المقالات
السياسة
الحركة الشعبية جنوب السودان بين صناعة الوهم وتدمير الذات!
الحركة الشعبية جنوب السودان بين صناعة الوهم وتدمير الذات!
08-01-2018 09:27 AM

فى ذكرى القائد العظيم ، الزعيم السودانى الملهم جون قرن دى مبيور، والذى لا أعلم حتى الان الجهة المسؤلة عن قتله ؟

بين الذى حلم به القائد الوطنى جون قرن دى مابيور ، فكر فيه ولاجله ، سعى لتحقيقه فى السودان من خلال مسيرة نضاله العامرة بالوطنية ، البطولات و العبر ، الذى وهب روحه من اجله ، وبين الوضع الذى الت له البلاد بعد حادثة وفاته المفجعة يمكننى قول الاتى .

1 -

التغيير لا ينجزه القائد وحده (فى غياب وعى القاعدة ) ، مهما بلغ من الذكاء ، الوطنية ، التضحية ، المحبة و الاخلاص.
فبدون وعى القاعدة الواضح بالقضية و ابعادها الوطنية ، الاقليمية و الدولية ، بدون تصور اولى عن حقيقة الصراع الاجتماعى وادواته ، لا يمكن بناء دولة بالمعنى الحقيقى .

ذلك ان النضال المسلح وحده لا يكفى لانجاز التغيير ، فبدون التدريب الصبور الدءوب على فكرة بناء الوطن الذى يسع الجميع من خلال فنون العمل السلمى المدنى يمكن للثوار حملة السلاح تدمير بلادهم وذاتهم بعد هزيمة العدو او الوصول معه لصيغة سلام .

2 -

مقولة ان الثورات تأكل أبناءها مقولة صحيحة وفق شروط تاريخية محددة اهمها غياب الوعى الجمعى بالحقوق و الواجبات ، عدم انخراط الجماهير فى النضال السلمى تحت قيادة طلائعها ، ذلك انه من اجل تغيير الاوضاع فى البلاد نحتاج اولا لبناء الانسان الواعى بحقوقه و واجباته الذى سيعمل من خلال وعيه لانجاز التغيير على الارض .

فبدون العمل السلمى المنظم الصبور ، وبناء الانسان الذى يؤمن بالمواطنة ،التعدد الثقافى و التبادل السلمى للسلطة ، لن يتم انجاز التغيير وبناء النظام العلمانى الديمقراطى التعددى المستدام .


3 –

اختلفت الحركة الشعبية لتحرير السودان عن الكثير من الحركات الثورية ( حركات التحرر الوطنى ) التى حملت السلاح ( انظر لتاريخ و مسيرة المؤتمر الافريقى فى جنوب افريقيا مثلا) ، بتمسكها الشديد الملفت للنظر بالتراتيبية العسكرية ، مما نبه منذ وقت مبكر لافتقارها للوعى بضرورة الاعداد و التجهيز لفترة ما بعد الصراع المسلح. الامر الذى ادى بالضرورة لضيق دائرة صنع القرار داخل الحركة.

وعلى الرغم من الافكار المميزة التى تبناها القائد جون قرن و الحركة الشعبية كتنظيم ، إلا انه من الواضح ان معظم قيادات و قواعد الحركة الشعبية فى جنوب السودان انتموا لها دون ان يكون الدافع القيم و المبادئ و الشعارات التى نادى بها قرن ، اى دون ان يكتسبوا الوعى بالطرح القومى للحركة بالتالى فلقد احتفظوا بوعيهم القبلي.
الامر الذى ادى فى المحصلة لتراكم التناقضات و الازمات البنيوية فى جسد الحركة ، تمهيدا لانفجار القتال القبلى الدموى بين قبائل جنوب السودان بعد انهيار اتفاق السلام الذى وقع عليه الطرفان فى اغسطس 2015 في العاصمة الأثيوبية، أديس أبابا ، فى محرقة تصاعدت لم يشهد التاريخ مثيلا لها إلا فى تجارب نادرة ، كما جاء فى تقارير الامم المتحدة ( تطهير عِرقيٌّ وقُرًى تم حرَّقها ومجاعات واغتصابات جماعية،) .

بدأت الأزمة في يوليو 2013، عندما أعفى الرئيس سلفا كير نائبه رياك مشار وجميع أعضاء حكومة جنوب السودان، في أكبر تغييرٍ وزاري تشهده الجمهورية منذ استقلالها في يوليو 2011. كما أحال باقان أموم، وهو الأمين العامّ للحركة الشعبية لتحرير السودان التي تعدّ الحزب الحاكم في جنوب السودان، إلى التحقيق، وذلك عقب تصريحات علنية لأموم انتقد فيها أداء الحكومة. وجاءت تلك القرارات نتيجة صراعٍ خفيٍّ ظلّ يتصاعد بين قادة الحركة الشعبية لتحرير السودان، منذ مقتل الزعيم التاريخي للحركة، جون قرنق، في حادث تحطّم مروحية غامض لم يعلن حتى الان عن التفاصيل الحقيقية حول مقتله، في يوليو 2005
4 -

اهدرت الحركة الشعبية فرصة تاريخية عظيمة عام 2005 ، بعد اتفاق السلام وذلك على محورين ، الاول عند عودة قياداتها للخرطوم بعد اتفاق نيفاشا حيث استقبتلهم الجماهير السودانية فى الخرطوم ، وفى كل ولايات الشمال الجغرافى بترحيب كبير وبثقة عريضة يحدوها الامل بان الحركة تملك الحلول لمشاكل البلاد التاريخية والآنية ، و فى انها ستعمل على إنها معاناتهم التاريخية ، وتساهم فى بناء وطن معافى .
تقدمت اعداد كبيرة جدا من بنات وابناء الشعب السودانى زوى الاصول من شمال السودان الجغرافى من اجل الانضمام للحركة الشعبية وتبنى مشروعها للسودان الجديد.
لكن الحركة فى انغلاقها العسكرى التراتبى لم تتعامل مع الجماهير بجدية و اتجهت للاكتفاء بتقاسم السلطة و الاحتفاظ بالاعداد الضخمة التى طلبت عضويتها خارج دائرة المشاركة السياسة و المساهمة فى الفعل اى (كجوغة فقط) .
المحور الثانى لم تبذل الحركة بعد اتفاق السلام اى جهد من اجل تكوين حزب مدنى له امتداداته فى جنوب السودان يتجاوز القبلية ، ويعمل على نشر الوعى القومى ، و اتاحة الفرصة وتهيئة المناخ لنشؤ منظمات العمل المدنى والمنظمات الشبابية و النسائية فى جنوب السودان ، ، و التعاون مع بقية الاحزاب فى الجنوب و اشراكهم فى السلطة الاقليمية ، وانشاء مدارس التدريب على العمل المدنى و فتح المجال لنشؤ حراك سلمى مدنى لتنمية المجتمع و القدارات.

5 -

من الواضح انه لم يكن قد توفر لقيادات الحركة الشعبية الوضوح النظرى حول تطوير مقولاتها عن السودان الجديد واكمال فكرتها و الانتقال بها من مجرد نقد السودان القديم الى اكمال رؤية عن كيفية بناء الانسان وتحديد منهج او مناهج للادارة و حكم الدولة ، وعن كيفية تكوين تنظيم مدنى ديمقراطى يبشر بافكارها و يعمل من خلال ادوات الصراع الاجتماعى السلمية على الانتشار و التوسع فى شمال السودان

ونتيجة لسيطرة فكرة الاعتماد على التراتبية العسكرية داخل الحركة الشعبية كمعيار للانتماء و الترقى داخل الحركة الشعبية بعد قدومها للخرطوم ، و فى نفس الوقت ضعف او انتفاء فكرة تطوير افكار الحركة وبلورتها لفكرة مكتملة لبناء التنظيم و المساهمة فى بناء الدولة عن طريق بناء تنظيم مدنى متماسك وقوى ، نتيجة لكل ذلك ظلت الحركة محصورة في الاسماء نفسها ، حاملة الرتب العسكرية و التى ظلت تتردد رتبها العسكرية من ميادين القتال، اى انهم قابلوا الذين اقبلوا عليهم بكل الحب ، بكل الشك ن واكتفوا (باهل الثقة) ، الذين قاتلوا فى الاحراش .

6 -

تعاملت الحركة بعد تقاسمها السلطة مع المؤتمر الوطنى مع مناصب الدولة السودانية كغنيمة حرب فارضت بها العسكريين المنتمين لها بغض النظر عن التاهيل و القدرات على ادارة شئون الدولة .
واستمرت الحركة حتى بعد تقاسم السلطة تعمل وفق مركزية صارمة ، وظل القرار فيها يتخذ عبر دائرة ضيقة تعتمد على التوازنات القبيلة ، واوضح مثال على ذلك وضعية كل من اياك مشار داخل الحركة باعتباره الرجل الثانى على الرغم من المزابح التى ارتكبها عام 1991 ، او ما اصطلح على تسميته "بحرب أيما " من قبل بعض اعضاء الحركة الشعبية لتحرير السودان وذلك لوصف الصراع الذي نشب في العام 1991 بين أتباع جون قرنق قائد الحركة و ثلاثة ضباط من مساعديه: رياك مشار ، لام أكول و غوردون كونق. الجدير بالذكر هنا ان رياك مشار كان قد تزوج قبل شهرين فقط من انقلابه من عاملة الإغاثة البريطانية " أيما ماك كون.
7 -
اما سلفاكير الموجود منذ البداية فى قمة التنظيم العسكرى للحركة، حيث تتركز كل خبراته ومعارفه فى المجال العسكرى و القتال ، نصب بحكم التراتيبية العسكرية داخل الحركة ( وليس الكفاءة ) بعد مقتل قرن ، نائبا لرئيس الجمهورية ورئيس حكومة الجنوب ، على الرغم من جهله بامور إدارة وقيادة الدولة. و تكفى الاحداث الدموية البشعة الجارية منذ دسمبر 2013 فى دولة جنوب السودان لتبين مدى افتقاره لاى حكمة انسانية او رؤية او حس انسانى ووطنى .

خلاصة :

فى واقع متخلف كواقعنا ، لا تستطيع البندقية وحدها مهما توفرت الفرص ، فى غياب الوعى بحقائق الصراع الاجتماعى ، واسباب المصائب و الازمات وكيفية معالجتها لا تستطيع حل الاشكالات الوطنية العميقة و من ناحية ثانية وعلى المستوى العملى فلا حل كذلك دون البناء والعمل (المدنى) الصبور المضنى. جنبا الى جنب مع الاخرين ، وفق الاقتناع بتعددية الرأى و الثقافة ، وتقديم قضية المواطنة ، بدون ذلك اثبتت لنا التجارب ان البندقية ستعمل عكس ما رفعت من اجله و تزيد احتمالات تدمير الذات .








تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 405

خدمات المحتوى


عبدالغفار سعيد
مساحة اعلانية




الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.
Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2024 alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة