أخبار السودان لحظة بلحظة من الراكوبة، مقالات سياسية وثقافية

السودان : محاربة " القطط السمان " أم مواصلة " تمكين الفساد " !.

0

فيصل الباقر

لا- ولم ، ولن- يساورنى الشك - مُطلقاً- فى أنّ الحديث المبذول - وبكثافةٍ ، هذه الأيّام - فى الإذاعات، والقنوات الفضائية ، والصُحف الورقية ، والمواقع الإليكترونية ، والأسافير ، المملوكة أو التابعة  للإنقاذ، عن الحرب على الفساد، قد انتهى، إلى غير رجعة، وذلك، بمجرّد أن سمعت وقرأت وشاهدت صورة رئيس الجمهورية " المُشير"  عمر البشير، وبجانبه مدير جهاز الأمن " الفريق " صلاح عبدالله محمد صالح، الشهير بـ" قوش "، فى افتتاح مقر " لجنة تحقيقات جرائم الفساد " ، وهى وحدة تابعة لجهاز الأمن والمخابرات، أُنشأت حديثاً ضمن حملة أطلقها الرئيس البشير لمحاصرة الفساد، ومن أسماهم بـ" القطط السمان " . وجرت مراسم الإفتتاح بحضور رئيس القضاء حيدر أحمد دفع الله، والنائب العام لجمهورية السودان عمر أحمد محمّد، ولفيف من آخرين، بعضهم شهود زور، جاءوا من مواقع " إنقاذية " مختلفة - ربّما - للمباركة والمبايعة فى المنشط والمكره ، رغم علم الجميع، أنّ المسألة كُلّها لا تعدو أن تكون - بلا أدنى شك – مُجرّد " مسرحية " ، ولكنّها  سيئة الإعداد والإخراج !.

ومصدر شكّى، بل، يقينى، أنّ جهاز الأمن والمخابرات، بصورته الحالية، المعروفة لدى المواطنين فى السودان، وبأدائه المشهود للجميع، هو أُس البلاء، وهو واحد من أعتى مراكز حماية الفساد، إن لم نقل مركزها الأكبر، وقد ثبت ذلك، وبان فى الإجراءات " الإنتقائية "، التى طالت بعض الذين تمّ اعتقالهم أمنيّاً مؤخّراً، من عناصر انقاذية ، مات منهم - واحد على الأقل- داخل زنازين جهاز الأمن، وقالوا أنّه " انتحر" ، وهو رجل الأعمال الإسلامى عكاشة محمد أحمد، ولم نسمع بعد، عن نتائج التحقيق فى " انتحار معتقل " فى جهاز الامن !. وهناك ضابط أمن برتبة لواء كان يشغل منصب مدير الادارة السياسية قبل احالته للتقاعد فى فبراير 2018، قرأنا فى الصحافة الإنقاذية، دراما اعتقاله ، ويكفى أنّ زوجته شكت للصحافة أنّ زوجها يعانى من تدهور وضعه الصحى، وقالت أنّ زوجها " يعانى فى المعتقل من وضع صحى حرج " وقالت أنّها لم تحصل على إستجابة بشأن طلبها من " السلطات " إحضار إختصاصى لمعاينته طبيّاً، فى المكان الذى يختاره جهاز الأمن، وقالت " لا نريد غير محاكمة عادلة "، ومن الغرائب أنّ الضابط الأمنى هذا اشتهر بالتعذيب، وقهر المعتقلين، ومع ذلك، لن نتشفّى فيه، بل، نطالب بأن يجد المحاكمة العادلة، ومازلنا ننتظر سيناريوهات هذه القصّة الدراماتيكية !.

الفساد - يا هؤلاء -  بدأ – وما انتهى – بإقرار وممارسة سياسة " التمكين " ، حيث تمّ التدمير الشامل  للخدمة المدنية والعسكرية، بسياسة " تعيين " و " تمكين " ( القوى الأمين ) ، ممّن حلّوا – واحتلُّوا - مكان من تمّت أحالتهم لـ( الصالح  الخاص )، لأسباب سياسية، لمصلحة " المشروع الحضارى " ... والحرب على الفساد تبدأ - ولا تنتهى- بالإعتذار الحقيقى ، لآلاف المواطنين الذين حوربوا فى أرزاقهم، وفُصلوا تعسُّفياً من وظائفهم، وأُخرجوا من سوق العمل، وعّذّبوا فى " بيوت الأشباح " ... والفساد – يا هولاء- لا يُمكن محاربته ، فى وجود صحافة مُكبّلة " أمنياً " ، ترزح تحت نيران " الرقابة القبيلة والبعدية " والمصادرة من المطابع ومنافذ التوزيع...والفساد لا يُمكن  محاربته فى وجود " مجلس وطنى " يمنع الصحافة والصحفيين من دخول  " البرلمان " ، وينتقى من المؤسسات الإعلامية ، " ما يشاء من اعلام حكومى " كامل الدسم ، ليسمح له - وحده - بالدخول للتغطية الصحفية للبرلمان ، وفق معايير " الموالاة " ، ويحرم الصحافة الخاصّة من حقٍّ مشروع .

باختصار شديد ، نقول : إنّ ما يُطلق عليه " حملة الحرب على الفساد " ، ليست سوى معركة واحدة من معارك كثيرة قادمة ، بين التيارات والجماعات الإنقاذية المتصارعة على قسمة " السلطة " و" الموارد " المنهوبة  ، وهى حالة ظرفية وانتقائية ، و حرب - أتت وستظل - منقوصة ، لا يمكن التعويل عليها، أو تصديقها، فى مكافحة الفساد فى السودان.  ما يحدث – الآن- فى المشهد السودانى ، ليس سوى معركة فى حرب القطط السمان ، ضد بعضها البعض ، وتمكين آخر وحديث وجديد للفساد !.

فيصل الباقر

[email protected]

 

رد