المقالات
السياسة
زجاجة من نار ...
زجاجة من نار ...
07-14-2018 03:31 AM

image
لا تعاتبني يا صديقي العزيز ، فقد كان يوم أمس غريباً في تفاصيله ، ومرهقاً منذ إنطلاقته وحتي نهايته ، كنا نتقافز في المتروهات بمدينة (باريس) انا ومعي اثنين من اخوتنا السودانيين ، وكانت الحادثة الأولي ونحن داخل القطار المتوجه لمحطة (قاردليون ) وبعد أن سمعنا صافرة إغلاق ابواب القطار والابواب تتحرك بسرعة لتغلق بصورة اوتوماتيكية اذ اندفع أحد الشباب قادماً للصعود ومتسللاً بسرعة للحاق بالقطار ليتفاجأ بالابواب تعتصر يديه بطريقة محكمة ، فصارت يديه داخل القطار وجسده خارج القطار ، والقطار يهم بالتحرك فأندفع أحد الأخوة الذين كانوا معي اذكر اسمه (فتحي) وبدأ يصارع باب القطار حتي يخلصه ، والآخر يصارع من الخارج ليخلص يديه ونحمد الله ان سائق القطار انتبه له من خلال كاميرات المراقبة قبل أن يتحرك ولو تحرك لتمزق هذا الشاب الأسمر الي اجزاء ، فانفتح الباب ، ووثب الشاب الي الداخل ، والجميع مذهول ، فشكر صديقنا (فتحي) همساً وعاد (فتحي) ليجلس بقربي ، فسألت : هل هذا الشخص سوداني ؟ ضحك (فتحي) وقال لي : نعم يبدو انه (صاروخ) ، بمعني حضر الي فرنسا حديثاً ، ضحكت وقلت له : نعم هو سوداني لانه استحى من الصراخ فصراخه سينبه الجميع ويهبوا لمساعدته ، ولكنها عادة سودانية الصراخ عيب كبير ، ولا أدري هل الصمت نوعاً من الشجاعة أم نوعاً من البلادة ؟! تحرك القطار وهبط (فتحي) في محطة بسرعة للحاق بمباراة (فرنسا ضد لجيكا ) في ربع النهائي ، وتحركنا لمحطة (بيرسي ) ومنها سوف اتجه لمدينة (روان) حيث أقطن ، سوف استغل آخر باص وكانت الساعة الثامنة مساء ، ومواعيد الباص الثامنة وخمسة وعشرون دقيقة ، في هذه الفترة احدد مكان الباص والممر الذي يقف فيه ، ويبدو ان هنالك إشكالية بسبب مباراة (فرنسا بلجيكا) فالجميع يرفض العمل ، اتجهت للممر الذي يقف فيه الباص بعد أن استودعت صديقي الآخر ، ووجدت مجموعة تقف أمام بوابة الباص ، لم انتبه الي ان هنالك رسالة وصلتني في الإيميل وهي : اعتذار من شركة المواصلات بتاخر الباص لمدة خمس وثلاثون دقيقة والجميع يعلم عدا أنا وفتاة هندية كانت تقف بجواري وكنا ضجرين ، والزمن يمضي ، فشعرت بالملل وتحركت جيئةً وذهاباً حتي تحدثت معي الهندية باللغة الفرنسية ، فإعتذرت لها باللغة الانجليزية باني لا اتحدث الفرنسية ، فضحكت وقالت لي انا أجيد اللغة الانجليزية ، وسألتني عن مكان سكني في مدينة (روان) فقلت له : (سنتيتيان) فقالت بسرعة انا ايضاً اسكن (سنتيتيان) وهي مدينة صغيرة تبعد خمسة كيلو أو اكثر من ( روان ) قلت لها : من معك في هذه السفرية وكان سؤالي لشعوري بصغر سنها ، فضحكت وقالت لي : انا لوحدي فقد كنت في (امستردام ) مع صديقتي ، ثم ضحكت بخجل وقالت بالمناسبة عمري تسعة عشر عاماً ولكن شكلي يوضح بأنني أصغر - وهذا يعني انها مسئولة من نفسها - ، حينها تذكرت فنان افريقيا له الرحمة (محمد وردي) وهو يصدح باغنيته الشجية (تسعتاشر سنة عمر الزهور ، عمر الغرام ، عمر المنى ) وكانه يقصدها ، فإنطلقنا نتحدث و نتسامر واحيانأ نتأمل ، وبدأ الملل يذوب داخل غطاء الأمل .
كانت صغيرة هامسة حانية ، حتي بدأ سائق البص يطلب من الجميع الصعود ، تمنيت لو تاخرنا ساعة أخري جلسنا قرب بعضنا ، وهي تحكي لي عن دراستها في الجامعة وتخصصها كطبيبة ، وهي مسلمة تجيد اللغة الهندية ، والفرنسية ، والانجليزية بطلاقة وعندما علمت بانه مسلمة تأكدت أن البوابة الي قلبها سهلة وهي الأخلاقيات والصفات التي نهلنا منها فانتهجت معها أسلوب الصحابة (رضوان الله) عليهم ، والنخوة والكرم والإستحياء ، وحفرت عقلي لأقترب منها بالاحاديث الجميلة ، وصفات الملائكة ، فسكبت دلواً ضخماً من المغلفات الايمانية ، وشعرت بنفسي أحد الائمة ، وشعرت بنظرة عيناها وهي تتلصصني وانا أكبر في نظرها حتي ازدت زهواً ، وتدفقت اطناناً من الإعجابات ، حتي اكتمل الكلام ، وجاءت موجةً من الصمت ، والنظر ، والترقب ، وشعرت بأنها مرهقة تحاول أن تسند رأسها في المقعد ، فاختلست النظر لشعرها المنسدل من بداية المقعد وحتي نهايته وكانه الليل الحالك ، وبدأ رأسها يميل نحو كتفي ، والتعب والنوم يغالبانها ، حتي شعرت برأسها ينام علي كتفي بهدوء ، في هذه اللحظة شعرت بإصطدام الكواكب والمجارات ، وسمعت صراخات قلبي لقد اشتعل التوربين المغلق بعد طول غياب ، واي اشتعال انها لمسات الهندية لحظات سموت بها كل ارجاء العالم ، وتذكرت كل المآسي والمواجع التي عبرت عليها ، انها العوض بلا شك ، لقد طاف عقلي بكل ممثلي السينما الهندية بداية (بإمريش بوري واميتاب بأتشان) وحتي (شاروخان وامير خان ) ، فرقص جسدي وهو يحتوي هذا الكنار الحالم ، وعندما استيقظت حاولت أن تعتذر ، فطلبت منها عدم الإعتذار ، فضحكت ورمت رأسها داخل صدري ببراءة وطمأنينة ، حتي شعرت هي بدقات قلبي الممكون ، وكانت تفاصيل محياها تؤكد انها تسمع دقات قلبي ، وهذا ما جعلها تنام مطمئنة ، ولكني اشتعل مثل البركان ، وكلما نظرت اليها أكاد اهمز نفسي ، حتي لايكون حلماً ، واصرخ في داخلي إنها حقيقة ، ما أغرب هذا الكائن الأنثوي!! رغم انها نائمة ومرهقة لكنها تشعر بنظراتي اليها فتترجمها تعابير من خلال وجهها البهي واشعر انها تبتسم ، ولكن فرحي في إدارتي للحوار معها بطريقة -دبلوماسية- جميلة ، وبينت لها الفضائل التي غرست فينا ونحن أطفال ، وبعفوية رفعت الخمار الصغير الذي ترتديه فوق راسها ، حتي لامست شعرها وأصابعي تنزلق من نعومته ، فرفعت راسها وشكرتني ، وقالت : انت أجمل حدث في هذه الرحلة ، انك رجل ملتزم ومؤمن ، وصادق ، وشهم ، فقلت انتي أجمل من شاهدته في فرنسا ، فضحكت بخجل ، وقطع حديثنا سائق الباص وهو يعلن نهاية الرحلة ، احست باني متضايق فقالت لي ستكون هنالك سفريات كثيرة ، هبطنا سوياً ، وانا علي امل الاتصلات والمقابلات والرحل والسفريات ، بدات مباشرة بالإتصال بوالدها ليقلها للمنزل ، وقالت لي : اكتب رقم هاتفي فانا متشوقة لاتصالك غداً وضحكت ببراءة : وانا ارتجف شوقاً وكانه حلم ، انشغلت بالاتصال بوالدها ، وانا أفكر كيف أجد الوسيلة التي تعيدني للمنزل فقد تاخر الزمن ، وتوقفت جميع وسائل النقل ، والساعة تجاوزت الثانية عشر ليلاً ، وانطلقت الشوارع في مدينة (روان) تحتفل بفوز (فرنسا علي بلجيكا) والجميع ثائرون فرحون ببلوغ فرنسا للمبارة النهائية ، فقالت لي : انا اسمي (اسماء) ، فقدمت لها نفسي ، وقالت : يمكن ان اطلب من بابا أن يوصلك حتي منزلك ، فإعتذرت لها بحجة سوف استغل الباص الليلي ، وقبل ذلك سوف انتظر حضور والدك حتي اطمئن عليك ، فالشباب الطائش المخمور كثر اليوم ، ضحكت وقالت لي : ان والدي يعمل قريباً من هنا سوف اذهب ليكمل باقي عمله وننطلق للمنزل ولكن اريد ان أسالك : من اي منارة ظهرت ، انا سعيدة بصحبتك ؟ وبعض الكلمات التي لا اعلمها في اللغة الانجليزية ولكني تبسمت حتي تشعر بانني فهمت ! لحظات وظهر والدها وسلم علي بصورة بشوشة ، وودعتني وأناملها مطبوعة في أحاسيسي .
تحركت نحو المحطة وحيداً سعيداً اتقافز كالأطفال ، تنتابني مشاعر الوجود ، وتغزوني مشاعر العظمة والفخر ، اتصلت بأحد الاصدقاء وسالته عن وسيلة نقل فرد بان الزمن قد تاخر وعليك السير علي الأقدام رغم اني مرهق ، واحمل المواد الغذائية السودانية التي اعشقها (الفول والدكوة والويكة) التي إبتعتها من باريس ، لكني سعيد بفتاتي وايقونتي الهندية الصنع فانطلقت ، وانا أغني وأصدح والشوارع تمتلئ بضجيج المشجعين ، وهم في قمة نشوتهم حتي مررت بمتجر ضخم ، فدخلت لابتاع لي مشروباً يخفف عني اشتعالي وإنشغالي ، فوجدته بار ضخم ، فحدثني الشيطان وهو ذريعة نتخذها لدفن رؤوسنا من المخجلات ، واخترت زجاجة ضخمة من الفودكا الروسية فانا ايضا اريد احتفل !، ودفعت ثمنها وانا اضحك فقبل دقائق كنت احد الأئمة ، كانت الشوارع خالية الا من بعض السيارات والهدوء يكتنف المكان والطريق طويل فتحت الزجاجة وبدأت ارتشف جرعات صغيرة ، كان طعمها مُر في بداية الأمر ، ولكن بعد الجرعة الرابعة اصبح طعمها مستثاقاً ، وكلما ظهرت سيارة اطلقت الابواق بنصر الفريق الفرنسي علي بلجيكا حتي اندمجت مع السيارات المتواترة وبدات ارفع لهم الزجاجة تحية فرح ، وتعبيراً عن الإنتشاء فيقابلها اصحاب السيارات بالصفافير والأبواق العالية ، ومعها بعض الرقصات الإحتفائية الصاخبة ، اتصلت بصديقي ليدلني علي طريق العودة فقد بدأت الفودكا تتلاعب برأسي ، وتشابهت علي الشوارع ، وكانت نصيحة صديقي الاستمرار في نفس الطريق ، وكانت هنالك سيارة تطلق لي الابواق فمنحتها رقصة الإنتصار ، ورفعت لها زجاجة الفودكا حتي تشعر بالاحتفاء ، لكنها توقفت بجواري والشارع خالي فنظرت ربما يود سائق السيارة نقلي ، وفتح باب السيارة وظهرت (اسماء) وتمعنت لاجد السائق اباها وكانت تنظر لي بدهشة ! تسمرت في مكاني وشعرت بأني اصغر شئ في الوجود ، حتي الزجاجة التي ارفعها عالياً لم استطع إنزالها فقبل دقائق معدودات كنت(خالد بن الوليد) ، وعندما تمعنت في عيونها شاهدت نفسي (الوليد بن يزيد ) وقالت لي بالانجليزية الواضحة : انت كذاب كبير امسح رقم هاتفي لو سمحت ، وصعدت الي السيارة ، لم تعطني فرصة للرد وشعرت بسيارتهم تنطلق ، ووالدها يرمقني بنظرة إحتقار ، قذفت الزجاجة بكل قوة من يدي فتحطمت الي اشلاء ، وتطايرت اجزاءها في كل مكان وانا مخمور ومذهول ومحبط حتي النخاع ، وشاهدت اشلاءها تتكسر لتضئ مثل المسبحة التي إنفرط عقدها فكونت اشلاءها قطعاً صغيرة أشاهد من خلالها ردود لمواجعي ومأساتي كنت اتمني الرد عليها : بان هذا ما تعلمناه من اباطرتنا ؛ فالكذب في اوطاننا صدق ، والائمة في أوطاننا دجالون ، والزعماء في اوطاننا محتالون ، قلوبنا غلف ، وأجسادنا تهوي النساء ، لم اكذب عليك (اسماء) فنحن نسيج من الإسلاموية المزيفة ، والعروبية المحرفة ، الأفريقانية المضطهدة ، ونتشبع بالذكورية الطاغية ، والكبت المغلف ، والحرمان المشكور ، والكذب الممنهج ، والنفاق المحمود ، وصراعنا يتجسد في حب الحرية التي نخاف من تنفيذها ! ، وعشق الديمراطية التي نضطهدها ! ،، ترنحت وانا اقرأ واجمع القطع المنثورة من زجاجة (الوليد بن يزيد ) المهشمة وأناملي تتمزق من حدتها ودمائي تسيل علي الرصيف ، فتركتها مبعثرة مثلي ، وأنا صامت اخشى الصراخ ، فالصراخ في عاداتنا عيبٌ كبير وسيضحك فيك الآخرين ...
[email protected]





تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 879

خدمات المحتوى


غالب طيفور
غالب طيفور

مساحة اعلانية




الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.
Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2022 alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة