المقالات
السياسة
عبق الماضي
عبق الماضي
08-03-2018 07:43 AM

بسم الله الرحمن الرحيم

هنالك ليالي تغمرني فيها شجون الماضي , وتعبث مفاتنها بخلاخل مشاعري الرقيقة , وتنداح رؤي الحاضر سريان القهقري لكي تعانق أحداث الماضي الذي يسربل دائما في داخلي بأحداثة الرائعة الجميلة . وهنا تضخ خواطر اللحظة بعمق الحنين الذي يحمل في طياته وعد وحنين الي آفاق من الذكريات الخالدة المعطرة بصدي من عبق المكان والزمان . فتحضرني وتربت علي كتف الذكريات صدي من الحنين المعتق والمؤصل بصميم الشخصيات التي عبرت مجري تاريخي بأحداثه الشهيرة وعطرت مجريات الذكري وتركت أثر عطرها صندلا ومسك وعنبر . لا أستطيع أن أرسم شمسا صاطعة ولا قمرا ينيران و يزينان سماء الذكريات سوي أن أمدح تلك المحاسن الجميلة التي زرعت علي طريق سيرة هذا الشخص الذي تدثر بلباس الرحمة الأبيض والمغفرة , وأدركته منية الزمان وهو في ريعان شبابة , شابا يافعا ونهر من العطاء الطيب يسقي كل الظامئين الي الحنان والحب , نسأل الله جميعا أن يسكنه أعلي جناته ويغفر له .
ترعرعنا في كنف عائلي و نسق أسري واحد كان يكبرني سنا , ورائعا من روائع الحكمة وزهرة حب ملونة بكل الألون يمكنك أن تهديها الي كل حبيب , وكان حبا يفوح بمحبته وحنانه لكل من حوله , وكلمة طيبة تعطر كل مسامع الحاضرين , جاء من بين أحضان رضا والديه وكان أحق الناس بحسن صحابة الوالدين بيننا , يعاشر الاخرين بصدق ومحبة صافية لا كدر فيها . تتأصل فيه الاشياء وتصفو عنده كدر الخصام والجفاء , كانت كلمتة رشيدة ومؤثرة وبالجة للحق والحقيقة كسيف الحق المسلول . أمين وصادق وطيب تجتمع فيه محاسن الصفات الطيبة وتفوح منه هالة من العطر تدعوك للتعرف عليه دون مناسبة ولا دعوة , كان دائما حمامة للسلام ودوحة من الأمان يلجاء الية المتخاصمين . لاأستطيع أن أمدح فيه هاكذا لان الخصال الطيبة فيه كثيرة , فعدها يؤجل مراسم المناسبة ففي حضورة الليلة شجون من الماضي إعتراني حينما حملتني قوارب اللحظة الي شواطئ الذكريات العطرة , وطبطبت علي تلك الاطلال النائمة علي وثيرة الزمن , وأخرجت مسك من خميل ذكريات ذاك الخالد علي ذاكرة المحبين . له دائما مناجاة خاصة مني الي رب العرش العظيم أن يغفر له ويسكنه جنات الفردوس مع الصديقين والشهداء .
أستوقفتني تلك اللحظات والشواهد وشخص ذاك الأخ والصديق والحبيب (سهمي ) أخي الأكبر , حينما دخل علي صديقي العزيز ( ود أبشر) في مكان عملي ويحمل في يده خميل من الذكريات العطرة وهو لا يدري . طبق من (العصيدة) و( ملاح ويكاب ) وهو ملاح يصنع من اللبن والويكة الناشفة . عندها وتوقفت ساعات الزمن في تلك اللحظة حينما قتحت المحتوي حملتني ذاكرتي الي أخي العزيز ( سهمي ) لأنه كان يحب هذا الطعام ودائما يسأل أمي في أن تعده لنا وكان حينما يتذوقه كأنه يصله بعالم أخر , عالم سحري يحمله عبر ذاكرته فيظل يحكي لنا حكايات أمي بأنها أعظم الطاهيات في العالم وأن إعداد طعامها هو الأشهي والألذ عند أفواه كل متذوق , كان صادقا فيما يقول لأن كل المتذوقون لطعامها يشهدون لها بذلك !!!!!! . وكانت ساعات صفاء وإستكانت ضمير تبعث روح الشهية المقدسة عنده وكان بعد تناول الطعام يدعوا لها بالصحة والعافية ويجزل لها الشكر والثناء .
دعتني تلك اللحظة الي وليمة دسمة من الذكريات وحملتني مذاقاتها الي آفاق بعيدة الي حي (كليمو) بمدينة كادقلي العريقة التي تنحني قامات الجمال حينما يذكر أسمها جلل وإحتراما لآنها مهبط جمال الطبيعة , وروعة طيبة الإنسان , فمذاق ذاك الطعام الذي قدمه لي صديقي (موسي) في ذاك اليوم حملني وأوصل أوتار مشاعري التي انقطعت عبر سنين عجاف عن تلك المنطقة الرائعة فأثري وأسقي مشاعري العطشي الي مراتع الطفولة البريئة التي تشبعت بأصالة المكان وروعة الزمان . كانت مفاصل اللحظات تحكي عن خميل من الذكريات العطرة , وجيش من الاصدقاء الرائعون الطيبون المحبون الذي حينما تذكر صفاتهم العطرة كأنما أشعلت عود من الصندل في جلسة ذكر طيبة لشخصيات يطيب ذكرهم في حضرة الجمال ,ولكن حضرة اللحظة أحضانها واسعة تحوي الجميع فلا أستطيع أن أحصي ولا أن أذكر أسماؤهم التي ترن في مسمع الذكريات بأروع الألحان , أوصلتني روائع ذاك الطعام الي زمن جميل يرفض القمر أن يغيب في ليالي سمرنا حرصا علي تلك الإلفة أن تدوم , وبالنهار تتعجل الشمس بالإشراق لكي يجتمع شملنا فرحا وسرور .
كان شباب الحي (كليمو) أسرة واحدة لا يعرفون الحواجز الاجتماعية التي تحول دون الآخر , كانت كل جارة في الحي الواحد تسأل الأخري ماذا ستطبخين اليوم وماذا تطبخين غدا حتي لا يطبخون نفس الطعام وحتي يتثني لهم مبادلة الطبيخ بينهم , كانت روعة أبداع التعامل والتكافل بينهم سجية طبيعية بفطرة تعاملهم . زمن تتأصل فيه معني الإنسانية والبشرية وسماحة التعامل وروعة العيش , أوصلتني تلك الوجبة المتواضعة الي زمن فقدت مذاقاته الدسمة وروعة تعامله الفريد . تذكرت في تلك اللحظة حينما كنا في الحي نساهم في أعمال إجتماعية تثري أذهان المجتمع والمساهمة في أعمال إنسانية تفيد الجميع كانت وقفات لا تنسي من جيل جميل حريص علي تفاصيل الحياة .
أستوقفتني ( اللقمة) الأولي حينما إنداحت شهيتي بعمق و لهفة جارفة في إبتلاع ( اللقمة) الأولي التي ساقت مشاعري الي حنين عميق الي تفاصيل الحياة في تلك المدينة العريقة التي مازلت أحمل مذاقات الحياة فيها بين مشاعري الجارفة التي أولعت بشغف اليها . جذبتني الذكريات الي كل تفاصيل الحياة هناك , الي أنسان المنطقة الذي كان في قمة إنسانيته , وأصالة كرمة البازخ , وروعة سماحته التي يتحلي بها كان الإنسان بصفات طبيعية حميدة نفيسة قل ما تجدها في هذا العصر . تذكرت ( سعيبة) الجد الأحمر والد أمي وهي مخزن للمواد التموينية في البيت يبني من الطين ويعرش بالقش يخزن في داخلة المواد التموينية , كان لا يخلو ذاك المخزن من العسل والعيش والسمن والسمسم والدخن و الزيت والمواد التموينية الاخري كنا نرش من حوله بالخارج بعض المواد القاتلة للحشرات كنا أنا واخوتي نحرص علي أن لا تحوم الحشرات مثل النمل و( الأرضة ) في أن لا تحوم حول ذاك المخزن لأنها من الحشرات القارضة .
حملتني لقمة ( العصيدة) تلك الي آفاق من الفكر الجميل المندثر بين تاريخ السنين , وروعة الإنسان المعتق والمذكي بعطر روائع الخصال النادرة , أفتح نوافذ تلك الحقبة الزمنية الجميلة بين أفكاري فتمتلئ مساحات الفكر شغفا وشوقا الي مراتع تلك الأطلال الجميلة التي مازالت شواهدها تؤرخ بين الجيل الخالد الذي يحكي إيقاعات الفجر الجميل .
كانت مذاقات طعم الوجبة تحملني الي الي آفاق بعيدة تتعدد روعتها البديعة في زمن لا يعاني منه الإنسان من شغف العيش ولا يأبه من ضنك المعيشة , كانت الحياة تنساب بكل سلاسة ويسر , وكانت مفاصل التعامل بين البشر تتحرك دون عناء وبتلقائية الشهيق والزفير في التنفس , كانت مقامات التعامل بين الأفراد فريضة تمليها حواجز الأعمار ومقامات العلم والتعلم , شذرات من روح معتقة بالزمن الأصيل تجسدت عبر تلك المائدة البسيطة الرائعة التي تمكنت أن تقود محمل الذاكرة المحمل بخميل من عطر الذكريات النادرة , فذاكرة الزمان في داخل كل أنسان تحركها مناسبات وتشعل في مشاعلها الخامدة إضاءة تنير لنا أحيانا متاهات منسية من الزمن الماضي . ولكن مناسبات الزمن تخلق لنا هنيهة نري بها آفاق جميلة من زمن جميل .
شغف الحياة ومتاعبها الآن تهلك كل ذاكرة تحمل أطلال من الماضي العريق , لأن شموع الذكري ترفض أن تضاء في زمن توسد بالفساد وتعتق بمجوسية الفكر الظالم والسالب لحقوق الغلابة والمساكين , زمنا يزيد أسية الغلابة ويقهر جوع المتسولين .
أقولها زمنا فليس للزمن زنبا علي رقاب هؤلاء الغلابة والمساكين , ولكنني أستعير من قوالب اللغة لفظ الزمان كناية علي جلادينه الظالمون الذين لا يأبهون بإنتهاك مساحات العشق الجميل .
تتوالي روعة مذاقات الطعام المتواضع أمامي فتعكس علي ذاكرتي قوس قزح من الذكريات المتوالية العبقة بمآثر الروعة والإبداع , فينهض في داخلي عملاق شوق جامح كان يرقد علي وتيرة الزمن فحدثني عن ضمير أمة جميل وبديع يكاد أن يندثر بين سرابات ضنك العيش وسندان الجبابرة الظالمون . تمكنت شهيتي الجارفة من إبتلاع روعة ذاك الطعام اللذيذ ولعق لساني بناناتي التي إكتست بحنة بقايا الطعام في ليلة عرس اللحظة المجنونة المفتونة بسحر المذاق , زغردت مشاعري شوقا لتلك المناسبة التي جمعت شتات المشاعر من كل فج من دواخلي وبعثت بشوق الأماسي الجميل الي زمانا عشته طفولة عذبة وسط أحبة وأخوة خلدو في داخلي بذكراهم التي دائما تعمق موضعا في داخلي ومكانا يشهد له التاريخ بأنه أرض للحضارات ومعقلا للتاريخ السوداني الأصيل , ومهبط لشعوبا يختزل الكرم وطيب المعشر في تركيبة تكوينهم الإجتماعي , وتنداح الثقافات وتعدد اللونيات القبيلة لكي تخلق مزيجا فريد من زبدة الفكر والتعامل المميز والمؤصل بكرم الضيافة وبساطة الإنسان وروح وريحان من ذاك العبق الذي يلتمسة الإنسان الذي يزور المنطقة وتسحرة تلك الروائع الروحانية من فكر التعامل والضيافة .
تسبقني بشارات الضحي محملة بعبق من روائع الذكريات الخالدة التي ترن في ذاكرتي بحنين خالص وخاص بشموخ أطلالة رائعة مازالت تعطر سماء الوجود بذكراها الآثرة لكيانات الجيل الحاضر . فأوتار الخلود مازالت تعزف للزمن لحن جميل , فدعونا نخلق من مناسبات الزمن الحاضر وقفات نستعير من زمانها وقتا ونفتح من خلالها نوافذ نستنشق منها من نسيم الزمن الماضي العليل النقي من سموم عثرات زماننا حتي نصحح مسير الحاضر الذي أصبح هوأه ملبد بغبار العابثون . فالوعد الجميل دائما ينتظرنا بين مساحات الزمان السانحة التي تمنح فرص التصحيح والإعتدال .
فحرارة الشوق لتلك اللحظات تشتعل في داخلي مواقد نيران من الشوق بحطب ( الكتر ) و ( اللعوت) التي كانت تجمع الأسرة في مكان واحد في شتاء قارص بالبرد نستمد من حرارة المواقد دفئ المكان وحرارة اللقاء بالآخرين وصفاء النفس ومن وهج اللحظة حرارة العاطفة التي لا تعرف الزيف ولا الرياء , فنعانق لحظة اللقاء بقصص وحكاوي من الجد والحبوبة في أنس وحبور ودائما ما كانت تنتهي الحكايات بفصول وحلقات أخري , ريثما يحين لقاء جديد , بشارات طيف رائعة من زمان جميل .
صفاء روح وسفر جميل عبر متاهات الزمن ساقتني اليه تلك الشذرات الرائعة من ( العصيدة ) وملاح ( الويكاب ) وجابت بي ذاكرتي الي تلك الآفاق البعيدة فالتحية اليكم أيها الخالدون في داخلي كالشموع الملونة التي دائما ما تعطي بسخاء وتضحية من أجل جيل قادم بين سرابات السنين .

سابل سلاطين – واشنطون
[email protected]





تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 341

خدمات المحتوى


سابل سلاطين
مساحة اعلانية




الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.
Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2024 alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة