المقالات
السياسة
كونية الاسلام وخصوصية الدولة
كونية الاسلام وخصوصية الدولة
03-01-2018 10:19 AM


عندما نعجز عن توصيل رؤانا، فليس مردُ ذلك قصوراً في اسلوبنا التعبيري بقدر ما هو عشوائية دلالة "المصطلح والمفهوم" التي انتجتها عقلية الشعر الترادفية، أضف إلى ذلك أنه وبحسب علم اللغات، فإن المعني يبرز أولاً ثم تليه عملية انتاج اللفظ الدال عليه، بينما الوضع عندنا على عكس ذلك، فنحن نستورد الألفاظ ثم نخلق لها معاني تختلف باختلاف خلفياتنا الثقافية، حتى ينبتّ المصطلح والمفهوم من أساسه المعرفي.

لذلك تجد على سبيل المثال مفهوم "ديمقراطية"، المشكل أصلا في تعريفه، يتراح في ذهن المسلم بين الكفر الصُراح عند غلاة السلفية وبين تطابقه التام مع "الشورى" عند منتحلي صفة الاصلاح، وحتى مفهوم الشورى لم يضبط لذلك تجد معناه يتماهي (تعسفيا) مع المجال المستخدم فيه، وقس على ذلك بقية المصطلحات المستوردة "علمانية" و"إشتراكية" و "حداثة" و "دولة حديثة".

لتجاوز منزلق المفهوم نبدأ بتوضيح ما هو (إسلامي) وما المقصود منه لغايات هذا المقال، فكل ما هو إسلامي هو بالضرورة نتاج (إجتماعي) لفهم الناس لحقيقة (الإسلام) ومحاولة تنزيله على الواقع القائم أصلا (العُرف) وفق شروط (الفقيه) والتي تختلف ضرورة عن شروط فقهاء آخرين، وذلك لأن الاسلام رسالة "كونيِّة" متجاوزة لزمان (الفقيه) ومكانه، وأي محاولة للزعم بأن ما "نفهمه" من الاسلام هو "عين" الاسلام فهذا ضرب من ادعاء الألوهية (ما أريكم إلا ما أرى)، وسينتهي بوسم (الاسلام) بالتاريخانية (بأنه نتاج فترة تاريخية ومكانية محددة).
فالإسلام رسالة كونيِّة خاتمة للرسالات الإلهية، وكون أنها رسالة خاتمة فهذا يعني ضرورة انقطاع الوحي، وانقطاع الوحي يفضي حتماً لحقيقة احتواء القرآن على (مفاهيم عليا) جامعة مانعة تتجاوزأفهام الناس في إطلاقها وشمولها، ويستحيل على المجتمعات في أي لحظة تاريخية أن تتجاوزها لأفضل منها، وعلى الناس أن يقاربوا فهم القرآن وأن ينزلوا منه ما يتلائم مع طبيعة واقعهم وسُقُفهم وأدواتهم المعرفية.

لأننا ولخصاصة في معارفنا وعلومنا تعاملنا مع القرآن بوصفه "لائحة تنفيذية" يتم اعتمادها دون إعمال للعقل فصاحب العقل يشقى في النعيم بعقله، فكانت النتيجة أننا خرجنا بعدد كبير جداً من أنواع (الإسلام) وليس المفاهيم (الإسلامية النسبية) التي تعكس طبيعة وجودنا وعمق فهومنا، فحمل الجميع (إسلامه) على أسنة الرماح وبدأنا نتقاتل بلا حياء (فكري) من أجل السلطة في ظلال القرآن وكلنا يمني نفسه بجنات الرحمن.

لذلك من العسف وقلة الحيلة المعرفية أن يدعو البعض لإقامة دار (الإسلام) في مقابل دار الكفر، ذلك المفهوم الذي تم (نجره) من أجل الفتوح ومن ثم الخراج والقيان والإماء والعبيد، تلك المفاهيم التي أتى الإسلام لتطهير المجتمعات منها، فإن كنا نعذر من (نجروه) لأن ثقافة ذلك العصر هي ثقافة امبراطورية توسعية، ولم تكن ثقافة (دولة) بالمفهوم الذي يتبادر إلى أذهاننا اليوم، وهي (طور إنساني) يجب النظر إليه في إطاره التاريخي، فإننا لا نملك إلا أن نقف بشدة أمام دعاة "إمكان" نزع ذلك الواقع من تاريخه وإعادة انباته في حاضرنا فعودة التاريخ للوراء تصادم "كونيِّة" الإسلام.

لقد آن الأوان لاستيعاب أن مفهوم الدولة ليس نموذج موحَّد تتفق عليه الشعوب المختلفة، انما يستقي معناه من المجتمع الذي تقوم فيه هذه الدولة بالتحديد، بكل ما فيه من دين وتاريخ واساطير و وسائل الضبط والكبت وفلكولور شعبي وغناء وأحاجي وكل ما يندرج تحت مسمى (رأس المال الإجتماعي). فعلى كل دولة أن تبحث نموذجها في خلفيتها الفلسفية التي تقوم عليها وأن تستأنس بنجاحات الدول الأخرى "وأما الزبد فيذهب جفاء وأما ينفع الناس فيمكث في الأرض".

إذن ليس هنالك مفهوم متبلور جاهز للتطبيق لشكل الدولة في الإسلام، وهذا من أسس كونيِّة الاسلام المتجاوزة لكل ما هو محلي وتاريخي، وعلينا أن نعي أن كل ما كتب في (الحاكمية) إنما هو خطرات وتصورات أملتها نفسيات و واقع ومعارف من كتبوا فيها ولا تلزمنا لا من قريب ولا من بعيد سيما وأنها كُتبت لإقامة (جماعات) مسيطرة على المجتمعات دون النظر لواقع الشعوب وعبقرياتها، لذلك حدثت الصدامات الدامية التي شوشت على الناس وخلطت مفاهيم (الإسلامي النسبي) بالإسلام المطلق الذي جاء لخلق التعارف بين الشعوب والقبائل.

ما نحتاجه هو دولة تنظم العلاقات بين المجموعات والافراد حتى تصبح ممارسة الحرية ممكنة فيما يتعلق بممارسة معتقداتهم دون احتكاكات بين الفرق والمذاهب والطوائف والقبائل، مع إعلاء سلطة وقيمة الفرد فالعلم ينتج دائماً من المبادرات الفردية وهذه الفردية إن لم تجد الحماية اللازمة من الدولة فستحتويها سلطة الجماعة المناهضة لكل ما هو جديد.


[email protected]





تعليقات 1 | إهداء 0 | زيارات 460

خدمات المحتوى


التعليقات
#1747532 [ود يوسف]
0.00/5 (0 صوت)

03-01-2018 09:07 PM
أحسنت ...كلام موضوعي وعقلاني .. تجار الدين مقصدهم واضح ويجب أن يحاربوا بتوعية من يمارسون عليهم تجارة الدين ، أما من يسمون أنفسهم علماء الدين ( ومنهم بعض تجار الدين ) فهم إما متخلفون فكرياً أو خائفون من الحكام ...
الوعي الوعي هو طريق الخلاص ..
شكراً أستاذ صديق ...


صديق النعمة الطيب
صديق النعمة الطيب

مساحة اعلانية




الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.
Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2022 alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة