المقالات
السياسة
الأيام يوميات العاصمة 1987 بمناسبة أحداث قطار الضعين: فيلاية السلطان
الأيام يوميات العاصمة 1987 بمناسبة أحداث قطار الضعين: فيلاية السلطان
07-01-2018 01:12 AM

أتعرفون من هو بلة الذى خرج من القيد والمذلة كما تخرج الشعرة من العجين؟

كان بلة مزارعا في سلطنة الفور في قديم الزمان وسالف العصر والأوان وكان للسلطان فيلاية، وكان المزارعون يحرثون ويزرعون ويعملون في الأرض من شروق الشمس الي غروبها والفيلاية تأكل ما تشاء وتتلف ما تشاء، فالفيلاية فيلاية السلطان والبلد بلد السلطان والناس عبيد السلطان، وكان السلطان معجبا بفيلايته فهي رمز سلطانه وعزته وحوله وقوته وبطشه وسطوته، ترهب الناس فيخافون ويعتادون علي الطاعة والخضوع ويتقبلون الذل والهوان ويتجنبون الشكوى والتضجر والسخط والتذمر والعصيان، وقديما قلوا الناس يخافون ولا يختشون وينقادون اذا جاعوا ويتمردون اذ شبعوا ومن يهن يسهل الهوان عليه ما لجرح بميت ايلام، والناس كالطينة التي خلقوا منها عجينة لينة قابلة للتشكيل، ومن الممكن أن تصنع من الانسان كلبا وفيا وحارسا أمينا بقليل من الفتات، ومنذ فجر المجتمعات الأولي كان الأغنياء يتخذون من أولاد الفقراء جنودا ضد الفقراء والكراهية الطبقية.

عندما يتقاعس الناس عن مقاومة الظلم يتفادونه في أنفسهم ولا يشتغلون بغيرهم ويسارعون الي جحورهم عندما يحسون بالخطر كالفيران عندما تشاهد القط والقطيع عندما تهاجمه الأسود لا يلتفت الي الصغيرة والمريضة والكسيرة العرجاء، وفي مناخات القهر والاستبداد تتراجع الفضائل وتسود الرذائل وتنحسر القيم الرفيعة كالمروءة والشهامة والتضحية والايثار والجود والكرم.

نشأ بلة وترعرع بين هؤلاء المزارعين المستضعفين لكنه جبل علي كراهية الشر والظلم والعدوان والقهر والاستبداد والطغيان وحب الخير والاحساس بآلام الناس ومتاعبهم، وكثيرا ما كان يقع في المشاكل مع جند السلطان وأعوانه لتدخله في ما لايعنيه بسبب طبيعته التصادمية وعقله المستنير، وكأنما الظلم أب والمعانات أم تلد الرجال الأوفياء الذين لا يخشون في الحق لومة لائم ولا سطوة ظالم فقد كان بلة واحدا من هؤلاء الرجال الذين قل أن يجود بمثلهم الزمان.

بدأ بلة يحدث الناس علنا بما يتهامسون به سرا ويدعوهم ويحرضهم علي مقاومة الظلم والطغيان، وقال لهم ان الطغاة عادة يزدادون طغيانا كلما ازداد الناس رضوخا واستسلاما، ويشحنهم بالحكم والمقالات المأثورة، كقوله تعالي والذين اذا مسهم الجور هم منتصرون ولولا دفع الله الناس بعضهم ببعض لفسدت الأرض، وقول القائل تأبي الرماح اذا اجتمعن تكسرا واذ افترقن تكسرت آحادا، وشهد الحياة مشوبة بالذل مثل الحنظل، وما نيل المطالب بالتمني ولكن تؤخذ الديا غلابا، وللحرية الحمراء باب بكل يد مضرجة يدق، ولا مخرج أمامهم سوى مواجهة السلطان، ولا يحتاجون في ذلك سوى مواجهة أنفسهم والتحرر من الخوف وهو عدوهم الأول.

بدأ المزارعون يثقون في بلة ويعجبون به ويستمعون اليه فأصبح زعيمهم الأوحد ورجل الساعة والأوان، واتفقوا علي مواجهة السلطان ومخاطبته في صوت رجل واحد يا حضرة السلطان الفيلاية خربت ديارنا، وفي اليوم الموعود سار المزارعون الي قصر السلطان يتقدمهم بلة بعد أن حفظوا العبارات المتفق عليها ياحضرة السلطان الفيلاية خربت ديارنا.

أطل السلطان من شرفة القصر وخاطب المتجمهرين غاضبا خباركو؟ فارتجت القلوب التي في الصدور وزاغت الأبصار وارتعشت الأيدى واصطكت الأرجل ووقف بلة كاشارة متفق عليها وقال يا حضرة السلطان الفيلاية لكنه لم يسمع سوى صوته يرتد اليه وكأنما سمعه لأول مرة وكأنما علي رؤسهم الطير، وأحس بلة بأن قومه أخرسهم الخوف الذى حذرهم منه وخانوا عهده وتركوه يواجه مصيره المحتوم، فلا يزال قومه في حاجة الي مزيد الظلم الطغيان والذل والهوان والجوع والحرمان ولا تزال الثورة جنينا في أطواره الأولي ولا يزال المخاض بعيدا واتهم نفسه بالتسرع وسوء التقدير.

أفاق بلة من هواجسه علي صوت السلطان متسائلا في غضب واستنكار خبارا الفيلاية قل تكلم؟

ارتبك بلة وتلعثم وكأنما كان ينتظر وحيا من السماء ثم تماسك وقال نحن معشر المزارعين جئنا اليك شفقة علي هذه الفيلاية التي تعاني من الوحدة وتحتاج لفيل ذكر ولعل الله يرزقها البنين والبنات.

شكر السلطان المزارعين علي اهتمامهم بفيلايته مما يدل علي حبهم لسلطانهم وحرصهم علي طاعته، وبعد ذلك بأعوام كان قطيع من الأفيال يغادر مربطه بقصر السلطان الي الجنائن والحقول يأكل ما يشاء ويتلف ما يشاء فالقطيع قطيع السلطان والبلد بلد السلطان الناس عبيد السلطان.

وفي زمان بعد ذلك الزمان ومكان غير ذلك الزمان كان للسلطان فيلاية أتلفت غرسا وقتلت نفسا وصبت زيتا علي نار مشتعلة، فاحتار السلطان في أمره ان عاقبها تمردت عليه وان تركها بان جوره وضعف أمره وخبا لمعه وأفل نجمه، فراح السلطان يلف ويدور ويقول كلاما مبتور في انتظار الحل المسطور، فقد يموت الفقير وقد يموت البعير وقد يقع حدث خطير تنصرف اليه الرعية وتنسي هذه القضية، وكان الحدث الخطير في 30 يونيو1989 .

من كتابي قصص قصيرة بعنوان امغليغل.

[email protected]





تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 912

خدمات المحتوى


عبدالله محمد أحمد الصادق
عبدالله محمد أحمد الصادق

مساحة اعلانية




الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.
Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2022 alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة