المقالات
السياسة
الموت سمبلة في المستشفيات ومفهوم القضاء والقدر
الموت سمبلة في المستشفيات ومفهوم القضاء والقدر
06-25-2018 04:15 AM

منذ مجيء عهد الحركة الإسلامية أصبح كثير من السودانيين يموتون نتيجة لأخطاء طبية أو نتيجة لحوادث المرور وذلك بخلاف الموت في الحروب الكثيرة التي أشعلتها الحركة الإسلامية باسم الإسلام والجهاد، ويفقد السودان الكثير من طاقاته البشرية نتيجة لكل ذلك. ولكن ما يهمنا هنا هو الموت في المشافي التي يذهب إليها الناس للعلاج فيخرجوا جثة هامدة، فنتيجة لإتباع الكثيرين للفكر العربي الإسلامي القاصر عن إدراك معني الحياة الإنسانية لا يشعر احد من الأطباء أو غيره من الكوادر الصحية انه قد تسبب في إزهاق روح كان يمكن أن تواصل الحياة لولا تدخله الخاطئ، فكل منتمي إلى ذلك الفكر يعتقد ان من مات إذا كان بخطأ طبي أو بحادث حركة أو غيره، بان هذا الزمان والمكان الذي مات فيه هو اليوم الذي قدره له الله منذ الأزل وان التدخل الخاطئ من عدمه لا يعد عنصر ذو بال نتيجة لانتهاء اجله وفق ذلك الفكر، بل يمكن أن يصل به الادعاء إلى انه مجرد آلة إلهية، فذلك الشخص قد كتب له الموت في تلك اللحظة وفي ذلك المكان فما حدث هو واجب الحدوث نتيجة لقضاء الله وقدره في كتابه، ونجده يذهب وينوم ملء جفونه كأنه لم يقترف ذنبا.

ذكرنا كثيرا ان الفكر العربي الإسلامي قد حرف الرسالة وحور إدراكها من رسالة إرشادية إلى رسالة قيمية تعبر عن ما يعتقده المجتمع العربي عن الحياة ومن ضمنها مفهوم الإله الفاعل أو مفهوم القضاء والقدر الإلهي. وجاء استيعاب الفكر العربي الإسلامي عندما اعتقد ان الرسالة عبارة عن خطاب مباشر من الإله يعبر به عن ما يريده، فمن هنا جاء إدراكه للآية (أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ أَنْ آَتَاهُ اللَّهُ الْمُلْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاهِيمُ فَإِنَّ اللَّهَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِهَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (258)) "سورة البقرة"، ولكن بينا في كتاب (الإرشاد في الرسالات الإلهية – دراسة للرسالة المحمدية الخاتمة) ان لا وجود لمفهوم المقولات الإلهية نتيجة لاختلاف المجال الإلهي عن المجال الإنساني ولذلك الرسالة عبارة عن إرشاد من داخل الحياة ولصالح الإنسان من اجل استيعاب مغزى تلك الحياة. فالموت والحياة المقصود في الآية السابقة هو السنة الكلية أي وجود الموت والحياة كسنة من السنن الكلية، وليس أسباب الموت والحياة التي ترجع إلى الإنسانية (الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ (2)) سورة الملك، فالموت والحياة ليست مخلوقات ولكنها من السنن الموجودة في الحياة وذلك هو معني يحي ويميت وليس التسبب بهم. سيحاول معتنقي الفكر العربي الإسلامي إيجاد منفذ لصنهم الذي يعبدون عبر الرسالة التي تم تحريفها عن الإرشاد وتم تحويرها لمعني قيمي وفكري جامد كما الصنم، وسيتحججون بآيات من داخل الرسالة مثل (وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ (34)) سورة الأعراف، ولكن في الكتاب الآخر (استيعاب الرسالة المحمدية – نحو أنسنة الرسالات الإلهية) بينا الاختلاف بين الرسالة كمقولات إلهية حسب الفكر العربي الإسلامي والرسالة كإشارات إرشادية، وكذلك علاقة الآيات في الرسالة بالتاريخ الديني للحظة الرسالة، وان الرسالة ككل عبارة عن إرشاد الهي ولكن بقيم ومفاهيم إنسانية لا علاقة لها بالله، وذلك من خلال السور التي أوردناها في الكتاب.

فلا وجود في الرسالة الإرشادية لمفهوم التدخل الإلهي في الحياة، فلا يتدخل الإله ليسير حياة البشر بل أمدهم بما يمكن أن يسيروا به حياتهم من قدرة على الوعي والفعل بعكس كل المخلوقات ليرى ماذا يفعلون بتلك القوة وهي قوة الوعي وقوة الفعل، فهل في استطاعتهم ان يكونوا خليفة لله في الأرض يدركوا مغزاها ويعمروها ام يكونوا مثل الأنعام ويتخلوا عن تلك القوة أو يتم توظيفها عكس اتجاهها؟! (وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آَذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (179)) سورة الأعراف. فالحياة هي عبارة عن اختبار للإنسانية فهي ليست مساقة إلى أقدار موجودة مسبقا كما يفهم الفكر العربي الإسلامي، فالله قد خلق الاختلاف والتكامل داخل الحياة الإنسانية وعلى الإنسان أن يسعي إلى إدراك ذلك والعمل على تكامل الحياة بين الإنسان والإنسان أو بين الإنسان والطبيعة وفق سنن الحياة الكلية. ومن ضمن سنن الحياة تلك الحياة والموت، فإما الإنسان يكون كما الأنعام لا يفكر ولا يسعي إلى علاج عندما تسوء حالته، أو يكون أضل منها فيسعي إلى حتف نفسه ويعمل على تقصير حياته التي كانت يمكن ان تمتد باعتباره قضاء وقدر من الله، أو ان يسعي إلى العلاج الصحيح والطبيب الصحيح ويمد في حياته إلى ان تخرج الروح لوحدها وليس بفعل فاعل. وكذلك كل فرد من الكوادر الصحية أو كل من يتسبب في حادث حركة يؤدي إلى وفاة شخص أو أشخاص هو إنسان قد تسبب في تقصير حياة إنسان كانت من الممكن أن تستمر وان فعله ذلك من نفسه وليس من الله، فيجب أن تعلم تلك الكوادر ان الأخطاء الطبية هي منها وليست من الله وان اجل المريض إذا فعلت كل ما هو صحيح لن يكون في ذلك اليوم، فلم يكتب له الله الوفاة على يدك ولكن أنت من قتله نتيجة للقصور أو الإهمال. وعلينا ادارك ان اكبر جريمة في الحياة هي القتل نتيجة إهمال أو القصد، فالغاية من خلق الإنسان هي الحياة والفعل ولا احد يمتلك أو يدرك القدر الإلهي فما نملكه أقدارنا وأقدار الآخرين التي سنحاسب عليها إذا تهاونا أو أهملنا فيها، فعلينا ان لا نهمل في أرواحنا التي هي أمانة وان لا نستسهل أرواح الآخرين باسم القضاء والقدر.

خالد يس
[email protected]





تعليقات 1 | إهداء 0 | زيارات 632

خدمات المحتوى


التعليقات
#1785168 [عزوز (الأول) المناكف الذي لن يهدأ له بال حتى ينصلح الحال]
0.00/5 (0 صوت)

06-25-2018 11:39 PM
ارى ان المفهوم العام لدى السودانيين عن القضاء والقدر مفهوم غاية في الحماقة نتج عن موروثات ساذجة وتعليم ديني متهافت.
القدر امر حتمي ليس للانسان فيه يد، وهو سابق للقضاء، القضاء فعل انساني محض ، قال السحرة لفرعون ( .... فاقض ما انت قاض، انما تقضي هذه الحياة الدنيا)، بمعنى : افعل بنا ما تريد لانك قادر على الفعل في الدنيا وليس لك علينا امر في الآخرة.
نحن نردد عبارة بلهاء عندما يموت احدنا فجأة ،او بسبب خطأ طبي او حادث سير، نقول: (فلان يومو تم)، ونرى من العيب ان نحاسب المخطئ الذي تسبب في الموت.
اذا دهس سائق مخمور طفلا" كان يلعب امام منزله ومات ذلك الطفل ، فإنه لم يمت لان (يومو تم)، ولكنه مات لأن ذلك السائق كان مخمورا"، ولو كان سائقا" صاحيا" وحريصا" لما مات ذلك الطفل.
اذا اجرى طبيب فاشل عملية جراحية لمريض بصورة خاطئة ومات ذلك المريض فانه لم يمت لان (يومو تم)، ولكن لان الطبيب لم يقم بعمله على الوجه المطلوب، ولو اجرى نفس العملية لنفس المريض طبيب ماهر لما مات المريض.
اذا تعسرت ولادة امرأة في قرية نائية وحملها ذووها لمئات الكيلومترات على بوكس وماتت هي وجنينها في الطريق فانهما لم يموتا لان (يومهم تم)، ولكن لانهما لم يجدا الرعاية الطبية المطلوبة في الوقت المناسب، ولو كانت نفس المرأة في مدينة ونقلت للمستشفى بسرعة لوضعت طفلها بسلام وعاشا معا"،، وهكذا يمكن ضرب مئات الامثال التي تدحض تلك العبارة السخيفة الغبية حد الهبل (فلان يومو تم).
اذا اقتنعنا بهذا المفهوم البائس للقدر لانتفت الحاجة للمحاكم،،،،نن مشهد::
القاضي للمتهم : لماذا قتلت ذلك الرجل؟
المتهم: يا حضرة القاضي الزول يومو تم وكان ما كتلتو انا برضو حيموت
القاضي: صدقت يومو تم ،، لا حول ولا قوة الا بالله،، براءة،، روح الله معك.
يدخل المتهم الثاني:
القاضي: لماذا اغتصبت يا رجل تلك الفتاة؟
المتهم الثاني: الشيطان غشاني يا حضرة القاضي.
القاضي : لعنة الله على الشيطان الرجيم، طيب كتلتها ليه بعدما اغتصبتها؟
المتهم الثاني: لانه يومها تم يا حضرة القاضي..
القاضي: صدقت يومها تم وأصلها ميتة ميتة ،،، بيك ولا براك، براءة روح، الله معك.

وهكذا في كل جريمة قتل ،،، القتيل يومو تم،،، ودا آخر يوم من عمره،، وما يفعله القاتل هو تنفيذ لأمر الله.
26/يونيو/2018


خالد يس
مساحة اعلانية




الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.
Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2022 alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة