المقالات
مكتبة كتاب المقالات والأعمدة
بروف/ نبيل حامد حسن بشير
من الجيولوجيا والجغرافيا والتاريخ للحقيقة والتاريخ (8)
من الجيولوجيا والجغرافيا والتاريخ للحقيقة والتاريخ (8)
04-17-2018 05:28 AM

بسم الله الرحمن الرحيم

ذكرنا في المقالات السابقة ان العلوم الجيولوجية والجغرافية والتاريخ، قديمه وحديثه، ثم العلوم الوراثية والاحياء الجزيئية تستطيع ان تغير المفاهيم المقلوبة والتزييف الذي تعرض له تاريخ العالم ، خاصة تاريخ السودان القديم والحديث الذي نعتبره صاحب اقدم وارقى حضارة بشرية قبل وبعد نوح وطوفانه.
ناقشنا في الحلقة السابقة الخطوط العريضة لجيولوجيا وتاريخ النيل ، خاصة الجزء الشمالي منه الذي يمر بمصر، ونحاول أن نربط ذلك بتواجد الانسان بتلك المنطقة في تلك الأزمان اثناء تطور النيل منذ ميلاده حتى نضجه (النيل الحديث). تحدثنا في الحلقات السابقة عن العطبراوي والنيل الأزرق والسوباط، وهي أنهار الهضبة الأثيوبية والنيل النوبي. والآن نتحدث عن النيل في مصر ثم بعد ذلك الأنيال الأولى في مصر، ثم نهر ما قبل النيل (البرينيل)، والنيل الحديث (النيونيل)،..الخ.. كل تلك الفترات كان سكان وادي النيل يقيمون بارض السودان الحالية، ولم يعرف حتى ذلك الوقت ارض تسمى مصر (هبة النيل)، أو شعب يسمى بالمصريين!!!!
النيل في مصر
يجري النيل بين أسوان والبحر الأبيض المتوسط بإنحدار يتراوح بين متر واحد لكل 15 كم من المجرى عند منطقة قنا، إلى متر واحد لكل 11.4 كم عند منطقة بني سويف ،ويقطع النهر مجراه خلال هذه الرحلة في رواسبه التي بناها بنفسه وتكونت عاماً وراء آخر في واديه، وهي الرواسب التي إنقطع وصولها بعد بناء السد العالي، ويتفرع النهر إلى الشمال من القاهرة إلى فرعي دمياط ورشيد اللذين يشقان دلتا النهر في الوقت الحاضر. أما في الماضي فقد كان للدلتا عدد أكبر من الفروع كان أقصاها شرقاً (الفرع البيلوزي) الذي كان يصب إلى الشرق من (بورسعيد) في سيناء. كما كان أقصاها غرباً (الفرع الكانوبي) الذي كان يصب إلى الغرب من (الإسكندرية).
وكما سبق القول فإن نيل مصر - النوبة ينفرد من بين جميع الأنهار بأنه إستطاع أن يشق طريقه (عبر الصحراء الكبرى) لقرابة 2700 كم في أرض قاحلة دون أن تصله أية مياه.
إن تاريخ نيل مصر معقد وصعب البناء فهو ينبسط أساساً من معاينة مجارية القديمة وما تركته من مصاطب وسطوح. ففي إرتفاعها عن النهر الحديث، وفي طبيعة رواسبها وما تحتويه من حفريات أو أدوات صنعها الإنسان، فهم لمسار النهر القديم وأحواله والظروف التي تكونت فيها هذه الرواسب والمنابع التي جاءت منها. الجزء الأكبر من هذه الرواسب والسطوح التي تركها النهر تجرف بعد تكونها وتزال بالأمطار وعوامل التعرية الأخرى.. . وفي حالة نيل مصر فإن جزءاً كبيراً من رواسب النهر القديمة والمدفونة تح السطح قد أصبحت متاحة للدراسة بعد أن إخترقتها آلات الحفر التي إستخرجت الكثير من العينات من الآبار التي دقت بغرض البحث عن البترول أو بغرض إستخراج المياه الجوفية في الدلتا ووادي النيل.
ومن أكبر الصعوبات التي تقابلنا في محاولتنا حل أسرار تاريخ النيل هي عدم إستطاعتنا تأريخ رواسب النهر تأريخاً مطلقاً. لنعد قليلاً لكي ننظر في (التاريخ الجيولوجي لمصر) حتى تتكون لنا صورة واضحة عن شكلها قبل أن يصلها نهر النيل، كانت أرض مصر في ذلك الوقت (مغطاة ببحر كان قد جاءها من الشمال)، وأخذ يزحف عليها حتى بلغ أقصى حد له في الجنوب منذ حوالي 60 مليون سنة عندما (غطى مصر كلها)، و إمتد لكي يغطي جزءاً كبيراً من (شمال السودان). وبعد ذلك التاريخ بدأ البحر يتراجع بإنتظام حتى أصبح شاطئه على خط يمتد فيما بين (الفيوم وسيوة) منذ حوالي 30 مليون سنة. وبعد ذلك بعشرين مليون سنة أصبح شاطئ البحر قريباً من وضعه الحالي. وفي هذه الأثناء تكونت شبكة لتصريف مياه الأرض التي إنحسر عنها البحر نتيجة هذا التراجع وقد إنتهت أنهار كثيرة من أنهار هذه الشبكة في دلتاوات بقيت آثارها حتى الآن وهي مليئة ببقايا النباتات والحيوانات التي عاشت عليها أو جرفت إليها - من هذه الدلتاوات (دلتا الفيوم القديمة) التي جذبت الإهتمام لاحتوائها على بقايا حيوانات فريدة من بينها (أقدم القردة الإنسانية). وكذلك (دلتا واحة المغرة) بشرق منخفض القطارة.
قاع الدلتا لم يكن مستوياً عندما جاءها النيل وبدأ ترسيب أول الرواسب عليه. فقد كان القاع الذي يمثل الجزء (الشمالي) من الدلتا وحتى مدينة طنطا منخفضا ومغموراً (بمياه البحر) حتى بدء ترسيب أول الرواسب النهرية للنيل، بينما كان الجزء (الجنوبي) من الدلتا في ذلك الوقت مرتفعاً عن سطح البحر. كان الجزء الشمالي من الدلتا (خليجاً) تصله الرواسب البحرية وقت بدء نشأة النيل في الوقت الذي كان فيه الجزء الجنوبي هضبة عالية من الحجر الجيري المغطاة بطفوح بركانية سميكة من البازلت التي كانت قد بثتها براكين كثيرة قبل تاريخ بدء النيل بحوالي عشرة ملايين سنة. وكانت الحافة الشمالية لهضبة الدلتا الجنوبية شديدة الإنحدار تشكل جرفاً عالياً كان يطل على الخليج الشمالي من على إرتفاع لا يقل عن ألف متر.
وعندما بدأ النهر تاريخه فإنه كان يقطع مجراه ويعمقه في الكتلة الجنوبية العالية ويرسب ما كان يحمله من رواسب في الخليج الشمالي. ولذلك فإن أسمك وأكمل عمود للرواسب النيلية يوجد بالخليج الشمالي. ففي الوقت الذي كان فيه هذا الخليج يتلقى رواسب النهر كان مجرى النيل في الهضبة الجنوبية للدلتا وكذلك على طول إمتداده بمصر يتعمق ولم يكن يتلقى أي رواسب، وقد إستمر الحال كذلك في أطوار نشأة النهر ولم يبدأ الوادي والكتلة الجنوبية للدلتا في تلقي روسب النهر إلا بعد أن إمتلأ الخليج الشمالي بالرواسب، و إرتفع حتى أصبح بسواء كتلة الدلتا الجنوبية وشكل جزءاً من نهر سهل الإنحدار على طول مساره في الدلتا.
إن عمود رواسب النهر الذي يصل سمكه في الخليج الشمالي للدلتا إلى أكثر من 4 كم مكون من (وحدات) تختلف عن بعضها البعض في نسيجها وتركيبها. وقد ترسبت كل وحدة من هذه تحت ظروف خاصة بها تعكس التغيرات التي لابد أن النهر مر بها. وينقسم (عمود الرواسب) الموجودة بمجرى النيل ودلتاه إلى (خمس وحدات) ، مثلت كل وحدة منها رواسب نهر متميز من حيث هيدرولوجيته ومنابعه.
لقد مر النيل منذ نشأته (بخمسة أطوار) على الأقل، تغير في كل منها (شكله وكمية المياه) التي يحملها ومنابعه التي جاءته بالمياه. أما (الأطوار الثلاثة القديمة) فقد كانت منابع النهر فيها (محلية) تقع بمصر وبلاد النوبة. وفي (طور واحد) منها ربما إمتدت منابع النهر إلى داخل أفريقيا. أما (الطوران الأخيران) فقد إتصل نيل مصر فيهما بأفريقيا. وكان النهر عند بدء إتصاله بالمنابع الأفريقية (صاخباً) وحاملاً لكميات هائلة من المياه. كما كانت منابعه في أفريقيا( دائمة) ولم تنقطع طيلة عمره، ولكن سرعان ما راح هذا النهر الذي أسميناه (نهر ما قبل النيل) ليحل محله نهر آخر هو (النيل الحديث) الذي لم يكن إتصاله بمنابعه الأفريقية دائماً ومستمراً كالنهر الذي سبقه. كما كانت كمية المياه التي يحملها أقل بكثير.
وسنتناول في الفصول التالية مختلف هذه الأنهار التي شغلت مجرى النيل وكونت دلتاه. كذلك الأطوار التي مر بها الخانق حتى إمتلأ برواسب الأنهار التي جرت فيه. وهناك من الأدلة ما يرجح أن هذه الأنهار كانت ذات (منابع محلية)، وأنها لن تنشئ إتصالاً مع أفريقيا الإستوائية. وقد إستمرت هذه الفترة حوالي خمسة ملايين سنة وكانت نهايتها منذ مليونين من السنين من وقتنا الحالي.
كما سنصف في الحلقات القادمة ان شاء الله أول الأنهار ذات الإتصال بأفريقيا والتي جاءت إلى مصر منذ ما بين 800 ألف, 700 ألف سنة قبل الآن. وقد جاء إتصال بأفريقيا نتيجة التغيرات في تضاريس المرتفعات الأثيوبية وهضبة البحيرات وإقترابها من شكلها الحالي نتيجة الحركات الأرضية والطفوح البركانية المصاحبة للطور الأخير من عملية بناء الأخدود الأفريقي الكبير، وهي التي تسببت في نشأة بحيرتي تانا وفكتوريا، و(تحويل تصريف) مياه المرتفعات الأثيوبية ناحية النيل. وكان النهر الذي وصل إلى مصر نهراً هائلاً حمل رواسب ضخمة من الرمال التي بدأت (تترسب في وادي النيل بمصر) وساهمت في تشكيل تضاريس (لاندسكيب )مصر الحديثة الذي بدأ يتخذ شكله الحديث منذ ذلك الزمان. وسنصف ا فيما بعد النيل الحديث الذي شهد (ظهور الإنسان وتاريخه في مصر) وقد إمتد عمر النهر لحوالي 400 الف سنة، وكان إتصاله بأفريقيا ضعيفاً في عمومه ومتقطعاً. وقد تشكل نهر النيل الذي نعرفه الآن في الفترة الأخيرة بعد أن مر بأطوار كان فيها موسمياً ومتقطعاً ثم عاد ليصبح كما نعرفه جارياً على مدار السنة، وكان ذلك نتيجة (إزدياد الماء) الذي وصل النهر في أعقاب (تراجع الجليد) عن نصف الكرة الشمالي منذ حوالي 10الف سنة.

بروفيسور نبيل حامد حسن بشير
جامعة الجزيرة
[email protected]





تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 709

خدمات المحتوى


بروفيسور نبيل حامد حسن بشير
بروفيسور نبيل حامد حسن بشير

مساحة اعلانية




الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.
Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2022 alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة