المقالات
السياسة
التنوير والصراع بين النسبي والمطلق
التنوير والصراع بين النسبي والمطلق
07-18-2018 03:33 AM

• مفهوم النسبية ظهر مع العالم الألماني أينشتاين ,هذا العالم الفذ الذي غير قوانين الفيزياء تغير شامل بعد أن سادت نظريات نيوتن ل 200 عام قبله فجاء أينشتاين بنظرياته الفيزيائية الحديثة والتي كان احد اهم مفاهيمها التي أكتشفها مفهوم النسبية.
• فمفهوم النسبية أصبح الأن مفهوم متداول في الفيزياء بشكل جزري وفعّال وكذلك أصبح مفهوم النسبية مستخدم في كل العلوم الأخرى ومنها العلوم الإنسانية والفلسفية فهو مفهوم ينتمي إلى معاني الوجود الإنساني بشكل أساسي.
• فلقد كانت الأبعاد قبل أينشتاين 3 أبعاد وهي الطول والعرض والارتفاع, ثم جاء أينشتاين ليقول لنا أن الأبعاد ليست كذلك فهي عنده أربعة أبعاد فلقد أضاف إلى الثلاثة أبعاد البعد الرابع وهو الزمن أي البعد الزماني.
• فلنأخذ هذا المثال لنوضح ذلك ولكي نوضح معنى النسبية وعكسها المطلق وهو كالاتي: اذا كنت جالس على كرسيك وأمامك جهاز الحاسوب فأنت في هذا الوضع تكون في حالة سُكون ولكن اذا نظرنا إلى هذه الصورة بشكل أشمل وهو إنك أنت و ما حولك من أشياء تكون في حالة حركة نسبة لحركة كوكب الأرض الذي أنت وما حولك من أشياء جزء منه و بالتالي أنت وما حولك تتحرك مع حركة كوكب الأرض حول نفسه, أذن أنت هنا في حالة حركة تباعاً للحركة الكلية للكوكب. إذن سكونك في الوضع الأول كان شيء نسبي اذا ما قورن بالوضع الثاني المتحرك والأشمل.
• ولنأخذ مثالاً أخر يرتبط فيه مفهوم النسبية بالمفاهيم الإنسانية وهو كالاتي: أذا نظرنا إلى المفاهيم الإنسانية التي جاءت مع الديانات السابقة وربطناها بالبعد الزمني الذي ظهرت فيه نجدها قد كانت مناسبة ومهمة جدا لتصحيح الأوضاع الإنسانية لتلك الفترات الزمانية من حياة العنصر البشري ولكن اذا نظرنا إليها الأن وربطناها بالبعد الزماني الشامل للزمن الإنساني حتى هذه اللحظة الحالية نجد أن تلك المفاهيم قد تخطتها التجربة الإنسانية ولأنه بعد تلك الفترة الزمانية ظهرت التجارب الحضارية للحياة الإنسانية المعاصرة والتي جاءت بعد عهد الديانات واظهرت معها الكثير من المفاهيم والتجارب الإنسانية الأكثر عمقاً وأوسع أدراك لطبيعة الحياة الإنسانية وكل ذلك جعل الوعي البشري أكثر تقدماً ونضجاً وكذلك مشاكله وقضاياه واهتماماته أكثر تعقيداً وأوسع إطاراً. فهنا أصبحت المفاهيم الدينية غير مناسبة وغير فعّالة أتجاه الحياة المعاصرة.
إذن المفاهيم الدينية مناسبة في أطارها الزماني التاريخي وهي نفسها نسبياً غير مناسبة وغير فعالة في الاطار الزمني الكلي للإنسانية وفي حالته الراهنة. فاذا كانت هذه المفاهيم نسبية الصلاحية أذن هي ليست مطلقاً.
• أما المطلق فهو التعصب لفكرة معينة والاعتقاد التام بصحتها وعدم القبول بغيرها بديل مهما كانت ملابساتها وظروفها وذلك نتيجة لمحدودية الاطلاع والمعرفة و الجهل بالتجارب الانسانية المعاصرة على مستوى اوسع. فدائما من يتمسك بفكرة المطلق تنقصه الدراية وسعة الافق والاطلاع وهو دائما يكون منغلق تحت مؤثرات بيئته الضيقة والمحدودة المصادر المعرفية ودائما يلجا الى التاريخ في تفسير الظواهر والقضايا الانسانية بدلا من استصحاب الحاضر والمعارف والعلوم المؤدية الى تحليل الظاهرة بشكل علمي مدروس للوصول الى النتائج الصحيحة. فهو اذن يعيش تحت نطاق من الجهل بمعارف الانسان المعاصرة له. المطلق هو في نظر صاحبه يعني الكمال وهو طبعا امر لا ينسجم مع طبيعة الحياة البشرية التي هي في حالة تطور ونمو مستمر في مفاهيمها ومبادئها و التي تظهر مع التجارب الحياتية للبشر فلا يمكن قبول المطلق مع طبيعة متجددة دوما لا يمكن قبول فكرة الدوجما أو التعصب في الحياة البشرية التي الكمال فيها يأخذ شكل نسبيا هو الاخر فما هو كامل في زمن معين قد يكون ناقص في الزمن الذي يليه لتطور المعرفة والعلم بطبيعة الحياة مما يؤدي إلى تخطيه أو تطويره. إذن التفكير النسبي ينسجم أكثر مع طبيعة الحياة البشرية المتجددة دوما. أما التعصب أو المطلقات أمور لا مكان لها الأن بيننا.
*المطلق او من يتعامل بمفهوم المطلق ويتعصب لمفاهيمه الخاصة هو انسان منعزل عن واقعه يعيش في عزلة تامة عن مجريات الامور في العالم من حوله فهو سطحي التفكير وسريع الحكم وهو محدود القدرات ذهنياً او غير شجاع في مواجهة حقائق الاشياء اذا ادى ذلك الى عدم استقراره او رفضه اجتماعيا فاصحاب المطلقات هم بطبعهم مسالمين وتنقصهم الجرأة والشجاعة والقدرة على التحدي والصمود في وجه تيارات الظلام الفكرية وتنقصهم ايضا روح التجديد والابداع, فهم تقليدين في نظرتهم للامور تحركهم الحياة كيفما شاءت وتحركهم العادات العامة بشكل اعمى.
*اذن مفهوم النسبية في تعامله مع الواقع المعاش وخاصة الواقع ذو الطابع المتخلف فكريا وثقافياً يحتاج الى الشجاعة والابداع في تناول هذا النوع من التردي بالنقد البناء والتناول المتجدد الرؤى لمعطيات وفضايا الإنسان الذي ينتمي اليه وهذا يحتاج الى تراكم معرفي يخلق بداخل الإنسان وعي متقدم بمعطيات الحياة المعاصرة.فالتعامل مع الحياة بفهم نسبي يفتح الباب على مصرعيه امام الإنسان للنهل والتحصيل الواسع للمعارف والعلوم ويجعله ذو طبيعة متفتحة ذهنياً ومتقدة الاحساس اتجاه قضاياه المعاصرة واتجاه انسانيته ويصبح إنسان خلّق ومبدع مما يشعره بكيانه ويجعله منسجم مع ذاته ومع من حوله من حياة متجددة هو اعلم بحقائقها وخباياها. المفهوم النسبي للحياة يحتاج الى المعرفة الواسعة والاطلاع العميق لكافة الاتجاهات المعاصرة والى التحلي بروح البحث والتجديد وشعف المحبة للوصول الى الحقائق والمفاهيم المنسجة مع الواقع. فالمفهوم النسبي يجعل كل شئ قابل للصواب وايضا للخطأ حتى يتم تدارسه جيد وقتله بحث للوصول الى حقيقة جوهره والى ما يحمله من قوانين ومبادئ تنسجم مع الواقع بشكل طبيعي ومنطقي ولا تفرض عليه فرضاً.
*المستقبل اذن مع النسبية في التعامل مع الحياة وقضاياها ومع الوعي والمعرفة بكل تأكيد وهذا الدرس اثبتته الحضارة الإنسانية الحالية عبر تاريخها في نشر المفهوم النسبي كطريقة في التفكير بين شعوبها والذي قاد تلك الشعوب الى التفتح الذهني لما حولهم من معارف وحقائق وتجارب إنسانية قادت الى عصر التنوير المعرفي والانساني ومنه الى النهوض الحضاري الحالي لهم. فاتمنى من جميع الاحرار والمستنيرين من ابناء شعبي وقياداته ان يسعوا وراء نشر المفاهيم والمبادئ التي تقود الى التنوير والوعي بين افراد الشعب حتى نعبر بهم من مرحلة الظلام الفكري والثقافي الى نور العلم والمعرفة ومن ثم الى النهوض بهم حضاريا من خلال الانفلات والثورة على واقعهم الظلامي للوصول الى الحرية والوعي والتقدم الحضاري والتنموي.

معاذ عمر حمور
[email protected]





تعليقات 1 | إهداء 0 | زيارات 415

خدمات المحتوى


التعليقات
#1792640 [البخاري]
0.00/5 (0 صوت)

07-19-2018 03:34 PM
هل استعنت بكتاب كارل بوبر، منطق الكشف العلمي، وأنت تكتب هذا المقال الرشيق الأنيق الذي حلق بنا عالياً في سماء فلسفة العلوم؟

في جميع الأحوال نرجو أن تواصل في هذا الموضوع الشيق القديم الجيد.

ولك التحية.


معاذ عمر حمور
معاذ عمر حمور

مساحة اعلانية




الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.
Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2024 alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة