المقالات
السياسة
افريقيا والقضاء الجنائى الدولى
افريقيا والقضاء الجنائى الدولى
07-18-2018 12:00 PM

القضاء الجنائى الدولى فى افريقيا.. من المحاكم الجنائية الخاصة الى المحكمة الجنائية الدولية

منذ انشاء هئية الامم المتحدة فى العام 1945م كان واضحا للعيان ان القوى العظمى تسعى للامساك بزمام الامور فى العالم ، فهى قد علمت الدرس الذى دونته عصبة الامم على مجمل الاوضاع التى كانت سائدة وقتذاك , ، وعملت منذ اللحظة الاولى على تكوين جسم صغير وفعال تمسك هى بدفته لتوجه بها الاوضاع الامنية والعسكرية فى العالم الى حيث تكون مصالحها الاستراتيجية ـ فانشئت مجلس الامن الدولي وذودته بكل ما يجعلها تسيطر عليه حينما يريد اتخاذ قراراته .
انتبه المجتمع الدولى منذ وقت باكر الى ما تسببه الحروب والنزعات المسلحة حول العالم من مآس وفظائع على الاشخاص المدنيين الذين لا علاقة لهم بها وراى الناس راى العين الاعداد الهائلة من المدنيين الذين سقطوا قتلى وجرحى وغرقى اثناء الحرب العالمية الثانية لهذا بدا التفكير جديا لوضع نظام قضائى دولى يستطيع محاسبة القادة العسكريين والمدنيين الذين يقومون بانتهاك قواعد القانون الدولى الانسانى اثناء الحروب والنزاعات المسلحة من خلال استهدافهم للمدنيين العزل وتدميرهم للمنشآت المدنية التى لا علاقة لها بالحرب ، واذا تجاوزنا ما تم فى اتفاقية فرساى سنة 1929م فان اول نظام قضائى مؤسس على مرجعيات دولية هى المحاكم الدولية الخاصة التى قام بانشاءها مجلس الامن الدولى بموجب صلاحياته تحت الفصل السابع من ميثاق الامم المتحدة ، وقد كان السبب الاساسى لانشاء تلك المحاكم هو وجود انتهاكات واسعة للقانون الدولى الانسانى فى بعض مناطق العالم ، وقد تمثلت تلك المحاكم فى نموذجين هما المحكمة الجنائية الدولية الخاصة بيوغسلافيا السابقة والمحكمة الجنائية الدولية الخاصة برواندا ، ولعل العالم كله رأى بام عينه الفظاعات التى تم ارتكابها اثناء حرب البلقان فى يوغسلافيا السابقة والمجازر التى حدثت للهوتو وفى منطقة البحيرات العظمى فى افريقيا ، ونسبة لتلك الفظاعات وتحت ضغط المنظمات الحقوقية عمدت الامم المتحدة ممثلة فى مجلس الامن الدولى باصدار قرارين تحت الفصل السابع بانشاء تلك المحاكم لمحاكمة كل الاشخاص الذين قاموا بانتهاك القانون الدولى الانسانى فى النزاع المسلح فى كل من يوغسلافيا السابقة وروندا .اذن فان احدى اولى المحاكمات الدولية عن انتهاكات واسعة للقانون الدولى الانسانى كانت فى افريقيا ومن حينها بدأت علاقة افريقيا بالقضاء الجنائى الدولى . لا يمكن لاحد ان يقول ان المحكمة الجنائية الدولية الخاصة بروندا تم انشاءها من فراغ فصور القتل والنزوح واللجوء التى حدثت فى منطقة الابحيرات العظمى فى عام 1994م وما بعده كانت قاسية قساوة الصراع القبيلى العنيف الذى عم تلك المنطقة انذاك ، ولا يستطيع احد ان يقول ان الاشخاص الذين قاموا بانتهاك القانون الدولى الانسانى فى ذلك الصراع سيخضعون يوما لمحاكمات القضاء الوطنى فى تلك المنطقة فمن المعلوم ان ذلك الصراع يقوده القادة الكبار فى الدولة والذين يعلمون انهم فى مأمن من اية محاسبة قانونية فى دولهم . اذن فان قرار مجلس الامن الدولى بانشاء محكمة جنائية دولية فى رواندا كانت له اسبابه القانونية تماما كما كانت له مبرراته الوقائعية . ولكن هناك مأخذان على مجلس الامن الدولى
فى اصداره لقرار انشاء المحكمة يتعلق الاول منها بصلاحياته فى انشاء محاكم جنائية دولية حيث يرى بعض الفقهاء انه لا يوجد فى الفصل السابع اى نص يعطى مجلس الامن الحق فى انشاء محاكم جنائية دولية وان مجلس الامن لم يوفق فى تاويله من حقه فى حفظ السلم والامن الدوللين يعطيه الحق فى محاكمة الاشخاص الذين ينتهكوم قواعد القانون الدولى الانسانى ، والمأخذ الثانى هو انه ليس بفريقيا فقط من يقومون بانتهاك القانون الدولى الانسانى فهنالك الكثير على نطاق العالم يقومون بانتهاك تلك القواعد مثل الاحتلال الاسرائيلى فى فسلطين، عليه فانه ليس من العدل ان يتم اختيار منطقة البحيرات وحدها كاحد المناطق التى تنشألها محكمة جنائية دولية حيث كان يجب ان يتم اختيار كل النزاعات التى تكت فيها انتهاكات واسعة للقانون الدولى الانسانى وتنشأ لها محاكم دولية خاصة ، ولكن نظام اتخاذ القرارات فى مجلس الامن يستبعد كل المناطق التى تقع تحت حماية احدى الدول الدائمة العضوية فيه ولهذا كان من الطبيعى استبعاد النزاع المسلح فى فلسطين والعراق وافغانستان لان من يقومون بانتهاك قواعد القانون الدولى فى تلك المناطق يقعون تحت حماية احد الدول الخمس الدائمة العضوية .
امتدت علاقة افريفيا بالقضاء الجنائى الدولية الى المحكمة الجنائية الدولية التى تم انشاءها فى عام 1998م بالتوقيع على النظام الاساسى المعروف باتفاقية روما لانشاء المحكمة الجنائية الدولية حيث هرعت مجموعة مقدرة من الدول الافريقية الى الانضمام الى تلك المحكمة حيث صدقت 13 دولة افريقية على النظام الاساسى للمحكمة الجنائية الدولية فى الوقت الذى امتنعت العديد من الدول عن التصديق عليه من بينها الولايات المتحدة واسرائيل .
كان ولا يزال وسيظل مصير المنظمات الدولية كلها مرتبط بموازين القوى الدولية ومن بين تلك المنظمات المحكمة الجنائية الدولية التى لم يولد نظامها الاساسى الا بعدما تم الاتفاق على حلول وسط بين موجبات العدالة الدولية ورغبات القوى الدولية الكبرى ، ومن بين ابرز تلك الحلول الوسط نص المادة 13ب الذى اعطى لمجلس الامن الدولى الحق فى احالة النزاع الذى يراه مهددا للامن والسلم الدوليين الى المحكمة الجنائية الدولية ولا يغيب عن النظر هدف هذا النص الذى لم يتم استعماله الا مرة واحدة وهو احالة النزاع فى دارفور الى المحكمة والذى ادى فى نهاية الامر الى اصدار امر قبض على الرئيس الافريقى السودانى ، ومع ذلك فان المحكمة الجنائية الدولية قد نظرت خلال فترتها القصيرة فى سبع حالات تتعلق بمواطنيين افارقة وهو ماجعل معظم الدول الافريقية تسلم بان المحكمة الجنائية الدولية ما هى الا آداة للاتحاد الاوربى ومريكا للتلط على الافارقة والعودة بهم الى عهود الرق القديمة تحت مظلة القانون ، والا فما الذى يجعل مجلس الامن الدولى يفشل فى احالة النزاع السورى والنزاع الفلسطينى ومجازر الروهينقا الى المحكمة الجنائية الدولية بالرغم من الانتهاكات الواسعة للقانون الدولى الانسانى التى حدثت فى تلك النزاعات، حتى تعالت الاصوات اخيرا بانسحاب الدول الافريقية من ميثاق روما المنشئ للمحكمة الجنائية الدولية.كما قامت بعض الدول الافريقية الموقعة على ميثاق روما الاساسى برفض التعاون رسميا مع المحكمة الجنائية الدولية فى اتخاذ اجراءت ضد بعض المسؤليين السودانيين من بينهم رئيس الدولة مثل افريقيا الوسطى التى رفضت القبض على الرئيس عمر البشير فى اجتماع طارئ حضره رئيس الدولة وبعض الوزراء ،كماصوت البرلمان الكينى على الانسحاب من المحكمة الجنائية الدولية ووصف بعض نوابه المحكمة بانها استعمارية تستهدف محاكمة الافارقة دون سواهم ، ورفضت تشاد القبض على الرئيس عمر البشير كما رفضت مقابلة وفد الجنائية الذى وصل انجمينا بترتيب من حركة العدل والمساواة وايضا رفضت كل من ملاوى وجيبوتى وجنوب افريقيا التعاون مع المحكمة بالقبض على الرئيس البشير ، وقد تبلور كل ذلك الرفض بقرار الذى اصدرته القمة الافرقية رقم (15) فى مدينة سرت بليبيا والذى ادان فيه قرار الجنائية بتوقيف الرئس البشير باجماع ثلاثون دولة .
بالرغم من الهدوء الذى اصاب العلاقة بين المحكمة الجنائية الدولية وافريقيا الا ان لا يبدو ان هنالك حلا واضحا للاذمة وان كل الدول الافرقية على اجماع كامل على عدم التعاون مع المحكمة الا بعد التوصل لحلول مرضية فيما يتعلق باوامر التوقيف ضد الرئيس البشير ، وان تلك الخلول تبدو عصية فى هذا الظرف نسبة لتمسك الجنائية بتلك الاوامر وعدم استعدادها للتراجع عنها.
اذن فالعلاقة بين القضاء الجنائى الدولى القارة الافرقية قد شابهاالكثير من الالتباس والشك وان الوقائع التاريخية قد ساهمت فى ان تكون قارة افريقيا هدفا سهلا لذلك القضاء ولذلك فانه ليس من الميسور على المدى القريب ان تنشأ علاقة طبيعية بين المحاكم الجنائية الدولية سوءا المؤقتة منها والدائمة وان كل المحاكم الدولية ستكون مكان شك كبير فى نظر الافارقة لانه لا حماية لهم داخل اروقة مجلس الامن كما يحدث فى حالة النزاع السورى ولا شفيع لهم بين هيئات المحكمة الجنائية الدولية مثل ما يحدث مع قادة العدو الاسرائيلى داخل الاراضى الفلسطينية .
ناجى احمد الصديق المحامى
[email protected]





تعليقات 2 | إهداء 0 | زيارات 551

خدمات المحتوى


التعليقات
#1792500 [البخاري]
0.00/5 (0 صوت)

07-19-2018 08:39 AM
إفريقيا هي قارة الدكتاتوريات والفساد..
الرئيس الإفريقي يريد أن يحكم من المهد إلى اللحد .. إن ظواهر مثل موغابي وموسيفيني والبشير لا يمكن أن تجد لها مثيلاً آخر في الكرة الآرضية، وقد انتهى عصر الديناصورات..

الرؤساء الأفارقة لا يتورعون في إبادة شعوبهم وإفناءها بغرض البقاء في الحكم، فلا عجب إن كانت إفريقيا في مقدمة القارات اتنهاكاً لحقوق مواطنيها.

إسرائيل تنتهك حقوق شعباً آخر تراه عدواً لها، ولكنها توفر الرفاه لشعبها اليهودي. أما الرؤساء الأفارقة فينتهكون حقوق شعوبهم نفسها.

لقد حوت قائمة المتهمين للمحكمة الجنائية الدولية ليوغسلافيا السابقة (والتي تحولت بموجب ميثاق روما إلى محكمة الجزاء الدولية) على 161 متهماً من الصرب والكروات والبوشناق، تم جلب معظهم لساحة المحكمة، فالقول باستهداف الرؤساء الأفارقة المجرمين مردود عليه، وقد مثل الرئيس الكيني كينياتا أمام المحكمة قبل عدد من السنين وبرأ ساحته، كما أن وزير الصحة الولائي أبو قردة قد مثل أمامها أيضاً ونال الحكم بالبراءة في قضية التعدي علي البعثة الدولية بدارفور.

يجب على الرئيس البشير المثول أمام المحكمة وتبرءة ساحته، إن كان بريئاً، قبل أن تتغير الأوضاع السياسية ويتم تسليمه مكبلاً بالحديد للمحكمة، كما حدث لدكتاور صربيا السابق سلوبودان ميلوشيفتش.


ناجى احمد الصديق ا
ناجى احمد الصديق ا

مساحة اعلانية




الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.
Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2022 alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة