المقالات
السياسة
مخاض البارادايم الجديد.. ما بين رؤية النور حمد وطرح السر سيد أحمد (1)
مخاض البارادايم الجديد.. ما بين رؤية النور حمد وطرح السر سيد أحمد (1)
06-20-2018 10:41 AM

في حياة الأمم وتاريخ الدول محطات مفصلية فارقة تمثل نهاية مرحلة وبداية أخرى، فالحياة تمضي ولا تتوقف ولكنها تتبدل وتتغير من حين لآخر وهذه احدى سنن الحياة. نحن في السودان نمر حاليا بمحطة تاريخية في مسيرة الدولة السودانية مابعد الاستقلال، وفي هذه المرحلة تعيش البلاد لحظات مخاض عسير لبداية جديدة أو لنهاية أكيدة لا نعلم قطعيا أيهما أقرب حتى الآن.

فبعد توقيع اتفاق سلام تاريخي بين المتقاتلين في شمال وجنوب السودان في العام 2005، تم تتويج تنفيذ الاتفاق، بعد مضي ست سنوات حسوما مثلت الفترة الانتقالية للاتفاقية، باعلان انشطار السودان الى دولتين منفصلتين ، ومنذ ذلك الوقت وحتى الآن لم تشهد الأوضاع في كلا الدولتين غير التدهور المستمر و المتسارع حتى انزلق الجنوب في أتون حرب أهلية أشد ضراوة مما كانت عليه في أي وقت مضى شردت أغلب سكانه ومزقت وحدة الدولة الوليدة و بات الوضع هناك شبه ميؤوس منه. أما في الشمال فلم يكن الحال بأحسن كثيرا مما هو عليه في الجنوب، فعلى الرغم من أن الحروب الأهلية الأخري في أطراف البلاد خفت حدتها نوعا ما إلا أنها لم يخمد أوارها بعد، أما أزمة الاقتصاد الخانقة والممسكة بتلابيب البلاد فقد بلغت شأوا بعيدا في السوء لم تبلغه من قبل حتى شارفت الدولة على الإفلاس والإنهيار التام. فالمحصلة النهائية لكل ذلك تقول أن هنالك دولة منهارة فعليا في الجنوب، بينما تقف الدولة في الشمال حاليا على حافة الانهيار.

في ظل هذا الوضع لا يستطيع أحد التنبؤ بما ستؤول إليه الأمور ولكن لنا أن نعلم بأننا نقف أمام مفترق طرق، وأن بين أيدينا خيارين لا ثالث لها، فإما أن نحاول التأثير على مجريات الأحداث لنشق طريقنا الذي نختاره أو أن نترك الأحداث لتؤثر هي علينا ونتركها لتحدد مسارنا. وكما قال أحد أعظم الرؤساء الأمريكيين وأطولهم حكما على الاطلاق فرانكلين روزفلت " الناس ليسوا بأسرى لمصائرهم، لكنهم أسرى عقولهم وأفكارهم ". ولا غرو أن الرجل صنع أكبر نجاح إقتصادي للولايات المتحدة بقيادته لبلاده للخروج من أسوأ أزمة إقتصادية في التاريخ الحديث هي الكساد العظيم الذي ضرب العالم في ثلاثينيات القرن الماضي، وأسس لنهضة الولايات المتحدة الحديثة بصنعه لأضخم مشروع اقتصادي متعدد الأوجه سُمِّى "الصفقة الجديدة"، وحقق أعظم إنتصار عسكري واستراتيجي للولايات المتحدة بقيادته للحلفاء للانتصار بالحرب العالمية الثانية فكان بذلك من أكبر وأعظم الساسة الذين امتد تأثيرهم إلى يوم الناس هذا.

ومن حسن الحظ أنه وبينما نحن في خضم هذه المرحلة العصيبة من تاريخ البلاد، إلا أننا لازلنا نحظى بالعديد من القامات السودانية والتي وإن كانت خارج دائرة صنع القرار في البلاد إلا أنها ظلت تسعى بكل ما أوتيت للتأثير إيجابيا على مجريات الأمور بفك أسار العقول وببث الوعي وبتبصير الناس بما يصلح شأنهم العام وتحذيرهم مما يفسده. ومن تلك القامات يأتي الكاتب الجهبذ الأستاذ السر سيد أحمد والمُفكّر المستنير الدكتور النور حمد. فالسودان في ظل هذه المرحلة أحوج إلى مايكون إلى العقول الراجحة و الآراء السديدة والابتكارات الجديدة والأفكار النيّرة، والجهود المتضافرة إذا أردنا تجاوز هذه المرحلة إلى بر الأمان.

في معرض تعضيده لآراء الأستاذ السّر سيد أحمد الواردة بسلسلة المقالات المعنونة بـ"مراجعات في المشهد العام" وتعقيبا على ما طرحه الأستاذ السّر، خرج علينا الدكتور النور برؤية جديدة في بحر السياسة السودانية اللّجِّي المضطرب أسماها "البرادايم الجديد". سأسعى بمشيئه الله تعالى في بضعة مقالات متوالية الى الوقوف عند هذه الرؤية الجديدة والتأمل فيها مليّا محاولا سبر أغوارها والبناء عليها علّنا نتَلمُّس بها بدايات طريق قد يقودنا في آخره لمخرج من هذا النفق المظلم الذي لازلت بلادنا تتخبط فيه، ولنبدأ برفع دولتنا من مهاوي دركها السحيق الذي مافتئت تتردى فيه منذ الاستقلال وإلى الآن.

في المقالات الأخيرة للنور حمد، تحدث الدكتور عن الوضع الحالي المتأزم للسودان وعن وصول أزمة الدولة السودانية الى نهاياتها الحتمية ، ولقد أشار في سلسلة مقالات ضافية ووافية إلى بعض سبل الحل التي عضد فيها رؤية الأستاذ السر سيد أحمد لخوض الانتخابات القادمة كوسيلة لبدء تغيير النظام الحالي. ولقد شخّصت رؤية د.النور عِلّة السودان منذ الاستقلال في سيادة منوال "البارادايم القديم" الذي ظل يصبغ بنمطه الكالح العقيم كل أنظمة الحكم المتعاقبة في السودان منذ الاستقلال والى الآن، و لقد أوضح الدكتور سمات هذا البارادايم في سلسلة من المقالات بتحليل دقيق للوقائع وتتبع تاريخي للأحداث واستنتاج منطقي للمآلات أبانت عقم هذا البارادايم ومكامن خلله ومظاهر فشله ، حتى وصوله بالدولة إلى النهايات الحتمية تماما كما المرض العضال الذي يفتك بالجسم ويُسَرّع من نهاية الجسم والجرثومة في آن معا.

لقد بات من الواضح للعيان الآن أن منوال البرادايم القديم يدفع الدولة للإنهيار بسرعة أكبر من أي وقت مضى، وللأسف لا يبدو أن للنظام القائم الآن رغبة في الاعتراف بحدوث الإنهيار أو قدرة على إيقافه. فالحكومة فاقدة للسيطرة بصورة شبه كاملة، والنظام السياسي بأكمله في حالة انحلال وسيولة، وكل مؤشرات الدولة تشير إلى أنها في حالة سقوط حر وبات الأمر يحتاج إلى تدخل عاجل بمعالجة جذرية اذا أردنا استنقاذ البلاد من حالة "الإنقاذ" الحرجة التي تعانيها. إن الأوقات الحرجة تحتاج تدابير صارمة جذرية ومعالجة فورية، وعليه فإن خيار التغيير بواسطة الانتخابات يمثل حاليا الخيار المناسب في الزمان الغير مناسب، فهو قد يكون الخيار الأمثل والأفضل للحل ولكنه يحتاج إلى تهيئة ظروف ملائمة مما لا يتوفر حاليا ، فطريق الانتخابات الغير معبد يحتاج قدرا معقولا من الاستقرار في البلاد والمرونة في النظام السياسي وهما من أهم الشروط الغير متوفرة. وفي ظل الظروف الحالية الغير مواتية لا أظننا نملك رفاهية اختبار هذا الخيار، وستظل الجدوى الفعلية لهذا الخيار رهنا للظروف.

من جانب آخر علينا أن نتحلى بالواقعية والموضوعية إزاء ما يمكن توقعه من النظام الحالي فمن الصعب ان لم يكن من المستحيل تصور قيادة قادة النظام الحالي لوضع انتقالي لتفكيك نظام حكمهم إلا في حال احتفاظ القوى المعارضة بتأثير قوي عليهم“leverage” لإجبارهم على ذلك وذلك مما لا يتوفر حاليا، وكل قرائن الأحوال تشير إلى أنهم وشبكات الفساد من حولهم والعملاء من بينهم لن يسمحوا بتفكيك هذا الحكم سلميا ولو حُطِّم البلد وقُتًّل الشعب ولنا في ماجرى في سبتمبر 2013 وماقبلها وما بعدها عظة وعبرة. فحال الطغاة في كل زمان و مكان أنهم لا يستجيبون إلا لشيئين اثنين لا ثالث لهما هما ضغط القوة و إغراء المصلحة، الخاصة لا العامة طبعا.

وعليه لا يمكن ان يُعوَّل عليهم أو يٌرجى منهم إعتبار لوضع دولة أو حال بلد لأنهم ببساطة لايعنيهم بقاء الدولة من عدمها بعد خروجهم من حكمها ولنا عبرة كبرى في انفصال جنوب السودان على أيديهم وبسبب ممارساتهم، وعلينا أن لاننسى مطلقا أن ذلك الانفصال كان وبالا شاملا على البلدين وسببا أساسيا في دفعهما الى الإنهيار الحاصل الآن، والذي ربما كان يمكن تلافيه، أي الانفصال، لو أن النظام الحالي أبدى استعداداْ للتضحية والتنازل عن الحكم في سبيل وحدة الوطن ولكن هيهات للوطن ذلك فليس للوطن كينونة عندهم من غيرهم. فمخاطبة أهل النظام وهذا حالهم لم تجدي يوما ولن تجدي الآن ولا تصح الا من باب الإعذار بالانذار، كإنذار الرسل للكفار. فلن يخلّصنا النظام القائم من براثن البرادايم القديم ويسعى للإصلاح المنشود لأنه سيسعى بذلك، مدركا و واعيا، إلى حتفه بظلفه.

من ناحية أخرى، لعلّنا لا نختلف إذا قلنا أن المشكلة الحقيقية لا تكمن أبدا في انهيار البارادايم القديم في حد ذاته، فهو جدير بالإنهيار لعقمه وفشله وفساده. ولكن المشكلة الحقيقة قد تحدث حال انهيار الدولة واستمرار نمط البارادايم القديم في التحوُّر والبقاء، فهو إن سقط في نظر العقلاء وبان عقمه وتلفه بانهيار دولته ، فإنه سيبقى ديدنا لتعاملات وممارسات الانتهازيين الأنانيين قصيري النظر لما يرون فيه من منافع لهم وخدمة لأغراضهم سواء في حال وجود الدولة أو عدمها وما أكثر هؤلاء. وفي هذا الصدد علينا أن نستصحب معنا أيضا أن هنالك بعض الأطراف داخل الحكومة والمعارضة على السواء لايهمهم ولايعنيهم انهيار الدولة من الأساس ، فهم لا يُخوًّفون بذلك ولا يرون جدوى لدولة لا يمسكون بأزِمَّتها، بل إن انهيار الدولة قد يمثل للبعض منهم فرصة لبعثرة الأوراق وسانحة للافلات من العقاب وللهروب بالغنائم واستلاب الأسلاب ، كما ويمثل للبعض الآخر منهم، وبالإضافة إلى بعض القوى الخارجية، هدفا وفرصة ظلّوا يتوقون إليها ويعملون من أجلها ويبنون عليها أمانيّهم السياسية البائسة.

فالخلاصة أن الدولة القائمة على أساسات البارادايم القديم باتت تتداعى وتتضعضع أساساتها الفاسدة منذرة بانهيار وشيك، ولا يملك أحد القدرة على وقف او تلافي او حتى استبطاء انهيارها مالم يُعدًّل المسار بقوة وبسرعة. ويقيننا التام أنه في حال انهيار الدولة والحال على ماهو عليه فإنها ستنهار على رؤوس الجميع بكل ما تحمل الكلمة من معنى. ولا نحتاج الى أن نعدد ماسيترتب على ذلك من تبعات وخيمة فنحن نشاهد حلقات هذا المسلسل يوميا على شاشات التلفاز وفي نشرات الأخبار، ومنذ سنوات عديدة، عن دول لا تبعد عنا الكثير.

وإذا كان الحال كذلك علينا أن ندرك الآن أن المشكلة كل المشكلة تكمن في غياب بارادايم بديل مُجمَع عليه، مُستَدام وفعّال يحل محل البارادايم القديم العقيم ويحفظ دولتنا ويناسب ظروفنا ويستجيب لتطلعاتنا ويخدم قضايانا ونحل عبره مشاكلنا المعقدة. يجب علينا البحث عن معادلة جديدة تخلّص البلاد من ربقة البارادايم القديم وتبقي على أساس دولة تحفظ الأمن والنظام العام وتسير الأحوال وفي اعتقادي أن تلك المعادلة لا يمكن أن تتحقق بدون ادخال عنصر البارادايم الجديد للحكم عليها أولا فمعادلات الطبيعة لا تقبل الفراغ. فعلينا أن نسعى لإصلاح الدولة برسم ملامح لبارادايم جديد أولا، وثانيا علينا أن نسعى لفك الارتباط ما بين الدولة والبارادايم القديم، ثم ثالثا علينا العودة بالدولة الى منصة التأسيس عبر الباراديام الجديد لإعادة بناء الدولة على أسس جديدة عِمادُها الديمقراطية والحرية والمساواة وقيم العمل المشترك والعدل وسيادة حكم القانون.

والآن.. وبعد كل ما ذكر، وإذا سلّمنا أن النظام بشكله الحالي غير مؤهل أو غير راغب أو غير قادر على قيادة التغيير. وإذا أقررنا بأن الدولة بوضعها الحالي باتت تقف بنا على حافة الإنهيار، وإذا شهدنا بأن منوال ونمط حكم "البارارديم القديم" الذي ظل يتبعه ساسة الدولة منذ الاستقلال والى الآن قد أفضى إلى نهاياته وبان عقمه وفشله وتلفه لمن يَرى، وبأننا صرنا في أمَسّ الحوجة إلى تكويين بارادايم جديد وبديل، فكيف السبيل بنا إلى ذلك؟ من أين نبدأ وإلى ماذا نريد أن ننتهي؟ هذا ما سنتناوله في الجزء القادم بإذن الله.
[email protected]





تعليقات 3 | إهداء 0 | زيارات 710

خدمات المحتوى


التعليقات
#1784105 [الله غالب]
0.00/5 (0 صوت)

06-21-2018 03:46 PM
البارادايم (Paradigma) (التفكير خارج الصندوق) ، التفكير بعيدا عن حقيقة المشكلة وبحث الانسان السوداني عن حل فردي لمشكلة جماعية.


#1783786 [الزول]
0.00/5 (0 صوت)

06-20-2018 02:23 PM
أولاً ما حاجة اسمها برادايم جديد من الناحية المعرفية فالبردايم وهو النموذج المتشكل بالفعل ويقاس عليه فيما يأتي بعده وذلك بالرجوع إليه والقياس عليه ولا ادري كيف لدكاترة يدعون بخلق برادايم جديد وهم يتكلمون فقط عن ضرورة مجاراة النظام في ألاعيبه التي يصممها ليس لمصلحة معارضيه وإنما لتقنين بقائه. وهذا استحمار المعارضة ولا يمكن ان يكون هذا البردايم الجديد إلا هذا الاستحمار!


ردود على الزول
Sudan [البخاري] 06-21-2018 07:32 PM
يا زول نرجو الرجوع لكتاب العلامة توماس كوهن: بنية الثورات العلمية The Structure of Scientific Revolutions الذي يحدثك عن تغيير البرادايم الذي يسمى من الناحية المعرفية Epistemology بالثورة العلمية.


#1783774 [مهدي إسماعيل مهدي]
0.00/5 (0 صوت)

06-20-2018 02:00 PM
سلام

أُحيلك إلى مقال بعنوان "المخاض العسير للانتفاضة المزدوجة ضد الحكم والمعارضة معاً".. بقلم/ مهدي إسماعيل مهدي -- عام 2011، صفحة الرأي بصحيفة سودانايل الإلكترونية.


عمر هاشم
مساحة اعلانية




الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.
Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2022 alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة