المقالات
السياسة
ارشيف مقالات سياسية
الرأسمالية مرحلة عابرة في التاريخ
الرأسمالية مرحلة عابرة في التاريخ
02-17-2013 09:26 AM

الرأسمالية مرحلة عابرة في التاريخ

هي أزمة رأسمالية الاحتكارات المعممة، التي تتعرض سلطتها العليا المنفردة للتحدي من جانب صراعات الطبقات الشعبية
هل ستكون الموجة الثانية من حركات تحرر الشعوب مجرد تكرار لأحداث القرن العشرين أم ستكون أفضل؟

د. سمير أمين

إن مبدأ التراكم بلا توقف الذي يميز الرأسمالية يعني النمو بقيمة متصاعدة أو أسية وهذا يؤدي مثل السرطان إلى الموت. وستوارت ميل الذي فهم هذه الصفة تصور أن “الدولة الثابتة” ستضع حداً لهذه العملية غير الرشيدة، وشاركه كينز في هذا الاعتماد على العقلانية. ولكن لم بستطع أياً منهما تصور كيفية فرض هذا التوقف على الرأسمالية. أما ماركس الذي حدد دور الصراع الطبقي فقد تصور الطريقة للتغلب على سلطة الطبقة الرأسمالية التي تتركز اليوم في يد الأوليجاركية (ملاك السلطة والثروة).

والتراكم الذي يعني دوماً الإفقار هو الخلفية الموضوعية للصراع ضد الرأسمالية، ولكنه يجري أساساً من خلال التناقض بين رفاهية مجتمعات المركز التي تستفيد من الريع الإمبريالي وبين بؤس مجتمعات التخوم المسودة. وبذلك يكون هذا الصراع هو الموضوع المركزي للبديل: الاشتراكية أو البربرية.

وتاريخياً اتخذت الرأسمالية كما هي قائمة عدة أشكال من التراكم عن طريق النهب لا خلال مراحلها الأولى فقط (التراكم الأولي) ولكن طوال مراحل تطورها. وبمجرد قيامها عمدت رأسمالية الأطلنطي هذه إلى غزو العالم وإعادة بنائه على نمط النهب المستمر للمناطق التي سيطرت عليها والتي صارت بذلك التخوم المسودة للنظام.

ولم تستطع هذه العولمة المنتصرة أن تفرض سيطرتها الدائمة، فبعد أقل من نصف قرن بعد هذا الانتصار الذي كان من الممكن أن يُطلق عليه “نهاية التاريخ”، تحدته ثورة شبه التُخُم الروسية، وصراعات التحرير المنتصرة في آسيا وأفريقيا التي ميزت تاريخ القرن العشرين، وهي الموجة الأولى من الصراع لتحرير العمال والشعوب.

ويستمر التراكم عن طريق النهب تحت عيوننا في عهد رأسمالية الاحتكارات المعاصرة. ففي المراكز يعني استحواذ ملاك (حكام) الاحتكارات المعممة على الريع الاحتكاري، نهب القاعدة المنتجة للمجتمع بأكملها. وفي التخوم يجري نهب الفلاحين، وكذلك الموارد الطبيعية للمناطق المعنية. وهذه الممارسات هي الأدوات الأساسية لاستراتيجيات التوسع لرأسمالية الاحتكارات المعممة للعصر الحالي.

وفي هذا الإطار، أضع “قضية الزراعة” الجديدة كجوهر التحدي للقرن الواحد والعشرين، فنهب الفلاحين (في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية) يمثل الشكل المعاصر للإفقار (بالمعنى الذي قصده ماركس لهذا القانون) المرتبط بالتراكم. ولا يمكن الفصل بينه وبين انتزاع الريع لحساب الاحتكارات الإمبريالية سواء لإنتاج الوقود الزراعي أو بدون ذلك. وأستنتج من ذلك أن تطور الصراع حول الأرض، والرد الذي ستعطيه هذه الصراعات سيقرر مستقبل المجتمعات الفلاحية في الجنوب (أي نصف البشرية)، ويحدد قدرة العمال والشعوب على التقدم نحو حضارة حقيقية متحررة من سيطرة رأس المال لا أجد لها اسماً غير “الاشتراكية”.

ونهب الموارد الطبيعية للجنوب يسمح باستمرار الاستهلاك المبدد للمصلحة المنفردة لمجتمعات الشمال، ويلغي أية إمكانية لتنمية تستحق هذا الاسم لشعوب الجنوب، وتمثل بذلك الوجه الآخر للميدالية بالنسبة للإفقار على المستوى العالمي. وعلى ذلك فأزمة الطاقة ليست نتيجة لنقص بعض الموارد اللازمة لإنتاجها (البترول بالطبع)، ولا هي نتيجة للأساليب الحالية للإنتاج التي تستهلك الطاقة بشراهة. ورغم أن هذه الأسباب حقيقية إلا أنها تمثل الأشكال الظاهرة والمباشرة للمشكلة. لكن هذه الأزمة نتجت عن رغبة الاحتكارات المعممة للإمبريالية الجماعية أن تحتكر لنفسها الحصول على الموارد الطبيعية للكوكب، سواء أكانت نادرة أم لا، بهدف الحصول على الريع الإمبريالي، وذلك بغض النظر عن استمرار استخدام هذه الموارد بالطريقة الحالية (المبددة والشرهة للطاقة)، أو استخدامها طبقاً لسياسات محسنة جديدة مقبولة “إيكولوجياً”. بناء عليه، أتوقع أن استراتيجية التوسع لرأسمالية الاحتكارات المعممة الحالية، لا بد أن تواجه مقاومة متزايدة من جانب أمم الجنوب.

من أزمة طويلة لأخرى طويلة:

الأزمة الحالية ليست أزمة مالية، ولا هي مجموعة من أزمات النظام، بل هي أزمة رأسمالية الاحتكارات المعممة، التي تتعرض سلطتها العليا المنفردة للتحدي من جانب صراعات الطبقات الشعبية، ومن جانب شعوب وأمم بلدان التخوم سواء أكانت بازغة أم لا. وهي في الوقت نفسه أزمة السيطرة الأمريكية. ورأسمالية الاحتكارات المعممة، والسلطة السياسية للأوليجاركية، والسيطرة الأمريكية، و عسكرة إدارة العولمة الوحشية في خدمة الاحتكارات، وسيطرة المالية، أشياء لا تنفصم البتة عن تراجع الديمقراطية، ونهب الموارد الطبيعية للكوكب، وضياع كل أمل في تنمية بلدان الجنوب.

والتحدي الحقيقي هو الآتي: هل ستنجح هذه الصراعات في التجمع لتفتح الطريق أو الطرق للانتقال للاشتراكية العالمية؟ أـو هل ستبقى متفرقة، بل ربما متعارضة، وتسمح ببقاء المبادرة في يد رأسمالية الاحتكارات المعممة؟

من المفيد العودة لدراسة الأزمة الطويلة الأولى للرأسمالية، والتي شكلت طبيعة القرن العشرين، لأن التشابه بين مراحل تطور هاتين الأزمتين مثير للانتباه.

لقد دخلت الرأسمالية الصناعية التي انتصرت في القرن التاسع عشر في أزمتها الطويلة ابتداءً من عام 1873، فقد انهار معدل الربح للأسباب التي شرحها ماركس. وقد اتخذ رد فعل رأس المال اتجاهين: التركيز والتوسع العالمي. وقد استولت الاحتكارات على الريع المفروض على فائض القيمة الناتج عن استغلال العمال، وسارعت في استعمار الكوكب. وحققت لها هذه التحولات الجديدة أرباحاً خيالية جديدة قادت “للعصر الذهبي” (بين عامي 1890 و1914) حيث سيطرت رأسمالية الاحتكارات المالية. وفي ذلك العصر كان الخطاب السائد يمتدح الاستعمار (تحت مسمى رسالة التمدين)، كما يصف العولمة بأنها ضمان لاستتباب السلام. وانضوت أحزاب الاشتراكية الاجتماعية للعمال الأوروبيين تحت راية هذا الخطاب.

ومع ذلك فقد انتهى “العصر الذهبي” (La Belle Epoque) الذي اعتبره المنظرون الرئيسيون لتلك الحقبة بأنه نهاية التاريخ، بالحرب العالمية الأولى، التي كان لنين هو الوحيد الذي توقعها. وتميزت الحقبة التالية وحتى ما بعد الحرب العالمية الثانية بالحروب والثورات المتوالية. وفي عام 1920، بعد عزل الثورة الروسية (في الحلقة الضعيفة للنظام) وفقدان الآمال في ثورة في بلدان وسط أوروبا، أعادت رأسمالية الاحتكارات المالية “العصر الذهبي” مرة أخرى رغم جميع المخاطر. وأدت إعادة هذا العصر الذي عارضه كينز في ذلك الوقت، إلى الانهيار المالي لعام 1929، والأزمة التي استمرت حتى الحرب العالمية الثانية.

وهكذا شهد القرن العشرين الطويل (1873/ 1990) كلاً من تفاقم الأزمة العميقة للرأسمالية الشائخة (للدرجة التي دفعت لنين للقول بأن الاحتكارية هي “أعلى مراحل الرأسمالية”)، وكذلك الموجة الأولى للثورات المنتصرة ضد الرأسمالية (روسيا والصين)، وأيضاً للصراعات المناهضة للإمبريالية من جانب شعوب آسيا وأفريقيا.

وبدأت الأزمة العامة الثانية للنظام الرأسمالي في عام 1971، عندما أُلغيت قاعدة الذهب وفقد الدولار قيمته الثابتة بالنسبة للذهب، وذلك بعد قرن كامل على حدوث الأزمة الأولى. وانخفضت معدلات الربح والاستثمار والنمو، (ولم تعد أبداً لمعدلاتها في الأعوام 1945/1975). وكان رد فعل رأس المال على التحدي مماثلاً تماماً لرد فعله في الأزمة السابقة، أي مرة أخرى بالتركيز والعولمة. وهكذا وضعت البنية التي حققت “العصر الذهبي” الثاني: (1990/2008) للعولمة المالية التي مكنت المجموعات الاحتكارية من الاستحواذ على الريع الاحتكاري. وواكب ذلك ذات الخطاب: فالسوق هو الذي يضمن الرفاهية والديمقراطية والسلام، وهي نهابة التاريخ. ومرة أخرى، انضوى الاشتراكيون الأوروبيون تحت راية النيو لبرالية. ومع ذلك فقد تميز هذا العصر الذهبي الجديد بالحروب التي يقودها الشمال ضد الجنوب بدءاً من عام 1990. وكما أدت العولمة المالية الأولى لانهيار 1929، أدت الثانية لانهيار 2008. ونحن الآن في نقطة حرجة حيث يحتمل حدوث موجة من الحروب والثورات، خاصة والسلطات المسيطرة لا تتصور أي احتمال غير إعادة النظام إلى ما كان عليه قبل الانهيار المالي.

والتناظر بين هاتين الأزمتين العامتين للنظام الرأسمالي الشائخ يثير الانتباه، ومع ذلك فهناك اختلافات تنتج عنها اختلافات سياسية مهمة.

هل ستكون الموجة الثانية من حركات تحرر الشعوب مجرد تكرار لأحداث القرن العشرين أم ستكون أفضل؟

تحكم العالم الحالي مجموعات الأوليجاركية، فهناك الأوليجاركيات المالية في الولايات المتحدة وأوروبا واليابان، وهناك الأوليجاركية الروسية التي تحاول الدولة الحد من قوتها، وهناك سلطة الدولتية في الصين. وهناك كذلك أوتوقراطيات (تتخفى أحياناً وراء واجهات من الديمقراطية الانتخابية المحدودة) تسود في مختلف أنحاء العالم.

وتمر إدارة هذه الأوليجاركيات للعولمة المعاصرة بأزمة، فأوليجاركيات الشمال مطمئنة للبقاء في السلطة بعد انقضاء الأزمة، وهي لا تشعر بالتهديد لسلطنها. أما الأوتوقراطيات الحاكمة في الجنوب فوضعها مهدد بوضوح، فهل يهددها تحدي الثورات في الجنوب كما حدث في القرن الماضي؟ هذا محتمل ولكنه غير كافٍ. فلكي يتحقق للبشرية السير على الطريق نحو الاشتراكية، وهو البديل الوحيد للفوضى المدمرة، لا بد من التخلص من هذه الأوليجاركيات، وحلفائها وخدمها، سواء في الشمال أو الجنوب.

والرأسمالية “لبرالية” بطبيعتها، وذلك ليس بالمعنى الجميل للكلمة، وإنما بمعنى السيطرة الكاملة لرأس المال لا على العمال والاقتصاد فحسب، وإنما على جميع قسمات الحياة الاجتماعية. فلا يوجد اقتصاد سوق (وهو الوصف المعتاد للرأسمالية) دون “مجتمع السوق”. ورأس المال يتابع بلا هوادة هدفه الوحيد من جمع المال، أي التراكم لمصلحته. وكان ماركس، ومعه علماء آخرون مثل كينز، قد تفهموا هذه الحقيقة بوضوح ولكن لا يتفهمها الاقتصاديون التقليديون بمن في ذلك اليساريون.

وقد فرضت الطبقات الحاكمة هذه السيطرة الكاملة والمنفردة لرأس المال طوال الأزمة الطويلة السابقة وحتى عام 1945. ولكن الانتصار الثلاثي للديمقراطية والاشتراكية والتحرر الوطني للشعوب هو الذي أقام بدلاً من هذا النموذج المنفرد والمستقر لسيطرة رأس المال، نموذج التعايش غير المستقر لثلاثة نماذج اجتماعية مقننة هي: نظام دولة الرفاهية في بلدان الاشتراكية الديمقراطية في الغرب، والاشتراكية كما هي في الواقع في بلدان الشرق، والشعبوية الوطنية في بلدان الجنوب. وأدى فقدان الزخم، وانهيار هذه الأنظمة إلى العودة لنظام السيطرة المنفردة لرأس المال المسماة بالنيو لبرالية.

الميدان





تعليقات 2 | إهداء 0 | زيارات 971

خدمات المحتوى


التعليقات
#587807 [د. كادوس]
0.00/5 (0 صوت)

02-17-2013 05:47 PM
الراسمالية تمر بثلاثة مراحل هي :
1- الرسمالية الصغيرة
2- الراسمالية المتوسطة
3- الراسمالية الكبيرة

اعلى مراحل الراسمالية هي الامبريالية ، وتقوم الراسمالية على استلاب حق الاجير وتحقيق الربحية الاكبر من ظهر هذا العامل البائس


اليك اخي القاريء صور الراسمالية في امريكا واسرائيل وبريطانيا


#587536 [المتجهجه بسبب الانفصال]
0.00/5 (0 صوت)

02-17-2013 12:00 PM
الرأسمالية دون التوجهات الاقتصادية الاخرى لها القدرة على المرونة وتبني معايير جديدة اكثر براغماتية عن الاشتراكية البروليتارية لذا هي تجدد ذاتها وتتلقفها الشعوب في شكل ظاهرة احيانا فمثلا العولمة ما هي الا امتداد اصيل للرأسمالية ..الخ


د. سمير أمين
مساحة اعلانية




الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.
Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2022 alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة