المقالات
السياسة
الأستاذ الحاج رحال تية كوكو: أب حركة الحرية والحقوق المدنيَّة
الأستاذ الحاج رحال تية كوكو: أب حركة الحرية والحقوق المدنيَّة
08-01-2018 11:03 PM

قلنا وما زلنا وسنظل نقول إنَّ النُّوبة مهما ظنَّ بهم الأغيار ظن السوء والإثم فهم شعب عظيم، ومتحضِّر ومنظَّم ومفعم بحبه في شكله الجمعي وعناصره المتفاعلة فيما بينها دون إحداث أية فوضى والشواهد على ذلك كثيرة، فضلاً عن تميُّزهم بالانضباط امتثالاً لما لديهم من أدوات الضبط الاجتماعيَّة الراسخة في تراثهم. فمن رحم هذا الشعب خرج الأستاذ الحاج رحال تية بأخلاقه العالية، وأدبه الجم، وأمانته وضبط النفس أمام التعدي اللفظي السافر ضده وإساءة أهله النُّوبة، والصبر على الضرب، وتحمُّل ثقل التهديد بالقتل من قِبل المدعو عثمان الزين، نائب أمين عام الحركة الإسلاميَّة بولاية سنار، ومدير شركة تعاونيَّة إسلاميَّة. فبينما لم تنظر محكمة الاتهام في تهمتي الإساءة والإرهاب، تمت إدانته وعقوبته بجريمة إثارة النعرات القبليَّة والفتنة والعنصريَّة التي وجهتها له المحكمة برئاسة القاضي أشرف عبد الحميد، علاوة على أنَّ هيئة الاتهام تواصل استئنلاف التهمتين. وبما أنَّ المحكمة أقرَّت عقوبتي السجن والغرامة فإنَّ عثمان الزين أصبح مجرماً وهكذا تجب الإشارة إليه.

ومما توفَّر لنا من معلومات فإنَّ المجرم عثمان الزين ينحدر من أصول فلاتيَّة من جهة الأب، دون تحديد أية قبيلة أو إثنيَّة فلاتيَّة ينتمي، ومن أم كنانيَّة أي من منطقة كنانة بولاية سنار. فالانتماء إلى هذه القبيلة أو تلك الإثنية لا يهم، وإنَّما فظاعة وفظاظة ما أقدم عليه المجرم من قولٍ بذيءٍ نتن، وإساءة بالغة في الكراهية على شعب النُّوبة، وتجنٍ على أحد أعضائها. لا شك في أنَّ العدالة أخذت مجراها الطبيعي لولا إصرار الحاج رحال تية كوكو على انتزاع حقوقه المدنيَّة، وحقوق كل السُّودانيين. فالتحيَّة له بطلاً لأنَّه انتزع تلك الحقوق عن جدارة فصدقت المقولتان: "كوكو عِرِف"، و"سوف لن يكون السُّودان كما كان".

وعلى الرغم من أنَّ العقوبة غير رادعة ولينة ودون حجم الجريمة كما توقَّعناها ولأنَّ الفتنة أشد من القتل، إلا أنَّها تشير إلى السير في الاتجاه الصحيح. ويمكن عليها مراجعة القوانين الجاريَّة وسن أخرى أشد صرامة لمحاربة العنصريَّة، وتنظيم المعاملة والتعامل في كل المؤسسات والهيئات العامة والخاصة حتى لا يكون هناك تعدي لأي كائن من كان. بيد أنَّه ما كان لمثل هذا الاحتكاك أن يحدث لو لا العجرفة والغطرسة التي تميَّز بها المجرم عثمان وغيره من بعض السُّودانيين وحساسيتهم المفرطة ضد النظام والانضباط في أماكن تقديم أية خدمة، وسلوكهم تجاه بعضهم بعضاً. فها هو كوكو يلقننا درساً في هذين الشيئين: النظام والضبط. وفي كل مراحل تظلُّمه انتهج كوكو الانضباط دون ضجة أو ضوضاء ييثر الفوضى إذ كان الحادث في شهر رمضان الماضي ولم يظهر للعامة إلا بعد ولوج أروقة المحاكم مدفوعاً دفعاً إليها.

فللشعب السُّوداني الذي وقف بجانب الرصيف ينظر إلى النُّوبة في محنتهم هذه، نقول إنَّ ما قام به الحاج رحال تية رغم بساطته هو مناداة بالحقوق المدنيَّة لكم جميعاً، فهو يستنهضكم وليس النُّوبة فقط لنيل تلك الحقوق كاملة غير منقوصة. فمن منكم يقبل أو يرضى أن يقص أحد أمامه في صف خدمة عامة غير كبار السن أو ذوي الاحتياجات الخاصة؟ التاريخ البشري يحدثنا بأنَّ شرارة التغيير وإنفاذ الحقوق المدنيَّة دائماً ما تبدأ عفوياً دون تخطيط مسبق. فمثلاً، في اليوم الأول من ديسمبر 1955م بالولايات المتحدة الأمريكيَّة رفضت وقتذاك الآنسة روزا باركس أوامر سائق بص من البيض بالتخلي عن مقعدها في الجزء الخاص للملونين لراكب أبيض، آخر عندما امتلأ الجزء الخاص بهم. أغضب تصرُّفها البيض والسلطات الحكوميَّة فتم اعتقالها، مما أثار غضباً مضاداً من السُّود والملونين وبعض البيض لتلك العنجهية والتكبُّر والعنصريَّة، فقاطعوا ركوب البصات في جميع أنحاء البلاد. وهكذا أثبتت روزا أنَّ لكل فرد حق إلهي خاص ولا بد من التمتع به. فقد أدى موقفها المناهض للعنصريَّة إلى تسميتها بواسطة مجلس الشيوخ الأمريكي ب"سيدة الحقوق المدنيَّة، و"أم حركة الحرية". فلنسم الحاج رحال تية ب"سيد الحقوق المدنيَّة السُّودانيَّة، و"أب حركة الحرية"، لأنَّه سلك سلوكاً حضاريَّاً فسبق بذلك كل السُّودانيين، وبدون استثناء أو تحفظ. فالحاج لم يسمع بروزا باركس ودورها البطولي التحرري، وموقفه الثابت في مواجهة المجرم شعلة لإحداث تغيير جذري في الفهم، وتبني مشروع قانون الحقوق المدنيَّة والمساواة في التعامل والنظام في جميع المؤسسات الخدميَّة الحكوميَّة والشركات الخاصة دون تمييز على أساس أية دواعي كالاستعلاء العرقي أو الوظيفي. نبغي غرسها أنَّ تقديم الخدمة لمن يأتي أولاً شيء أساسي، ومسلك حضاري، وليكن بديلاً عن الفوضى والمحسوبية التي تعتبر مظهراً من مظاهر التخلف والرجعيَّة، والهمجية.

فلتستمر حملة مساندة الحاج رحال لمواصلة تحقيق الأهداف الساميَّة في المعاملة المتساوية، فضلاً عن الإسراع في النظر والبت في التهمتين الباقيتين؛ وألا تقتصر المساهمة في دفع بالقضية إلى نهاياتها في مدينة سنار فقط، بل في جميع أنحاء السُّودان وبكل قطاعاته لمناهضة السلوك اللاحضاري استنكاراً لسلوك المجرمين أمثال عثمان الزين بحكم مناصبهم الوظيفيَّة ومواقعهم القياديَّة، سواء أكانت حزبيَّة أو دينيَّة. ومهما يكن، كان اتخاذ المعالجات السريعة والإجراءات الفوريَّة الحاسمة قبل ظهور هذه القضية للعلن واجب حتى لا تحدث مثل هذه التفلتات مستقبلاً خاصة من المسئولين أو من يدعون المسئولية ضد أية فئة قبليَّة أو إثنيَّة أو فرد في السُّودان مهما علا شأنه أو قلَّ موقعه في السلم الاجتماعي. نعي تماماً أهمية هذه القضية بالنسبة للنُّوبة بصفة خاصة، والسُّودان بصفة عامة، ولكن كان من المفترض اتخاذ الإجراءات أدناه على الأقل لتطييب خاطر المجني عليه وتخفيف غضب النُّوبة العارم، وهم محقين، لأنَّ الإساءة إليهم إهانة وإذلال لأنَّهم لم يرتكبوا جريمة في حق أي شخص.

(1) كان على الحكومة الولائيَّة إصدار بيان استنكار هذا السلوك المشين للولاية ومواطنيها.
(2) كان على الحركة الإسلاميَّة بولاية سنار تجميد نشاط عثمان التنظيمي ومخصصاته، وإصدار بيان اعتذار للنُّوبة، خاصة لأعضاء حركتهم من النُّوبة في السُّودان، إلى حين النطق بالحكم بالإدانة أو والبراءة. أما بعد الإدانة فيجب عزله نهائياً من الحركة الإسلاميَّة لأنَّه صار خصماً عليها.
(3) كان على عضوية الحركة الإسلاميَّة وحزب المؤتمر الوطني من النُّوبة إظهار التضامن مع الحاج رحال تية. وبما أنَّ الجاني مذنب ينبغي عليهم الانسلاخ من هذين التنظيمين الظالمين احتجاجاً على مسلك الحكومة الولائيَّة والمركزيَّة وفشلها في التعامل مع هذه القضية باعتبارها قضية حقوق مدنيَّة قوميَّة.
(4) كان على الشركة التعاونيَّة الإسلاميَّة التي يديرها المجرم عثمان الزين التنديد والإدانة بمسلكه إذ يحتم عليه أن يكون قدوة وممثلاً نزيهاً في التعامل مع الموظفين داخل الشركة، وضبط سلوكه وتعامله مع المجتمع خارج الشركة. فبعد إدانته ينبغي فصله من الشركة، وألا تدفع الغرامة عنه مثلما تباهى أنَّ الشركة ستدفع دية قتله للحاج رحال، وإلا فهي شريكة في الجريمة، وتشجع عليها.
(5) كان على الإخوة الفلاتة وتحديداً القبيلة التي ينتمي إليها المجرم عثمان الزين إصدار بيان اعتذار للنُّوبة واستنكار لسلوك ابنهم والتبرؤ منه، لما أحدثه من نتوء في العلاقة بينهم وبين النُّوبة، بيد أنَّ بينهم رابطة وعلاقات مصاهرة ودم، والدم أثقل من الماء، وكلاهما أثقل من الدين.
(6) كان على تنظيمات المجتمع المدني أو أحزاب المعارضة داخليَّة أو خارجيَّة، حركات غير مسلحة أو مسلحة (باستثناء الحركة الشعبيَّة والجيش الشعبي لتحرير السُّودان – شمال، بقيادة عبد العزيز آدم الحلو التي أدانت السلوك الهمجي) وغيرها، كان عليها شب وإدانة هذا الفعل الغريب، لأنَّ ما لحق بالحاج رحال والنُّوبة مذلة لكرامة السُّودان والسُّودانيين. وبما أنَّ الحاج رحال مواطن سُّوداني، ينبغي الوقوف بجانبه في هذا الظرف الحرج.

نختم، إنَّ عدم تحرك حكومة سنار الولائيَّة ولا الحكومة المركزيَّة، ولا حتى الحركة الإسلاميَّة نفسها، والصمت والسكون من الكيانات الأخرى، لا يُفهم منه إلا أنَّ الأمر لا يهمها ما دام المجني عليه نُّوباوي والجاني "فلاتي"، وهذه مشكلتهما؛ فالرسالة واضحة لكل أبناء وبنات السُّودان الأعضاء في الحركة الإسلاميَّة والمنتمين إلى المؤتمر الوطني، أنَّ الدور ينتظرهم. فكلاهما أدوات التنظيم والحزب لتنفيذ أجندتهما وستنتهي صلاحيتهما متى أراد التنظيم والحزب. أما المجرم عثمان الزين، فهذه نهايته تنظيميَّاً أو سياسيَّاً أو اجتماعيّاً.

[email protected]





تعليقات 3 | إهداء 0 | زيارات 806

خدمات المحتوى


التعليقات
#1797866 [الكتاحه]
3.00/5 (1 صوت)

08-02-2018 11:50 PM
تحية واجلال للزعيم رحالتية كوكو واقولها على الهواء الطلق انه زعيم دولة القانون والمواطنة - تصرف محترم ينتمى لاصول العادات السودانية العتيقة زعيم وطنى بحق لايمثل نفسه بل ملايين السودانيين المظلومين من قبل السلطة
ويجب على القضاء ان يحق الحق - رحال تيه كوكو كتب بعقله واصالته وارثه العظيم درسا للسودانيين لمراجعة كل القوانيين وتحقيق دولة المواطنة
تحية لك من نوبة الشمال الذين ادانوا هذا المسلك الخبيث والعنصرى


#1797677 [سيف الدين خواجه]
1.00/5 (1 صوت)

08-02-2018 12:30 PM
اخي دكتور قندوا شكر للاب والاخ رحال الذي اخذ حقه بالقانون واستانف بهدوء اهلنا النوبة وفي ظني ان هناك عقزبة اخري يجب ان تقع علي المذكور وهو ان تقيله الحركه الاسلامية من هذا المنصب بل وتحرمه من عضويتها لانه واضح انه عضو ضد الاسلام وانه فقط منتفع من الانتماء ويجدر باحزابنا كلها وكل مكونات المجتمع ان تنبذ كل عنصري كعقاب اضافة لعقوبة القوانين مع سن وتعديل القوانين لعقوبات اشد في هذا المنحني اذا اردنا ان نبني وطنا معافي فقط اشير اننا كنا بليبيا خليط من السودانيين وتوفي بالسودان صديقنا حسن كرا باشا في نيالا وقد لا تصدق فقد اقمنا له عزاء لمدة 3 ايام بمنزلي للنساء ومنزل عمر الفاروق للرجال وبكيناه بكاء مرا وبدمع سخين وما زلنا نبكيه رغم مرور عقود ونحن من اقصي الشمالبل عندما عدنا للسودان ذهبت لاسرته في امدرمان وقدمت واجب العزاء لوالد ووالدته واخواته وبكيت معهم بكاء مرا فنحن لا نؤمن الا بوحدة الاعراق في وطنا وعليها نعيشوعليها نموت وعلينا نبذ كل متعصب للقبيلة وشكرا لك علي هذا المقال الدسم والنوبة علي الراس والعين ولا يمسهم بسوء الا قليل الاصل !!!


#1797484 [daflaa]
0.00/5 (0 صوت)

08-02-2018 06:32 AM
في الصميم. ولا ننسى أن علاقة المصاهرة لم تكن بين النّوبة والفلاتة فقط وإنما بينهم وجميع القبائل السودانية المختلفة. فليس هناك مجموعة قبلية أو إثنية لم تتزوج من النُّوبة.


الدكتور قندول إبراهيم قندول
الدكتور قندول إبراهيم قندول

مساحة اعلانية




الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.
Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2024 alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة