المقالات
السياسة
إعادة تدريس مادة الأدب الإنجليزي
إعادة تدريس مادة الأدب الإنجليزي
08-08-2018 10:39 PM

إعادة تدريس مادة الأدب الإنجليزي: "الجفلن خلهن اقرع الواقفات"

ألزم المركز القومي للمناهج والبحث التربوي المدارس بتدريس مقرر الأدب الإنجليزي في الصفوف السابع والثامن الأساس، والأول الى الثالث في التعليم الثانوي، وأعتبر الأدب الانجليزي جزءً رئيساً من مادة اللغة الإنجليزية في التعليم العام، وقرر إجبارية سؤال الأدب الإنجليزي في امتحان اللغة الإنجليزية في التعليم الأساس والثانوي. ذكرني هذا القرار مقالاً رصيناً كان قد كتبه الخبير التربوي، البروفيسور تاج السر حسن بعشوم، ونُشِرَ قبل أكثر من عشر سنوات.. عندما قررت وزارتا التعليم العام الاتحادية والتربية والتعليم الولائية، إعادة تدريس الأدب الإنجليزي بالمدارس الثانوية، كمعالجة للتدهور الذي لحق بمستوى اللغة الإنجليزية.
وبما أننا "لسنا من غُزَيَّةَ إِنْ غَوتْ، غوينا وإِن تَـــرشُدْ غُـــــــــــزَيَّــةُ نرْشُدِ! فرأينا أن نعيد نشر ذلك المقال المسدد الذي بذل فيه دكتور تاج السر النصحَ، فلم يَستبينوا النصحَ إلا ضُحى الغَدِ..

إعادة تدريس الأدب الإنجليزي: المفارقة بين إرث جاجول وجوجل إيرث

بقلم د. تاج السر حسن بعشوم

طالعتنا الصحف اليومية مؤخراً بأنباء تتحدث عن قرارات اتخذتها وزارتا التعليم العام الاتحادية والتربية والتعليم بولاية الخرطوم تتعلق بإعادة تدريس الادب الإنجليزي بالمدارس. ولقد بدأ من حيثيات تلك القرارات انها قد اتخذت كمعالجة للتدهور الذي لحق بمستوى اللغة الإنجليزية في العقود الأخيرة.
ولنا أن نتساءل هل هذه الخطوة كفيلة بوضع نهاية لهذه المشكلة التي ظلت تقض مضاجع التربويين والاباء والطلاب وكل المعنيين في الحقل الأكاديمي والمعرفي بكل مستوياته وفي سوق العمل بمختلف ضروبه وفي غير ذلك من المجالات ذات الصلة.
ولعل نقطة البداية هي تساؤل منطقي أخر. هذا التساؤل يتعلق بقرار هو في تقديري أخطر بكثير من قرار إعادة تدريس الادب الإنجليزي في السابق.
لعله من الطرافة بمكان ان يكون السبب الذي دعا لاتخاذ القرار الان بإعادة تدريس الادب الإنجليزي هو نفسه الذي دعا في السابق لاتخاذ القرار بإيقاف تدريسه، الا وهو تدهور مستوى اللغة الإنجليزية.
مضى علينا حين من الدهر في ما سلف من الأيام كان الأدب الإنجليزي فيه يدرس كمادة منفصلة قائمة بذاتها وليس جزءاً من مقرر اللغة الإنجليزية وكان طلاب السنة النهائية الجالسون لامتحان الشهادة الثانوية بمساقيها – العلمي والادبي – ممن اختاروا مادة الأدب الإنجليزي يدرسونها من خلال الكتب الأصلية وليس المختصرة ولا المبسطة. كانوا يدرسونه بكل جوانب دراسة الادب من تذوق وتحليل ونقد. كانت تفرد لها من الحصص العدد المقدر الذي يمكن الطلاب من دراستها ثم الجلوس فيها للامتحان والذي كان بدوره يشتمل على كل جوانب التحليل الادبي، وفي شتى صور الأسئلة القصيرة منها والمقالية. يحللون فيها الحبكة الروائية والشخصيات بكل صنوفها والرمزية والتصويرية ووجهة النظر، إضافة إلى الأسلوب والأسلوبية.
والشاهد في الأمر أن دراسة الأدب الإنجليزي لم تكن وسيلة لغاية، بل إنها كانت غاية في ذاتها. لم تكن وسيلة للنهوض بمستوى اللغة الإنجليزية عند الطلاب، بل كانت تتخذ من اللغة الإنجليزية وسيلة لها. ولقد كان الطلاب يختارونها وقد استقام لسانهم باللغة الإنجليزية، استقامة تكاد تماثل الناطقين بها واشتد عودهم ونضجت تجاربهم الذاتية وبلغوا من النضج العقلي والشعوري القدر الذي يمكنهم من فهم واستيعاب الادب الإنجليزي وسبر أغواره والغوص في بحوره واستخراج كنوزه، وهم بهذا الوصف لم يكونوا يدرسونه بغرض تحسين مستواهم في اللغة الإنجليزية.
ثم لم تزل بنا الأيام حتى خيم علينا دهر تقلص فيه مد اللغة الإنجليزية وصار الأدب الإنجليزي وسيلة، لا لرفع مستوى اللغة الإنجليزية، بل لرفع مجموع الدخول للجامعات. صارت قائمة المؤلفات الأدبية شبه ثابتة لا تتغير كما أن شكل الامتحان قد تغير بحيث اضحى يصمم كي يتماشى مع المستوى المتواضع للطلاب فأصبحت ورقة الامتحان كلها صورة "الاختيار من متعدد" وألقى ذلك بظلاله الكثيفة على الطريقة التي يُدْرس ويُدَرس بها الأدب الإنجليزي، انقلب الحال من دراسة الأدب الإنجليزي الي تدريب الطلاب على مهارات الامتحان فقط بغرض الوصول للإجابة الصحيحة. وما لبث أن أطلت المذكرات والملخصات ونماذج الأسئلة المحلولة برأسها. وبدلاً من ان يلجأ الطلاب الى الكتب المقررة، صاروا يلهثون وراء تلكم الوريقات يستظهرونها ويضعون منها التوقعات (الاسبوتنج) ويجدون بذلك ضالتهم في تحصيل الدرجات. وفطن البعض لذلك حيث أن كثيراً من الطلاب الذين كانوا يختارون مادة الأدب الإنجليزي لم يكن لهم من دافع سوى الحصول على أكبر درجة وبأسهل السبل. وحال التحاقهم بكليات الآداب والتربية، يبدو ضعفهم وعدم قدرتهم على مواكبة الدراسة الجامعية. ومن هنا كان اتخاذ القرار الأخطر بإلغاء مادة الأدب الإنجليزي من مقررات الشهادة الثانوية.
ويبقى السؤال الملح: "هل اعادة مادة الأدب الانجليزي لمقررات الدراسة يمكن ان توقف التدهور في مستوى اللغة الانجليزية دع عنك ان تعمل على تحسينه؟"
وهذا بدوره يفتح الباب على مصراعيه للكثير من الاسئلة التي تحتاج الى اجابات شافية:
ماذا يعني ذلك من الناحية العملية؟ هل ستسمح خارطة جدول الحصص بإضافة العدد المناسب لهذه المادة؟
هل لدينا من المعلمين من بإمكانهم تدريس هذه المادة من حيث المحتوى ومن حيث الطريقة ومن حيث التقويم؟
وماذا عن طريق التقويم والاختبار؟ ما هو نوع الاسئلة وما هي المهارات التي تقيمها تلك الاسئلة؟ واي قطاع من الطلاب سوف يدرس ذلك؟ الادبيون وحدهم ام العلميون والفنيون أيضاً؟ وما هو دافعهم لذلك؟
ثم هناك الكلفة المادية لهذا المشروع. هل ما زالت دور النشر العريقة تصدر هذه المؤلفات بالكمية الوفيرة والنوعية الجيدة التي كانت تغطي الرقعة الجيوسياسية، تلك الرقعة التي لم تكن الشمس تغيب عنها؟
هل سنرى مرة أخرى عبارة "طبع خصيصاً لوزارة التعليم العام السودانية"؟ هل هنالك من الإمكانيات المادية ما يفي بتوفير الكتب المقررة وبتجديدها؟
ولنفرض جدلاً أن كل الأسئلة السابقة وجدت ردوداً موجبة، فسوف تبقى القضية الكبرى الماثلة: ما هو الادب الإنجليزي الذي نعنيه؟
هل هو ادب الخيال العلمي لكُتَّاب مثل هـ. ج. ويلز "الة الزمن" والتي لم تبلغ معشار خيال طفل من أطفال اليوم عمره دون العاشرة؟ ام مثل "حول العالم في ثمانين يوماً" في عصر أصبح فيه الطيران الذي تفوق سرعته سرعة الصوت امراً واقعاً ومعاشاُ؟
هل هو الادب الرمزي مثل مؤلفات جورج اورويل مثل "1984" والتي كتبت عام 1948م ونحن، الآن، خلفنا عام 1984 وراء ظهورنا، ومثل "مزرعة الحيوان" وقد أصبح ما تحكي عنه اثراً بعد عين؟
هل هو ادب المغامرات ورحلات الاستكشافات الخيالية لمجاهل القارة الافريقية مثل مؤلفات سير رايدر هاجرد مثل "كنوز الملك سليمان" و"الان كوترمين" والتي تحكي عن سلالة بيضاء تعيش في قمة جبل وسط افريقيا وتتحدث عن الساحرة "جاجول" ونحن في عهد يمكن للفرد ان يحدد فيه أي منزل في شارع عبيد ختم ويعرف اسم صاحبه وربما يرى صورة له كذلك، بل ويستطيع ان يحدد بيت "البلولة جرقندي" في دسكرة "خشم المرفعين" من أعمال محلية "دار بني أوى" ويستخدم في ذلك برنامج "جوجل إيرث"؟
هل هو ادب الروايات التاريخية التي كانت طفرة في يومها ولكنها لم تعد اليوم بمثل ذلك السحر الأخاذ ولا المتعة العميقة في زمن الوسائط المتعددة والشاشات ثلاثية الابعاد؟
هل هو ادب الأيدولوجيات مثل "في انتظار جودو" والذي لم يأت حتى هذه اللحظة؟ هل هو ادب السير الذاتية من قبيل "جين إير" والتي لم يعد في قصة حياتها الا القليل يغري انسان اليوم بالتأمل فيها؟
هل هو ادب الروايات المسرحية مثل اعمال "اسكار وايلد" وحتى "جورج برنارد شو" والذين لو قدر لهما ان يحييا حتى اليوم لأعادا كتابة ما خطه يراعهما؟
هل هو أدب شكسبير والذي اضحى اليوم في حاجة لأن يترجم للغة اليوم وحتى للناطقين بالإنجليزية كلغة أم؟ أولم يضطر مخرجو بعض مسرحياته ان يبدلوا شخوصه سيوفهم بمسدسات آلية حتى يفهم عنهم جيل اليوم من المشاهدين؟
أم هل هو أدب اليوم من قبيل "شفرة دافنشي"؟
إن هذا القرار خطوة كبيرة وخطيرة ولسوف يترتب على تطبيقها أثار جسيمة وبالغة التعقيد. ولا يزال سيل الأسئلة ينهمر:
هل سبق اتخاذ هذا القرار دراسة علمية منهجية قامت على طرق البحث العلمي التجريبي كي يقف القرار على أرض صلبة من النتائج التي تم التوصل اليها من خلال اختبارات الفروض وذلك بعد جمع البيانات بأدوات محكمة لا يتطرق الشك الي قدرتها وصدقها وثباتها وتحليل تلك البيانات بالطرق العلمية والوصول منها الى خلاصات تعطي مؤشرات حقيقية لنجاح التجربة؟
هل اخضعت نتائج التجربة للمزيد من الفحص من خلال التجريب على مستوى صغير قبل ان يعمم؟
هل تمت الاستنارة بدراسات عالمية في هذا المجال وبمقارنة النتائج بمحكات موثوق بها؟
إن أي تجربة لا تورث حكمة تكرر نفسها، ونحن في عهد لا يحتمل تكرار التجارب غير الناجحة.
هذا وعلى الله قصد السبيل ومنها جائر ولو شاء لهداكم أجمعين.

[email protected]





تعليقات 2 | إهداء 0 | زيارات 721

خدمات المحتوى


التعليقات
#1800392 [Honza]
0.00/5 (0 صوت)

08-10-2018 12:34 AM
خريجي خورطقت وحنتوب و وادي سيدنا بعرفو إنجليزي وتعلموه علي يد الإنجليز غيرهم نطقه تعبان


#1799985 [تيقا]
0.00/5 (0 صوت)

08-09-2018 02:51 AM
In the spot .. well done ..


حسن عبد الرضي الشيخ
مساحة اعلانية




الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.
Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2022 alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة