المقالات
السياسة
"الإسقاط " و"التحامُل" على الحركة الشعبية، ومشروع السودان الجديد
"الإسقاط " و"التحامُل" على الحركة الشعبية، ومشروع السودان الجديد
05-07-2018 12:43 AM

"الإسقاط " و"التحامُل" على الحركة الشعبية، ومشروع السودان الجديد
(عبد المنعم سليمان) نموذجاً

أولاً :
لم نكن لنقتطع وقتاً ثميناً وغالياً للإلتفات لظاهرة (عبد المنعم سليمان) الصحفى بجريدة "حريات" الإليكترونية والمعروف بـ(بيجو)، ولم نكن لنهتم بما كتبه من بذاءات وإساءات يُطلقها دون إكتراث، لولا تماديهِ فى تكرار ذلك لأكثر من مرة. ونحن لن ننزلق فى الوحل الذى أوقع فيه نفسه ولم يستطيع الخروج بعد ذلك، سواء كان بالإعتذار أو على الأقل الكف عن هذا المسلك والمسار الذى إختاره لنفسه. فالرجل تعرَّض لصدمة وهزَّة نفسية عنيفة بعد أن أُغلِقت صحيفة "حريات" لأسباب ذكرها هو شخصياً فى منشور إستهدف به القُرَّاء، ولكنه لم يعرف بعد ذلك من هو عدوُّه، فتحوَّل مَن كان يُفترض إنه يدافع عنهم بقلمهِ بين ليلٍ وضحاه، إلى أعداء و (قطيع / سُذَّج / جهلة / أغبياء / أغنام / رُخُص / قطيع لم يتعلم سواء النباح / يشعرون بالدونية / .....إلخ). فلن نهبط بالطبع إلى مستوى خطابه ولغتهِ المُسيئة لنفسه أولاً، ولمن يُعبِّر عنهم من أشخاص يصطفّون خلفه، أو بالأحرى إصطفَّ هو خلفهم. فمن قبل رأينا كيف هاجم الدكتور/ حيدر إبراهيم على - وآخرون غيره - الحركة الشعبية ومشروع السودان الجديد ونعتوه بالفاشل. كما رأينا كيف "تحامَل" الدكتور/ عمر القراى على قيادة الحركة الشعبية وعضويتها التى قامت بالثورة التصحيحية فى مارس 2017. وما كتبه (بيجو) هو تكرار لما إختطّته يدا حيدر إبراهيم الذى إنتقد مشروع السودان الجديد وكأنَّه لا يعرف مضمونهِ ومحتواه، وبذلك يكونوا جميعاً قد وضعوا أنفسهم فى معسكر مُغاير يُمكِن تصنيفه بـ(السودان القديم) - أو على الأقل داعم للسودان القديم. وقبل أن ندلف إلى الحديث عن ما كتبه (بيجو) والآخرون من قبله، لا بد من تفكيك بعض المفاهيم حتى يتَّضِح للقارىء طبيعة هذه الظاهرة "المرضية".
مفهوم الإسقاط : Projection:
"الإسقاط" هو حيلة دفاعية ينسِب فيها الفرد عيوبه ورغباته المُحرَّمة والعدوانية للناس حتى يُبرِّىء نفسهِ ويبعد الشُبهات عنها، فالكاذب يتَّهِم مُعظم الناس بالكذب، والمرأة التي تحب جارها قد تتَّهِمه بمغازلتها. و"الإسقاط" قد يؤدى إلى عدوان مادي في صورة جرائم، فمثلاً الشخص الذي يحمل مشاعر عدوانية تجاه شخص آخر، قد يُسقِط هذه المشاعر عليه ويتصوَّر أنه يُكيد له ويتربَّص به لكى يؤذيه ومن ثم يُبادر بالهجوم والإعتداء عليه، وهكذا تدفع هذه الحيلة المُصابين إلى نسبة ما في أنفسهم إلى الناس والتعامل معهم على هذا الأساس، ومن ثم يقومون بأرتكاب جرائم فعلية.
ويقول عالم النفس ( سيجموند فرويد ) مؤسس منهج التحليل النفسي : (يُشير "الإسقاط" أولاً إلى حيلة لا شعورية من حِيَل دفاع "الأنا"، بمقتضاها ينسِب الشخص إلى غيره ميولاً وأفكاراً مُستمدة من خبرتهِ الذاتية، ويرفض الإعتراف بها لما تُسبَبه من ألم، وما تُثيره من مشاعر الذنب). فـ"الإسقاط" وفقاً لهذا التعريف هو وسيلة للكبت - أي أسلوب لإستبعاد العناصر النفسية المؤلمة عن حيز الشعور. ويضيف "فرويد" : (إن العناصر التي يتناولها "الإسقاط" يدركها الشخص ثانية بوصفها موضوعات خارجية مُنقطعة الصلة بالخبرة الذاتية الصادرة عنها أصلاً، فالإدراك الداخلي يلغى ويصل مضمونه إلى الشعور عِوضاً عنه في شكل إدراك صادر عن الخارج بعد أن يكون قد لحقه بعض التشويه).
إذاً "الإسقاط " آلية نفسية شائعة يعزو الشخص - بواسطتها أو عن طريقها - للآخرين أحاسيس وعواطف ومشاعر يكون قد كبتَها بداخلهِ. ونُلاحظ إن هناك العديد من الأمثلة في حياتنا اليومية نُعايشها وندرك من خلالها سلوك الآخرين، ومن أمثلة ذلك نشوء أوهام الإضطهاد من خلال الشعور بالذنب الذي يحمل الشخص على تخيُّل الآخرين وكأنهم يتكلمون عنه ويلقون بالإتهامات عليه. ويقول علماء النفس : إن الأفراد الذين يستخدمون "الإسقاط" هم أشخاص على درجة من السرعة في مُلاحظة وتجسيم السمات الشخصية التي يعتقدون بوجودها في الآخرين - أو يتمنون وجودها فى الآخرين - لموقفهم العدائى تجاههم، ولا يعترفون بوجودها في أنفسهم. ويظن الكثير من الناس إن هذه الإستراتيجية أو"الحِيلة الدفاعية" تُقلِّل من القلق الناتج عن مواجهة سِمات شخصية مُهدِّدة. وتظهر هنا مرة أخرى آلية القمع أو الكبت، حيث وجد علماء النفس إن الأفراد العدوانيين لا يدركون مدى شرَّههم، بل يلاحظون ذلك في الآخرين، وقد لا تكون هذه الصفات موجودة أصلاً فى الآخرين.
إن آلية "الإسقاط" هي آلية نفسية لا شعورية بصورة بحتة، وهي عملية هجوم لاشعوري يحمي الفرد بها نفسه بإلصاق عيوبه، ونقائصه، ورغباته المُحرَّمة أو المُستهجنة، بالآخرين. كما إنها عملية لوم الآخرين على ما فشل هو فيه. ويقول علماء النفس : إذا ما قارنَّا "الإسقاط" بـ"التبرير" - Justification - وكلاهما حيَل دفاعية يلجأ إليها الفرد - فإننا نجد إن "الإسقاط" عملية دفاع ضد الآخرين في الخارج، أما "التبرير" - فهي عملية كذب على النفس. ويُضيف علماء النفس إن "الإسقاط" إذا كان قائماً على شعور عنيف بالذنب، فإن ذلك يؤدِّى إلى حالة إضطراب "البرانويا"، أو ما يصاحبه من هذاءات وهلاوس. ويعتقد الشخص المُصاب إن جميع الناس ضده ويريدون أن ينالوا منه، وهي مشاعر إسقاطية لا أساس لها في الواقع. فـ"الإسقاط" فى نظرية التحليل النفسى كما ذكرنا آلية دفاعية لا شعورية ينسِب فيه الفرد دوافعه، وأفكاره، وأفعاله، المشحونة بالخوف، أو غير المقبولة منه إلى أشخاص آخرين، أو إلى صورة من نسج خيالهِ الفردى، أو مُستمدَّة من (المُتخيَّل الجماعى) وذلك تهرُّباً منه من الإعتراف بها، أو تخفيفاً من حِدة ما يُمكن أن يشعر به من ألم، أو توتر، أو إدانة ذاتية.
وعليه فإن ما دفع (بيجو) للإعتقاد بإن بعض أعضاء الحركة الشعبية / شمال - حصرهم فى النوبة - مسرورين بتوقُّف صحيفة "حريات"، يعود إلى موقفه هو منهم، ولذلك فهو يعتقد إنهم يبادلونه هذا الشعور العدوانى. أنا شخصياً رفض (بيجو) أن ينشر لى مقالاً كنت أردُّ فيه على شخص كتب ضدى مقالاً ونشره فى "حريات"، وعندما كتبت ردى وأرسلته إليه لنشره، رفض ذلك فى موقف غير مِهنى على الإطلاق، ومنذ ذلك الوقت (2012) لم أُراسل الصحيفة مرة أخرى. ولكن برغم ذلك لم نكن مسرورين بإغلاقها لكون إنه بإغلاق الصحيفة، نكون قد فقدنا إحدى المنابر الهامة المُعارضة للنظام، مهما كان مواقفها تجاه البعض، ومهما كانت سياساتها التحريرية.

التحامُل : Prejudice :
يُعتبر (تاسيتس – Tacitus) هو أول من إستخدم هذا التعبير برغم من إنه نفسه كان مُتحاملاً على الساميين. و"التحامُل" لا يكون إلا نتيجة لـ"التلقين" أو التجربة، كما يجب أن نُفرِّق بين مدلول هذين اللفظين وبين التفرُقة، وهى الأثر (العملى) لكره الآخر والتحامُل. أما "التلقين" فهو أهم كثيراً من التجربة فى تكوين "التحامُل" – فمثلاً لو إن إنساناً لحقه مكروه من بعض أفراد جماعة ما، فلن يكون لديه تحامُل ضد جميع أفراد هذه الجماعة ما لم يؤكِّد إن ما لحقه، لحق آخرين غيره عن طريق التلقين. وهذا التلقين على درجة من الشيوع فى الحياة بحيث تجعل من المستحيل على الإنسان أن يحيا دون بغض أو تحامُل. ويعرف ألبرت Allport التحامُل - Prejudice بإنه : (الموقف الذى يقفه الإنسان نحو إنسان آخر ينتمى إلى جماعة ما بسبب إنتمائه إلى تلك الجماعة). وهو يفترض بهذا التعريف إن التحامُل لا يستند إلى أساس. وفى إعتقادى إن لسوء الظن "أساساً" يستند إليه مهما كان واهياً، فلذلك أنا أُفضِّل تعريف اللفظ بإنه : (الرأى الذى يستند إلى مفاهيم خاطئة سواء أكانت النتيجة النهائية لهذا الرأى طيبة أم غير طيبة). وبهذا يشتمل التحامُل شيئاً من التحضير أو شيئاً من الإهتمام بهدف ما ينظر إليه من خلال منظار ملوَّن وينطبق على هذا الموقف وعلى كل تحامُل مُشابه المثل الذى يقول : (العين الصفراء ترى كل شىء أصفر). ولا يزال أمامنا صورتان يجب أن تُذكر بجانب التحامُل والتمييز – الأولى : وصم النوع - Stereotyping - وهى تتضمَّن نسبة بعض الخصائص لكل فرد فى جماعة بعينها مثل وصف (بيجو) لإثنية النوبة بـ(القطيع) بقوله (قطيع جبال النوبة) والقطيع بالطبع يُقصَد به الإنسياق وراء شخص أو أشخاص دون دراية بالهدف الذى يودون الوصول إليه. ولا نريد أن نُعلِّق على هذا لأن أعضاء الحركة الشعبية يعرفون جيّداً الهدف النهائى الذى يجب تحقيقه، إلاَّ لما قاموا بالثورة التصحيحية، ولكان قد إنساقوا وراء القيادة السابقة (عقار – عرمان) وسلَّموا أنفسهم لعمر البشير.
والصورة الثانية : يسميها ألبرت الدمغ – Labelling : وليس "الدمغ" فى قوة "الوصم" ولكنه يصبح ذا تأثير إذا ما وُصِمت كل الجماعة، مثل أن تقول : (كل السودانيين فاشلين)، والدمغ يشمل أسوأ جوانب التحامُل والتمييز، وهو ينشأ غالباً من (الجهل)، أو من الأحكام التى لا تستند إلى أُسس سليمة.
فشل نموذج جنوب السودان :
ذكر (بيجو) فى إحدى منشوراته إن مشروع السودان الجديد (فشل جنوباً وتحوَّل إلى إبادة جماعية لم تشهد القارة مثلها فى كل تاريخها ...). فهذا هو "الإسقاط" بعينه .. إذا إفترضنا إن (بيجو) سودانى الجنسية ويتحدَّث عن دولة أخرى فاشلة (جنوب السودان)، فإعتقد إن سجل السودان فى مجال حقوق الإنسان لا يمكن مقارنتهِ بدولة الجنوب خصوصاً إذا تحدَّثنا عن الإبادة الجماعية، فحتى الآن لم يتم إدانة جنوب السودان أو رموزه دولياً مثلما حدث فى السودان، ولم تطلبهم محكمة الجنايات الدولية للمثول أمامها، وهذا لا يُمكن مقارنته بالإنتهاكات التى حدثت فى دارفور مثلاً والإبادة الجماعية وعدد الضحايا الذى بلغ أكثر من (500,000) حسب المنظمات الدولية، و(10,000) حسب عمر البشير، وهو الآن مطلوب فى (لاهاى) لإرتكابه ثلاثة جرائم خطيرة (جرائم حرب – جرائم ضد الإنسانية – إبادة جماعية) هذا بالإضافة إلى جرائم النظام الأخرى : (جنوب السودان قبل الإنفصال / جبال النوبة / النيل الأزرق/ أمرى وكجبار/ بورتسودان / الجزيرة / الخرطوم / الجامعات / ..... ألخ)، وبحسب جميع المنظمات الدولية فإن ما حدث فى دارفور وحدها لم تشهد القارة له مثيل من مذابح وإنتهاكات سوى مذابح رواندا، ولا زالت الحكومة السودانية تشنُّ حرب إبادة جماعية - بطرق مُختلفة - وفى مناطق عديدة فى ما تبقَّى من البلاد. فبالتالى ما قام به (بيجو) هو إنه أخذ حالة "السودان" وأسقطها على "جنوب السودان" برغم إن الدولة السودانية وفشل نُخبها، هو ما أوصل البلاد (جنوباً وشمالاً) إلى ما هو عليه الآن من ظروف وأوضاع.
أما مشروع السودان الجديد وفشله، فهذا يقودنا إلى مفهوم السودان الجديد نفسه، وما يعنيه، وماهية مرتكزاته الفكرية والفلسفية. وإعتقد إنه معلوم للجميع بما فيهم (بيجو)، وحيدر إبراهيم، وغيرهم. ولا تُستبعد هنا فرضية إن نقد المشروع والأطروحة، مرتبطٌ بصورة كبيرة بالموقف مِن مَن يتبناها، وينادى بها. وهذه مُغالطة منطقية أخرى تُسمَّى المُغالطة الجينية – Genetic Fallacy – وتُرتكب هذه المُغالطة برفض أو قبول فكرة ما، إستناداً على مصدرها. وربما تطرَّقنا لمثل هذه الموضوعات فى مناسبات أخرى لاحقاً.
نموذج (روبرت موغابى – و أسياس أفورقى) :
لم يكتفى (بيجو) بنقدهِ للحركة الشعبية كتنظيم، وللسودان الجديد كأطروحة فكرية ومشروع سياسى، بل إنخرط فى التقليل من شأن رئيس الحركة الشعبية لتحرير السودان – شمال الفريق/ عبد العزيز آدم الحلو – ووصفه بـ(متواضع القدرات الشخصية والسياسية)، برغم من إنه كان قد مدحه من قبل واصفاً أياه بـ(البطل المناضل).. و.. (..فارس هذا الزمان الوحيد وسواك .. المسوخ ..). وأردف قائلاً : (وإذ يتضاءل حجمى أمامه خارج الصورة حقيقة ومجازاً .. وهو يقف موقف الرجال الرجال – الأبطال الأبطال – الكبار الكبار..). ووصف بيجو نفسه قائلاً : (.. لا زلنا صغاراً صغاراً، حجماً وموقفاً .. ليس لنا سوى غيظنا الذى يتشكَّى الظمأ .. ) وواصل قائلاً : (أهديه .. أهدى هذا البطل المغوار أبياتاً من نشيد أمل دنقل ..). وبرغم من إن (بيجو) حاول أن يفصِل بين ما كتبه مادحاً (الحلو)، وما كتبه مُنتقداً ومُقلِلاً من شأنه فى مُغالطة - Fallacy تُثير الإشفاق - فنحن لا ندرى أين ومتى تعامل (بيجو) مع رئيس الحركة الشعبية حتى يُحدِّد قدراتهِ سوا كانت شخصية أم سياسية ؟، وبأى معايير تم تصنيف هذه القدرات ؟، وهل يقصد بـ(القدرات الشخصية) المهارات الإدارية، والتنظيمية، والسياسية .. أم ماذا ؟. فإذا كان (الحلو) قائداً مغواراً وبطلاً (على حد وصف "بيجو") قاد طيلة هذه الفترة جيشاً منظماً ومنضبطاً إستطاع أن يُلحِق بالحكومة هزائم كبيرة مُحافظاً على رقعة جغرافية تساوى دولاً بأكملها، ويقطنها عدد من السكان يعادلون سكان بعض الدول – إذ كان قد إستطاع أن يُحافظ عليها كمناطق مُحرَرة، فضلاً عن دوره الكبير فى بناء وتأسيس الحركة الشعبية، والجيش الشعبى لتحرير السودان SPLM/A وتحقيق الإنتصارات، والعمل فى عدة جبهات قتالية منذ الحرب الأولى (1985 – 2005) إلى أن أُطلق عليهِ (رجل المهام الصعبة) - فهذا دليل على إمتلاكه لقدرات سياسية، إدارية، وتنظيمية، وعسكرية هائلة. وحتى القُدرات العسكرية التى حاول (بيجو) اللجوء إليها فى تبرير مدحه لـ(الحلو) وتجريدهِ من بقية القُدرات، فإن هذه القدرات العسكرية نفسها تحتاج إلى (ذكاء، وحنكة، وتخطيط، وتكتيك) وليست المسألة مجرد (عضلات). فالحرب الحديثة تحتاج لقائد يمتلك قدراً كبيراً من الذكاء، والمهارات، والتكتيك، وقدرات سياسية تُربك الخصوم، وتجعل الأهداف واضحة. ولأن (بيجو) لا يعرف عن (الحلو) شيئاً سوى الصورة التى إلتقطها معه كما قال فى (خريف 2012). و (تضاءل حجمه أمامه فى تلك الصورة..).. فهل كان ذلك لأنه فقط (فارس مغوار ورجل حرب .. ؟) وهل يستحق ذلك كل هذا المدح والتمجيد..؟!!. لقد ذكر "بيجو" إن "الحلو" يقف (موقف الكبار)، وفى إعتقادى إن موقفهِ هذا هو موقف سياسى جعلهُ يكون كبيراً وسط أقرانهِ وأمام خصومهِ السياسيين، ولا نريد أن نفسِّر ما ذهب إليه (بيجو) فهو يمكن أن يُفسِّر بنفسه ما كان يقصده، ولكننا نعتقد إن (الحلو) عبارة عن كتاب مفتوح للجميع يمكن قراءته، أما هو فقد إختار لنفسه دائماً أن يكون كبيراً بسلوكه، وأفعاله، ومواقفه، ولا شك فى ذلك.
أما مسألة مقارنتهِ بالرئيس الأسبق (روبرت موغابى) والرئيس الأرترى (أسياس أفورقى) وإن هؤلاء (تحوَّلوا إلى ديكتاتوريات، وجعلوا من بلادهم سجون كبيرة، حتى أصبحت مُستنقعات للجهل والفقر والمرض، فحلَّت عليهم لعنة الناس أجمعين، وصاروا نسياً منسيا ..) – فهذه أحكام جزافية مُسبقة تقع فى خانة الوصم – Stereotyping، و الدمغ – Labelling بإعتبار إنهم "أفارقة" - وقادة ثوريين تحرُّريين، ومُقاتلين أشداء قادوا شعوبهم إلى الحرية والإستقلال - فكما فشلوا هم، فسيكون مصير القائد (الحلو) أيضاً الفشل - فكأنَّ (بيجو) يريد أن يقول :
- كل القادة الأفارقة فاشلون
- وبما إن عبد العزيز الحلو قائد أفريقى
- إذاً فإنه سيكون فاشلاً وديكتاتوراً.
وفى علم المنطق يُمثل هذا الحكم المُسبق – Prejudice مُغالطة منطقية إرتكزت على طرح مقدمات خاطئة بالتعميم المُخِل، فقادت هذه المُقدمات إلى إستنتاج خاطىء. وهذه صورة نمطية يعمل الغرب على نحتها فى أذهان الأفارقة، وإعتقد إن على (بيجو) الإطلاع على دراسات ما بعد الإستعمار Post-colonial theories . والجميع يعرفون (الحلو) وموقفه من السلطة وزهده فى هذا الشأن، وإنه تحت أى لحظة يمكن أن يترك السلطة لغيره إذا رأى فى ذلك ضرورة. والتاريخ يشهد على ذلك، وهذا لا يحتاج إلى برهان أو جدال.
أما فى وصفه للنوبة بإنهم يشعرون بالدونية فهذا "إسقاط" لحالته هو على الآخرين ودمغ – Labelling لا يستند إلى حُجة منطقية، فقد إعتمد فى هذا الحكم على وضعية النوبة فى السودان مُفترضاً :
- بما إنهم مُضطهدين ويعانون من القمع، والقهر، والتهميش،
- فإذاً هم يشعرون دوماً بالدونية،
- إن جميع مواقفهم مهما كان شكلها، فلا يمكن تفسيرها إلا من زاوية هذا الشعور ..!!.
وفى الواقع (بيجو) هو الذى يُعانى من هذا الشعور الذى وضَّحه هو بوصف حالته أمام (الحلو) لحظة إلتقاط تلك الصورة "فى خريف 2012" : (صغاراً صغاراً .. حجماً وموقفاً).

المراجع :
1/ فرويد؛ مستقبل وهم - Future of an elusion.
2/ Copi, Erving M.: Introduction to Logic, 2nd ed,
3/ ر.د.ج . سيمونز؛ لون البشرة وأثره فى العلاقات الإنسانية - ترجمة : على عزت – المركز القومى للترجمة – القاهرة 2009.
4/ الشبكة العنكبوتية.


[email protected]





تعليقات 1 | إهداء 0 | زيارات 710

خدمات المحتوى


التعليقات
#1770161 [Kummy]
0.00/5 (0 صوت)

05-07-2018 05:44 PM
مقالة نفسية سياسية تحليلية أسلوب جديد مميز...جميل


عادل شالوكا
عادل شالوكا

مساحة اعلانية




الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.
Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2022 alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة