أخبار السودان لحظة بلحظة

كلمة الإمام الصادق المهدي في لندن حول الفقيدين الأستاذين محمد الحسن أحمد وحسن ساتي

0

محمد علي ـ لندن

كلمة الإمام الصادق المهدي في فعالية اتحاد الكتاب والإعلاميين السودانيين التي كانت بالشراكة مع ملتقى الإعلاميين السودانيين بالمملكة المتحدة، والمنتدى الثقافي العربي في بريطانيا ضمن سلسلة (عباقرة) حول الفقيدين الأستاذين محمد الحسن أحمد وحسن ساتي في أمسية الجمعة 9 نوفمبر 2018م في فندق نورفولك بلازا بوسط لندن.

كلمة الإمام الصادق المهدي

بسم الله الرحمن الرحيم

أخي الرئيس

أخواني وأخواتي، أبنائي وبناتي

السلام عليكم وبعد،

أثمن غالياً إقدام الكتاب والإعلاميين السودانيين بالمملكة المتحدة اتحاداً وملتقى، والمنتدى الثقافي العربي في بريطانيا على الدعوة لوقفة الوفاء هذه لذكرى راحلين من فرسان القلم وأعلام الصحافة. مارسا الصحافة بمهنية عالية، وحرص على الخبر الصادق، والرأي المشرق. انتقلا إلى رحمة الله وحازا على لسان صدق في الآخرين، كما نالا من حسن الثناء وعاشا بما عملا، وسطرا في حياتهما حقاً:

قد مات قوم وما ماتت فضائلهم وعاش قومٌ وهم في الناس أمواتُ

لم يكن لهذين العلمين علاقة تنظيمية بنا، بل تعارف وصداقة، وهموم وطنية مشتركة. رحلا سويا في العام 2008م، أي قبل عقد كامل من الزمان، ولا تزال الصحافة تفتقدهما، وتلامذتهما يلهجون بحمدهما.

المرحوم محمد الحسن أحمد صحافي مخضرم بدأ بالعمل في الصحافة الحزبية (صحيفة الطليعة التابعة للحزب الشيوعي السوداني)، ولكن رؤاه كانت منفتحة على ما فوق صراع الطبقة ولم ير أن تحبس الصحافة في الهم السياسي بل تتناول الرياضة والأدب العاطفي وأخبار الفنون والسينما وغيرها من قضايا تهم الإنسان. وهي نظرة ناضجة ولطالما أكدتُ أن حصر الإنسان في جانب دون آخر يشكل خللاً فالتوازن هو سر الاستقامة، ويتطلب إشباع حاجات الإنسان العشرة مادية وروحية وعاطفية واجتماعية ومعرفية وأخلاقية ورياضية وجمالية وبيئية وترفيهية. والصحافة أحرى بخدمة هذا التوجه الشامل نحو الإنسان. انتقل المرحوم محمد الحسن  للصحافة المستقلة بدءا بالصراحة، ثم كان صاحب امتياز الأضواء في الستينات، وكانت له بصمات واضحة إذ كان أول من غير حجم الصحيفة من التابلويد إلى الحجم الكبير، وكان ضمن الخبرة السودانية التي كسرت قيد المحلية وانفتحت على العالم العربي فكان يكتب بصحيفة الشرق الأوسط رحمه الله رحمة واسعة. لقد تابع الراحل محمد الحسن سيرتي في رئاسة الوزارة الأولى، وما فعلت وأنا في بداية الثلاثين من عمري من إصلاح وتجديد فقال في مقاله الأسبوعي السياسي إن هذا الشاب سوف ينتخب لرئاسة البلاد في الدستور القادم.

والمرحوم حسن ساتي من الجيل الذي تلا الراحل محمد الحسن أحمد. بدأ حياته الصحفية ككاتب متعاون مع العديد من الصحف السودانية حينما كان يدرس بكلية الصحة ثم يعمل كضابط صحة، حتى اتجه للصحافة بكلياته في سبعينات القرن الماضي، وعمل في صحيفة الأيام التي ترقى فيها حتى صار رئيساً لتحريرها، وعرف بالابتكار في التصميم وتطوير التقنيات، ولاحقاً عمل بالشرق الأوسط فكان كذلك خير سفير لبلاده هو والأستاذ عثمان ميرغني نائب رئيس التحرير وغيرهما من السودانيين الأكفاء بالخارج. وظل مربوطاً بالبلاد وقضايها حتى آخر رمق، ليرحمه الله ويكرم مثواه. الراحل حسن ساتي برغم حداثة سنه حينها، فقد وصفني في "آخر لحظة" عندما تحالف الحرس القديم لإسقاط وزارتي أن هذا أنجح رئيس وزراء سوداني. رأي ردده مستقلون آخرون مثل المرحوم سيد أحمد نقد الله.

كثير من العاملين بالسياسة يتعاملون مع رجال ونساء الصحافة بمنطق محدود، فهم إما مأجورون للتطبيل، وإلا فهم خصوم يتصيدون العيوب، وينبغي الاحتماء من شرهم.

لكنني كنتُ ولا زلتُ أتعامل مع العشيرة الصحافية باعتبارهم أصحاب السلطة الرابعة، أتعرف بهم، وأتواصل معهم، بلا أنماط بروتوكولية وأواصلهم اجتماعياً ولا أقاطع حتى من ظلمني. وعندما أكون في السلطة أحرص على عقد لقاءات دورية مفتوحة لممثلي الصحافة. وعندما أكون خارج السلطة أتواصل معهم عبر منبر الصحافة والسياسة.

مدرسة الصحافة السودانية الحرة التي تخرج منها الراحلان مدرسة خرجت المئات الذين عانوا من الكبت والاضطهاد داخلياً في ظروف الاستبداد، ولجأوا للخارج بأعداد كبيرة حتى صار لهم حضور كبير في كل أجهزة الإعلام والصحافة الناطقة بالعربية.

وبما أن الاستبداد هو التفرد بالشيء وعدم السماح للآخرين بالمشاركة فيما لهم من حقوق شرعية أو إنسانية أو أخلاقية، فإن الصحافيين في خط أمامي من ضحايا الاستبداد.

وتقديراً لذكرى الراحلين جدير بكم تأليف سجل صحفي لإحصاء كل أفراد العشيرة الصحفية السودانية داخل السودان وخارجه. ويرجى تكوين مرصد لرصد كلما يعتري الصحافة السودانية من مخالفة للفصل الثاني من الدستور، ومخالفات للعهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية، والعهد الدولي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية. وهنالك جهات دولية يمكن الاستنصار بها كصحافيين بلا حدود، ومجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة لا سيما رئيسته السيدة ميشيل باسيليه. إن هذا المجلس محدود التأثير لتدخل الدول في شأنه. ولكن إلى جانبه توجد اللجنة الفنية لحقوق الإنسان، وهي مكونة من 13 خبيراً، وتعمل بكفاءة فنية، ومؤخراً وجهت حكومة السودان بمحاكمة من ارتكبوا تجاوزات وبالتعاون مع المحكمة الجنائية الدولية، وطالبت السلطات بوقف ملاحقة الصحافيين والمنتقدين والنشطاء قضائياً وترويعهم.

وفي هذا الصدد ينبغي التصدي لمحاولات إسناد مأساة الصحافة لسلوك الصحافيين كما جاء في ميثاق الشرف الصحفي الأخير، فما فيه من مطالب أخلاقية لا خلاف عليه، ولكن مشكلة الصحافة هي في أن قوانين القمع المطبقة في السودان مخالفة للدستور ولمنظومة حقوق الإنسان والحريات الدولية..

ختاماً، لا يمكن لنا في منبر موجه لذكرى فارسين من فرسان الصحافة إلا أن نذكر مأساة الراحل جمال خاشقجي، رحمه الله.

أتعلم أم أنت لا تعلم بأن جراح الضحايا فمن كل قطرة من دم شهيد الرأي الحر والقلم الحر تكتب معلقة في مرافعة قوية لحرمة حقوق الإنسان وقدسية حرية الرأي، "قُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُر"، وقال تعالى: "فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنتَ مُذَكِّرٌ، لَّسْتَ عَلَيْهِم بِمُصَيْطِرٍ".

لو عاش الشهيد دهراً، وعمل بكل قدراته وجوارحه فإنه لن يستطيع أن يخدم قضيته بعشر معشار ما خدمها بموته الذي اهتزت له أركان الدنيا.

إن ما حدث له تتابع في مسرح مفتوح ومرصود، وسوف تعرف كل تفاصيله، وسوف يوجب العالم بيان كل الحقائق ومحاسبة كل الجناة.

ومهما تكن عند امريء من خليقة وإن خالها تخفى على الناس تعلم

ومن إيجابيات هذه المأساة أنها أبرزت الحاجة لإصلاحات جذرية لكيلا تتكرر. مباشرة بعد الحادث كتبتُ لنادي مدريد وأنا في لجنته التنفيذية أطالبه بالدعوة لمؤتمر عالمي لتشخيص هذه الظروف واقتراح الإصلاحات المطلوبة. نادي مدريد تنظيم غير حكومي يضم 111 رئيس دولة وحكومة سابقين انتخبوا ديمقراطياً في دولهم، وهم يمثلون شخصيات من القارات الست.

 رحم الله جمال وأحسن عزاء أسرته، وليكن خير عزاء لهم ولأصدقائه ما سوف يحقق موته من خدمة جليلة للمباديء التي تمسك بها في حياته.

ختاماً وعوداً لذكرى فقيدينا، أرجو أن تجد السيدة إنصاف عبد الوهاب وأولاد المرحوم محمد الحسن أحمد خالد وطارق وأحمد وعمر ومنتصر ومنال وسارة، والسيدة صفية نورالدائم العجيمي زوج المرحوم حسن ساتي ووضاح وإسراء مزيداً من العزاء للمشاركة الواسعة لهم ولسائر أفراد الأسرتين وأصدقاء المرحومين في مشهد الذكرى.

أما الراحلان فهما في كنف الرحمن الرحيم الذي وسعت رحمته كل شيء ليقبلهما فيما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر، ( إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ)، والسلام على المحضرّين والمحاضرين والحاضرين.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

شكراً لك على التعليق...