم الشاي بانواعه والقهوة ...واحبانا خدمات الشيشة ..تجد الرجال في مجموعات يجلسون يناقشون احوال البلد ..ويلعبون الدومينو ..والليدو احيانا ..اذكر انه كان هناك مقهى في السوق الصغير بالقرب من بيتنا في عطبرة ..كانت جدتي ترسلنا أحيانا لنأتي لها بالقهوة من هناك (كانت عندها اعتقاد في جمال القهوة من هناك )..حين يحكمها مزاجها ..(القهوة ) كما كنا نطلق عليها ..كان بها نادل يصيح باعلى صوته ..واحد شاي سادة هنا ..اتنين قهوة هناك ..

متى حدث الانقلاب الانثوي في هذه المهنة ؟ واين كان موقع التسليم والتسلم ؟ ومن هي اول (ست شاي ؟) ..الملاحظ انه قد حدث في الاونة الاخيرة (انفجار وظيفي ) في هذه المهنة ..ستجد امام كل مصلحة حكومية او خاصة ..على الأقل ست شاي واخرى تعد الفطور او الغداء ..اغلبهن صامتات لا يشاركن في الأحاديث ..بل انني استغرب ذلك الهدوء وطولة البال التي يتميزن بها ..وحلقات الرجال حولهن تضج بالأحاديث والضحكات ...ست الشاي مستمعة جيدة ..وان ما (اخاف الكضب) ..هي معالجة نفسية ومستشارة للكثيرين الذين لا يجدون أذنا صاغية في بيوتهم ..وكاتمة اسرار ..وبنك تسليف محلي ..تعطيك شايا أو قهوة بلا ضمانات ..ولا رهن ..وتصبر عليك حتى تاتيها النقود حين ميسرة بلا فوائد ولا ربا.

لكن السؤال لا يزال قائما ..متى حدث الانقلاب الوظيفي وتسلمت النساء صناعة الشاي في الطرقات ؟ اعتقد ان الامر حدث عندما ساد الشغب المعماري شوارع الخرطوم (حقوق الطبع محفوظة للسيد منصور خالد) ..وصارت المدينة لا تعرف اولها من اخرها ..وتداخلت الاسواق مع الاحياء ..واي شخص له بيت ناصية او يفتح على شارع رئيسي ..اقتطع جزءا منه وصار سوبر ماركت ..او مطعم ..او بوتيك.. المستشفيات تحتل عمارات سكنية داخل الاحياء ..اختفت الميادين ..وصارت مطمعا لكل صاحب قرش ..اختفت الملامح الاساسية للمدينة ..حين كان بكل حي ..مجموعة بيوت سكنية وادعة ..ميدان للعب الكرة .مسجد ومدرسة ابتدائية وسوق صغير على احد اطرافه يوجد مقهى.

ستات الشاي وفرن خدمات الشاي ديلفري حين اختفت المقاهي ..انهن يدفعن فاتورة الفوضى التي ضربت التخطيط العمراني والانهيار الاقتصادي الذي اخرجهن من بيوتهن ..اذ لا احد يستطيع ان يعيد الامر كما كان ..وقصة المظهر الحضاري للعاصمة ..هي علكة تلوكها المحليات لتحصيل اكبر قدر من الجبايات ..ها قد اتاكم من يحمل ادواته بيده .(سيد الشاي ) ..ولو جاءت (الكشة ) ..سيطلق ساقيه للريح ..ولن تقدروا على اللحاق به (شباب ورياضة ) ...ولا مجاراته في الزوغان بين الأزقة والحواري ..غايتو يا ناس المحلية شماتة ابلة ظاظا ..(عجبني للمرقوت )

الجريدة

2 تعليقات
  1. مريود :

    .(سيد الشاي ).

    دا اسمو شاي أبو تكة.
    وسعرو نصف سعر شاي محاسن الأصلي.

  2. فواز :

    شكراً للدكتورة…وبمناسبة ست الشاي أود أن أستغل سانحة د. قرناص وأسرد قصة علقت في دواخلي عن ست الشاي ، وتبدأ القصة في يوم الجمعة وبعد نهاية الصلاة مباشرة وقف رجل مهيب الطلعة ، تبدو عليه دلائل وفور الصحة ، ومن أحد أركان المسجد جاءنا صوته مجلجلاً ، وقال أنه أحد رجال الجيش الذين عملوا في مناطق العمليات ولاقوا فيها ما لاقوا من المشقة والعنت ، واليوم هو بالمعاش لا يجد ما يسد رمقه ويمكنه من قوت أهل بيته.

    ثم حكي لنا كيف أنه طرق باب المسئولين ولكنهم ولوه أدبارهم ولم يعيروه أدني إهتمام وحتي خدمته وما لاقاه في العسكرية من مخاطر لم تشفع له عند المسئولين ، وسكت الرجل برهة ثم وبصوت أعلي كثيراً من السابق ووسط دموع إنهالت من عينيه صرخ الرجل أنه ذهب إلي الكنيسة طالباً الرحمة…!!؟؟

    هنا هرع كل من في المسجد إليه يحاولون تخفيف ما به من ألم ومساعدته بما لديهم من نقود…

    حقيقة إشمئزت نفسي من الرجل العاتي المانع ومن تسوله الفج ، وخرجت أسائل نفسي هل أنا علي صواب أم خطأ في عدم تعاطفي مع الرجل ، وقطع حبل أفكاري أن رأيت ست الشااي وقد إنحسر عنها الظل حتي بات لا يوجد منه ما يحميها من حر الشمس ، رأيتها تلفحت بكامل ثوبها لتتقي حر الشمس ، لم يكن الجو مشجع لشرب الشاي ، ولم يكن من المتوقع حضور أي زبون لها في تلك الأجواء السخنة ليشرب منها الشاي ، فالكل كان يركض ليستظل في بيته من حر الشمس ، ولكنها بقيت تنتظر رحمة الله في تلك الحر بينما بكي موفور الصحة داخل المسجد ليعطيه الناس.

    تضائلت حتي كدت أن أتلاشي أمام عظمة ست الشاي ، كم هي مؤمنة ، كم هي صبورة ، كيف فرقت بين الكسب والإكتساب فصمدت وهي ترجو رحمة الله ولا تسأل الناس ليعطوها من مالهم ، لم تطعم أبناءها حراماً ولم تسقهم من مال الرشوة أو السرقة.

    تفرست وجهها فوجدت فيه وجوه الكادحين ، نظرت لكفتي يديها فوجدتهما قد ضربت عروقهما وتيبستا…..لا حول ولا قوة إلا بالله

    كان درساً قاسياً لن أنساه….

رد