المقالات
مكتبة كتاب المقالات والأعمدة
كمال الجزولي
من روائع الأدب العالمي: السمين النحيف: أنطون تشيخوف ..
من روائع الأدب العالمي: السمين النحيف: أنطون تشيخوف ..
05-30-2017 10:30 PM

من روائع الأدب العالمي: السمين النحيف: أنطون تشيخوف ..
ترجمها عن الروسية: كمال الجزولي
(الترجمة مهداة إلى روح عبد الرحيم أبو ذكرى)
من روائع الأدب العالمي: السمين النحيف: أنطون تشيخوف ..

+++++

في محطة سكة حديد نيكولاي، ودون سابق اتفاق، تقابل اثنان كانت تربط بينهما، في ما مضى، علاقة صداقة، أحدهما سمين والآخر نحيف. السمين كان قد تغدى، قبل قليل، في مطعم المحطة، فكانت شفتاه المغطاتان بالدُّهن تلمعان كما الكرز اليانع، ومن أعطافه تفوح كانت رائحة النبيذ ونكهة الحلوى. أما النحيف فقد نزل كان لتوِّه من عربة القطار، محمَّلاً بالشنط والصُّرر والكراتين، وكانت تفوح منه رائحة الزُّوادة البيتيَّة المكوَّنة من فخذ الخنزير المملح وثُفْل القهوة، ومن خلفه امرأة نحيفة، مستطيلة الذقن، زوجته، وتلميذ طويل القامة، ضيِّق العينين، ابنه.
ــ "مين؟! بورفيري"؟! هتف السمين لمرأى النحيف؛ "ما بصدق! ما بصدق! بالأحضان .. بالأحضان، عاش مين شافك يا أخي، يا الله .. يا الله"!
ــ "ميشا"؟! صاح النحيف مندهشاً؛ "صديق الطفولة؟! يا سلام .. من ياتو قمقم طلعت يا حبيب"؟!
وتعانقا ثلاثا شاخِصَين كلٌ نحو الآخر بعيون ترقرق في مآقيها الدمع، وهما مأخوذان بالمفاجأة السعيدة.
ــ "لا حولا .."! قال النحيف، متهللاً، بعد العناق؛ "ما بصدق! ما بصدق! لكين جنس مفاجأة! كدي كدي عايـن لي جـاي! إيه الحـلاوة دي كلهـا يا راجـل! والله ياكا ذاتك ميشا بتاع زمان أصلو ما اتغيَّرت! لسه سارح بدلالك! يا ود يا ود .. إيه القيافة دي كلها! أها بالله أحكي لي عامل كيف؟! غِنيت ولا عرَّست؟ أنا غايتو عرَّست زي ما انت شايف .. ودي زوجتي لويزا، اسم عائلتها فانتصينباخ .. بروتيستانتيه، وده ياسيدي ابني نافانايل .. تلميذ في سنة ثالثه .. يانافانيا .. تعال سلم، ده صديق طفولتي .. كنا في المدرسة سوا"!
نافانايل فكر برهة، ثم خلع قبعته.
ــ "كنا في المدرسة سوا"! واصل النحيف؛ "تتذكر كيف كنا بنغيظك؟! لقبناك بهيروستراتوس* لما حرقت دفتر الحضور والغياب بالسيجارة .. ها .. ها .. وأنا لقبونى بافيلاتوس لأنى كنت بحب القوالات .. ها .. ها .. يا سلام على أيام زمان يا أخي! دنيا! ما تخجل يانافانيا .. تعال قريب .. ودي يا سيدى زوجتي .. اسم عائلتها فانتصينباخ .. بروتيستانتية"!
فكر نافانايل برهة، ثم اختبأ خلف ظهر أبيه.
ــ "أها وكيف الأحوال بالله"؟! قاطع السمينُ النحيفَ وهو ينظر إليه مبتهجاً؛ "وين شغال دلوقت؟ ولا نزلت المعاش"؟!
ــ "أبداً .. في الخدمة لسه، محكم هيئة**، أدوني وسام ستانسلاف السنة الفاتت .. ماهيتهم تعبانة لكين يا زول الله في .. زوجتي دي بتدي كورسات خصوصية في الموسيقي .. وأنا بعد الشغل بعمل علب سجاير خشبية. علب تمام! ببيع الواحدة بروبل .. والبياخد من عشرة علب ولي فوق عنده تخفيض خاص .. أهو زي ما تقول جاي جاي بنمشي الحال، والرزق تلاقيط. كنت شغال في رئاسة الوزارة ودلوقت نقلوني هنا رئيس مكتب تبع القسم ذاته، فحأستقر هنا .. وأنت كيف؟ مستشار دولة أظنك يا خوي"؟!
ــ "يعني .. فوق شوية" .. أجاب السمين؛ "مستشار أمن .. عندي دلوقت دبورتين"!
فجأة .. شحب وجه النحيف، وامتقع لونه، وارتعدت أوصاله، وساخت مفاصله، وتجمد الدم في عروقه. لكنه غالب نفسه، فالتوى وجهه الذي بدا كما لو أن شرراً يتطاير منه بأعرض ابتسامة في الكون، وكذلك من رأسه الذي أخذ يشع بالسخونة. أما جسده فقد تقفَّع، وتحدَّب، وتضيَّق، وتجمَّع على بعضه. وأما شنطه وصرره وكراتينه فقد تكمَّشت، وتعوَّجت .. صار ذقن زوجته الطويل أطول .. وتمطط ابنه نافانايل إلى الأمام .. وتمدَّد وزرَّر جميع أزرار سترته المدرسية. ثم ما لبث أن صدر عن النحيف صوت هو إلى الفحيح أقرب:
ــ "أنا يا صاحـب الفخامـة .. في غاية الفخر والله .. إذا صحَّ التعبير يعني .. بصـديق .. صـديق طفولة .. كـونه .. يعني .. يصل ويبقى .. يعنى .. كده .. هئ هئ هئ .. وكـده"!
ــ "ياراجل"! برطم السمين مستنكراً؛ "إيه الكلام الفارغ البتقول فيهو ده؟! نحن بيناتنا صداقة عمر ياخي فإيه يعنى لزوم الرسميات دي كلها"!
ــ "أستغفر الله .. أستغفر الله .. ياسعادتك"! تمتم النحيف بحلق جاف وقد ازداد انكماشاً؛ "ده والله بس من تواضعكـم الجـم .. لكين برضـو العين ما بتعلا على الحاجـب .. والله اهتمامكم بي يا صاحب الفخامة .. يعنى نزل علي زي البلسم الشافي والله العظيم .. و .. يعنى .. لو سمحتم يا فخامتكم أقدم ليكم ابني نافانايل .. وزوجتي لويزا .. بروتيستانتية نوعاً ما"!
للوهلة الأولى بدا كما لو أن السمين أراد أن يعقب بشيء، لكن وجه النحيف، بما ارتسم عليه من أمارات التبجيل، والإجلال، والنشوة، والانكسار، والتوقير، جعله يشعر بالرغبة في القئ، فأشاح عنه بوجهه، بل بجسده كله، ومد له يده من الخلف يودعه! صافح النحيف ثلاثة أصابع فقط، وهو يحني جزعه حتى كاد يلامس الأرض بجبينه، ويمـوء بالتضـاحك كما الصيني "هئ هئ هئ"! أما زوجته فقد رسمت على شفتيها ابتسامة لزجة! وأما نافانايل فقد ضرب الأرض بقدمه حتى أسقط قبعته! وكان ثلاثتهم مأخوذين بالنشوة والرهبة معا!
+++
عام 1882م
* مُشْعِل حرائق إغريقي عاش في القرن الرابع قبل الميلاد.
** درجة في السلك الوظيفي أيام القيصرية الروسية.
***
image

كمال الجزولي
[email protected]





تعليقات 1 | إهداء 0 | زيارات 5837

خدمات المحتوى


التعليقات
#1650610 [العنقالي]
0.00/5 (0 صوت)

06-01-2017 12:51 PM
جميلة جدا الترجمة بالسوداني هههه
اول مرة قريناها ونحن اطفال في الثمانينات ،كانت دور النشر السوفيتية بتجيب ترجمات للادب الروسي ممتازة ، ذكريات الزمن الجميل
الجميل شكرا جزولي


كمال الجزولي
كمال الجزولي

مساحة اعلانية




الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.
Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2022 alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة