المقالات
السياسة
قادة السُّودان وتناسي دروس التاريخ
قادة السُّودان وتناسي دروس التاريخ
07-22-2018 03:39 PM

صارت الممارسة السياسيَّة بإيجابياتها وسلبياتها حرفة يسترزق منها بعض الأفراد في جميع أنحاء العالم. ففي الدول التي تعيش شعوبها دون المستوى المطلوب، تتمظهر سلبيات تلك الممارسة في الفساد المالي والإداري والاجتماعي والأخلاقي بصور مخيفة. السُّودان ليس بحالة استثنائيَّة فهو يؤثِّر ويتأثَّر بما يدور حوله خاصة مع العولمة والتطوُّر الكبير في جميع مناحي الحياة. فما يميِّز شعبه السالف أنَّه كان شغوفاً ومولعاً بالقراءة وطوَّاقاً لها لما فيها من تغذية للروح وتنشيط العقل للتفكير والإبداع. فكم أبدع وتفوَّق بعض نخب هذا الشعب في مجالات كثيرة في محيطه المحلي والإقليمي والعالمي؛ ومع ذلك كله كان دائماً يخطىء بعضهم قراءة تاريخه وتاريخ الأمم الأخرى وتجاربها، القديم والمعاصر منها لتعلُّم الأخطاء التي ارتكبت للاستفادة بدلاً عن الإصرار على نقلها وتكرارها. يحدث ذلك بصورة رتيبة عندما يتعلَّق الأمر بمخاطبة قضاياه الملحة التي خلقها بنفسه، فإذا بالسُّودان اليوم من أكثر دول العالم اضطراباً داخلياً.
فهناك حرب دائرة في جبال النُّوبة أو "الجنوب الجديد" كما يسميه بعض غلاة الكراهية والتفرقة والعنصريَّة، إذ لم تكن التسميَّة على حقيقة الواقع الجغرافي الجديد للمنطقة. وفي النيل الأزرق حرب، وفي دارفور احتراب حيث يحترق الأخضر واليابس والإنسان؛ وفي داخل المدن ينعدم الأمن والاستقرار والطمأنينة نتيجة الاستعلاء والنظرة الدونيَّة تجاه الآخرين؛ وكما يتم انتهاك لحقوق الإنسان في وسطه وشماله وشرقه. فلو كنا قد قرأنا التاريخ جيداً وفهمناه أو تفهمناه لتعلَّمنا أخطاء سلفنا ولما انفصل الجنوب، ولاستقر السُّودان ولسادت التنميَّة أفقياً ورأسياً، ولما هاجر أهله، لأنَّ ما على أرض السُّودان وما تحت سمائه من موارد عظيم، وما في باطن أرضه أكثر وأعظم، واستغلاه الأمثل يحول دون هجرتهم بحثاً عن حياة أفضل لهم ولأبنائهم.
البلاد باختصار شديد في حالة غليان التي سيعقبها الانفجار الهائل، والفوضى والعاصفة العارمة إذا لم يدركه أهله. فهذا ليس بنبوءة لوقوع ما هو واقع، فالحال بلا شك توحي بذلك. إذن، السؤال المنطقي هو كيف لهذا الشعب القارىء خلق مشاكله ثم يقف حائراً متحيِّراً، مضطرباً ومرتبكاً ومتشتت الأفكار والتفكير حيال ما يفعله لإيجاد الحلول المثلى لتلك المشاكل مع أنَّه يسعى بجهد لحل مشاكل الغير؟ والأغرب أنَّه يلقي باللوم على أيادي وأسنان وعيون خارجيَّة: الغرب الكافر تارة، والكيان الصهيوني تارة أخرى، أو الاثنان معاً. إذ رمت الحكومة السُّودانيَّة نفسها بثقل لاستضافة جلسات المفاوضات المباشرة بعاصمتها الخرطوم، بدلاً عن أديس أبابا، إثيوبيا، دولة المبادرة. هذه التحركات موضع الشك وتكهنات نتائجها ومآلاتها في كف عفريت. فالرحلات المكوكيَّة التي يقوم بها الدكتور الدريري محمد أحمد، وزير الخارجيَّة السُّوداني، إلى أديس أبابا لحث المنظمة للضغط على الجنوبيين للتوقيع على مسودة الاتفاق يوم الخميس الماضي بعد أن رفضوا التوقيع عليها يوم الأربعاء تشي بشيء ما.
فتدخل الحكومة السُّودانيَّة المباشر ونقل مشاورات الحل إلى الخرطوم لم يكن عبثاً ولا اعتباطاً لو لا أنَّها جزء أصيل وكبير من المشكلة، وكما لها مصالح اقتصاديَّة تريد تحقيقها من وراء هذا الود والتودد وإلا لماذا لم تبادر بمشروع الوفاق؟ وهذا على سبيل المثل القائل: فاقد الشيء لا يعطيه. فلو لا الضائقة الاقتصاديَّة، والعزلة الدوليَّة، وانقطاع الوصال مع الدول العربيَّة المانحة التي كانت تمنح للحكومات السُّودانيَّة من عائدات بترولها بسخاء لتنمية، ولاستثماراتها في شمال السُّودان النيلي، وإحجام بيوتات التمويل العالميَّة عن اقتراض السُّودان، لما أقدم على مثل هذه الخطوة. ولا يختلف اثنان في كل الأموال التي تأتي من الخارج الشقيق والصديق ومن غير العدو غير الشقيق الكافر اُستغلت كوديعة شخصية في تغذية روح الصرف البذخي لسلاطين الدولة. نعني ما نقول إذ ليس ببعيد مواقف الحكومة العدائيَّة للجنوب والخطب الجماهيريَّة الرسميَّة من المسؤلين، وكلامهم المسيء في المهرجانات الشعبيَّة ضد الجنوب والجنوبيين حيث لم تخل جميعها من سب ونبز لكل الجنوب بما فيه ومَن فيه.
ففي المضمار الاقتصادي وانهياره وفشل الدولة، كتب الصحفيون والمهتمون بالأوضاع المزرية في البلدين، وحلَّل المحللون السياسيون وغيرهم، وأدلى علماء السياسة بدلوهم وبآرائهم المنهجيَّة العلميَّة النيرة. وليس لنا ما نضيف غير تمنياتنا بنجاح كل الجهود التي ترمي بحق وحقيقة إلى رأب الصدع بين الإخوة الجنوبيين، ووقف نزيف الدم والتآم الجراح، وتحقيق السلام. هذا مهم لأنَّ الحرب ليست نزهة يتنزهها الفرد ولا هي ترفيهاً لتنفيس الخاطر، بل محنة مؤلمة تموت فيها كل آمال الإنسان ويقضي نحبه. فضحايا الحرب فقدوا كل شيء، ولم يبق من إنسانيتهم وآدميتهم شيء، فالتضامن معهم بل مع كل الشعوب المضطهدة والمظلومة أينما كانت، بغض النظر عن الدين أو العرق أو اللون أو النوع إلخ... فرض عين.
عوداً إلى قضية السُّودان لنسأل لماذا يصر أصحاب المنازل الزجاجيَّة الفيحاء على تحريض الاقتتال بين أبناء البلد الواحد بدلاً عن الحل الشامل للمشكل؟ فشمولية حل القضايا السُّودانيَّة، مع مراعاة الخصوصيَّة لبعض مناطقه المتأثرة تأثيراً سالباً ومباشراً بالحرب حق، وتجاهل أو إقصاء أي كائن باطل؛ مهما كانت الأسباب والمرجعيَّة التاريخيَّة أو الدينيَّة، أو الحزبيَّة أو الطائفيَّة الرجعيَّة. فأهل الشمال النيلي الذين تعرَّضت أراضيهم للاستيلاء لبناء السدود والخزانات الفاشلة يستحقون التعويض المجزي والمرضي، وأهل ومواطنو الخرطوم ذاتها، الذين قُتلوا أو أنتهكت حقوقهم يستاهلون - على الأقل –الإنصاف على مشقتهم ومصابهم. وضحايا مذبحة بورتسودان وكل مدن السُّودان المختلفة، الكبيرة والصغيرة لهم حق لتمضيض جراحهم وتطييب خواطرهم، ولو معنويَّاً.
أما أهالي الجنوب الجديد (جبال النُّوبة) فقد مسَّهم الضرُ أكثر من أية فئة مع أنَّهم أكثر الناس تصالحاً مع أنفسهم، وتسامحاً وسلاماً مع غيرهم، ولكن وقع عليهم الظلم والإجراء الجائر، وسلَّطت عليهم الحكومة بسلاحها الفتاك جرحاً غائراً. فبالجور البواح أعلن فقهاؤها الجهاد عليهم رغم أنَّ غالبيتهم مسلمة، ولكن لم يشفع لهم إسلامهم فقُتِلوا وشُرِدوا، وتركوا ديارهم والأطلال وراءهم، فما أقسي هجر الدار والديار. فلا غرابة فقد نودي عليهم نداء الكراهية بـ "أكسح، أمسح، قشو كلو، ما تجيبو حي؛ ما دايرين أعباء إداريَّة." دلالة النداء بمعنى أدق "أبيدوهم ولا تذروا منهم حياً ولا دارًا"، فما أقبح ظلم الإنسان لأخيه! ومثل تجربة النُّوبة تحديداً وقع نفس الضيم على أهالي النيل الأزرق، وكيف لا وهم جميعا شركاء في المحنة.
فما العمل لرد المظالم إذن؟ شعوب النُّوبة والنيل الأزرق بإثنياتهم جميعهم يطالبون بالاعتراف بما لحق بهم من مظلمة والاعتذارعن العبوديَّة والاسترقاق التي طالت أسلافهم. الاعتراف والاعتذار اللذان أصبحا سنة من سنن العالم المتحضِّر تجاه شعبه الذي ظُلِم؛ ثم هم جديرون بالعدل أمام القانون حكماً، والمساواة في المعاملةً دون تجريح لهم، وحرية التعبير والحياة إلخ... كما لهم الحق في حكم أنفسهم وإدارة شئوونهم ضمن السُّودان الموحَّد المتحد، بشرط توفُّر العدالة والمساواة والحريَّة والديمقراطيَّة وفي دولة خالية من الشريعة الإسلاميَّة، وإلا كان لهم خيار آخر ألا وهو حق تقرير المصير، والمشاركة في السلطة المركزيَّة فعليَّاً لا صوريَّاً بقدر تضحياتهم من أجل السُّودان إذ كانوا ولا يزالون يحمونه ويذودون عنه بأرواحهم. قضايا أراضيهم التي انتزعت منهم عنوة وظلماً هي قضايا محوريَّة، وهي جزء أساسي في أية تسوية للقضية، مثلما لأهالي كجبار والمناصير في أراضيهم مظلمة. وفي ذلك لا يرغبون في ظلم أحد، إذ ينبغي القسمة العادلة مع الأغيار، وليس قسمة ضيزى. تلك هي بعض مطالب أهل جبال النُّوبة والنيل الأزرق.
أما في دارفور الثالثة الأخرى التي احترقت وتحترق وتشرَّد أهلها ففقدوا الكثير مما كانوا يملكون، لهم حقوقهم المشروعة التي ينبغي أيضاً الاستجابة لها حقناً للدماء. إذ هم يطالبون بإعادة حواكيرهم إليهم وعودتهم جميعاً إلى قراهم وتعويضهم بالقسطاس المستقيم للما لحق بهم من ضرر مادي ونفسي واجتماعي. وقبل هذا كله ينبغي وقف إطلاق النار في الإقليم ولجم ميليشيات الجنجويد الحكوميَّة التي تعيث في أرض دارفور فساداً. بيد أنَّه ليس هناك أكبر فتنة من تحريض أبناء الإقليم لقتل بعضهم بعضاً على أساس عرقي وعلى أنَّ هؤلاء زرقة وأولئك تجمع عربي، فتلك مصطلحات فضفاضة يتقاتلون عليها والمحرضون على الأرائكة ينظرون. التحريض الذي لم تسمع به الأجيال السابقة إلا من مناوشات هنا وهناك حتى جاء الجن والشيطان الرجيم بإيعاز من المركز المختل ففتق النسيج الاجتماعي الذي ساد قروناً.
بعد هذا كله ما هي إستراتيجيّة الحل الشامل الحقيقي؟ نعتقد أنَّه ينبغي الانخراط في عقد اجتماعي جديد بوضع الخطوط العامة للدستور العلماني ومناقشة العلاقات الدستوريَّة بين الأقاليم الطرفيَّة وبقية الأقليم الوسطيَّة والمركز، وسن القوانين العادلة التي تساوي بين المواطنين وتخاطب تظلمات أهل تلك الأقاليم، وتحفظ سيادة القانون نفسه وتطبيقه على الكل. القوانين التي تهدف إلى دمل جراحات الماضي البعيد والقريب والمعاصر وتفادي حدوث أية نتوءات مستقبلية في جسم الشعب السُّوداني. السُّودان مليىء بمن يقومون بتلك المهمة. فالسُّودانيون بينهم كفاءات مؤهلة تأهيلاً علميَّاً عالياً ورفيعاً وفي كل المجالات والتخصصات، رغم انتشار غالبيتهم في دول الشتات وهم أيضاً من مختلف أقاليم وقرى السُّودان وأعراقه وإثنياته ما يجعلهم يقفون على مصطبة واحدة والعمل من أجل نهضة السُّودان، وذلك دون إقصاء لأحد أو احتقاره بسبب انتمائه العرقي، أو توجهه الحزبي أو معتقده الديني. وفوق ذلك، السُّودان ليس هو سُّودان ما قبل التاسع من يناير 2005م، ولا شعبه هو ذاك الشعب الهائم، كما عبَّر عنه الراحل الدكتور جون قرنق بأبلغ عبارة: "لن يكون السُّودان كما كان أبداً – Sudan will never be the same".

[email protected]





تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 983

خدمات المحتوى


الدكتور قندول إبراهيم قندول
الدكتور قندول إبراهيم قندول

مساحة اعلانية




الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.
Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2024 alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة