المقالات
السياسة
قصة مطرتين
قصة مطرتين
08-18-2018 12:26 PM

هذه بعض ذكريات أثارتها الامطار التي هطلت في مدينة الخرطوم في صباح الاربعاء الموافق 15/8/2018 م وهي المطرة الثانية. أما المطرة الاولي فقد هطلت في مدينة الخرطوم مساء يوم الخميس الموافق 16/8/1988م وعرفت بأمطار 88. كنت شاهد عيان على مطرة 88 وكان ذلك بمحض الصدفة حيث أن أحد الاصدقاء حضر من مقر عمله من ما كان يعرف بولاية النيل الازرق في ذلك الزمان لزيارة اهله في الخرطوم، ولمّا كان يعاني من مرض ألم به قرر الذهاب الي طبيب متخصص فرافقته الى العيادات التي تقع في شارع الحوادث بمستشفى الخرطوم وكان ذلك قبل الساعة السابعة مساءً بقليل. وجدنا صف طويل من المرضي وسجل صديقي اسمه في قائمة الانتظار. بعد مرور ما يقارب الساعة من الزمن بدأت قطرات المطر في التساقط فخرجنا الي بلكونة العيادة التي كانت في الدور العلوي ولاحظنا أن حجم قطرات المطر كبير نسبيا، ثم قليلا قليلا تحولت القطرات الي ما يشبه الماء الخارج من حنفية كبيرة ولمدة ساعة او اكثر لم نسمع غير صوت انهمار المياه بكميات أدهشت كل الحضور. مكثنا في العيادة الى حوالي العاشرة مساء ثم قررنا التحرك في اتجاه الجامعة اولا حيث اقيم ثم برى ثانيا حيث يقيم صديقي. لحسن الحظ كان صديقي يقود سيارة تويوتا بوكس وهي ذات مقدرات افضل من غيرها في مثل تلك الاحوال. اتجهنا شرقا ولم نكن نري شيئا غير المياه المندفعة بقوة من كل الاتجاهات وعندما وصلنا صينية مجلس الوزراء في شارع السيد عبد الرحمن وجدنا سيارة سوزوكي صغير معلقة اعلا الصينية وليس بها أحد. واصلنا السير بصعوبة بالغة في اتجاه الجامعة وعندما تجاوزنا القيادة العامة وقبل نفق شارع الجمهورية قابلنا مجموعة من الاخوة الجنوبيين قادمين من جهة النفق فسألناهم عن مستوي المياه داخل النفق فأجاب أحدهم" أنا مش تويل ـوقد كان طويلا حقاـ موية هنا" واضعا كلتا يديه علي رقبته. عندها قلت لصديقي خليك من موضوع برى لكنه لم يقتنع بكلامي لأن اهله سيقلقون عليه ومن الافضل ان "يجازف" وعندما حاولت مرافقته اصر على الذهاب بمفرده. لاحقا تأكدت انه وصل برى بعد رحلة طويلة عبر بحري. واصلت أنا الخوض في بحر من المياه حتي داخلية العرب وعندما فتحت باب الغرفة اصدم الباب بصحن ألمونيوم كان طافيا وسط الغرفة فعرفت حجم الكارثة. في صباح الجمعة بدأت الاخبار تتوالي من مختلف أنحاء العاصمة عبر الاذاعة والتلفاز عن غرق أحياء بكاملها وانهيار آلاف المنازل وخسائر فادحة في الارواح و الممتلكات. اعلنت الحكومة حالة الطوارئ وطلبت المساعدات من الداخل والخارج. عشنا فترة مجاعة تقريبا في تلك الايام. الغذاء الرئيسي كان الارز بالفاصوليا وهذا لا يتوفر الا بعد عناء وبحث وطواف علي عدة مطاعم. معاناة الأسر كانت أكثر. أذكر اني قمت بزيارة مع الاصدقاء في الايام التالية لصديق آخر يسكن حي ابروف العتيق فوجدنا المنزل غارق في المياه والأسوأ من ذلك أن حفرة كبيرة ظهرت في وسط مطبخ وكادت أن تبتلع الثلاجة، وكنا نتسلل الى المطبخ حتي لا تبتلعنا الحفرة. في الصباح غادرنا وتركنا ذلك الصديق في حالة يرثي لها. بالأمس علمت أن ذلك الصديق عاد الي الخرطوم مع المطرة الثانية بعد غربة طويلة وبعيدة ولابد انه تذكر تلك الايام.
شهد ذلك العام ارتفاع كبير في مناسيب النيل عامة والنيل الازرق خاصة وكانت اجهزة الارصاد تطلق التحذيرات اليومية لسكان المناطق على ضفتي النيل لأخذ الحيطة والحذر. أحد الاصدقاء كان طالبا بالدراسات العليا وكان يقيم عزابيا في جزيرة توتي في البيوت المجاورة للمرسى. أخذ تحذيرات الارصاد مأخذ الجد فحمل كتبه وترك ما سواها من أثاث وغادر الي غير رجعة. صديق آخر وصفه متندرا بأنه انقذ المعرفة وترك ما سواها ومن ذلك اليوم صار يعرف وسط دائرة اصدقائه "بالمعرفي". شكلت المراقبة المباشرة لمناسيب النيل الازرق متعة خاصة لي ولصديق آخر حيث كنا نخرج عصر كل يوم الى الشاطئ بالقرب من الجامعة لمعرفة الزيادة في المناسيب.
تسببت أمطار 88 في انهيار آلاف المنازل خاصة منازل الطين في الاحياء الشعبية . صمدت معظم منازل الاحياء الشعبية المسقوفة بالزنك وذلك لأن سقف الزنك على الرغم من أضراره الاخرى لا يتشرب بمياه الامطار. من حيث حرارة الزنك فإن أحد الاصدقاء يعتقد جازما أن الزنك دخل السودان مع حملة الدفتر دار الانتقامية. لاحقا وفي منتصف التسعينيات من القرن الماضي شاهدت صورا جوية لمدينة الخرطوم بعد هذه المطرة قدمت ضمن بحث في مؤتمر علمي وكانت كل المنازل غير المنهارة مسقوفة بالزنك.
كما اسلفنا اعلنت حكومة الصادق المهدي حالة الطوارئ فسارعت العديد من الدول مثل المملكة العربية السعودية والكويت واليمن وغيرها بتقديم مواد الاغاثة من خيم ومواعد غذائية وما الى ذلك. في تلك الايام عرف سكان بعض احياء الخرطوم الوجبات الجاهزة التي كانت تلقيها الطائرات من مسافات قريبة. لكن أطرف الاغاثات كانت اغاثة اهل اليمن فبالإضافة الى مواد اخري شملت اغاثة اليمن زلابية جاهزة. أحد الظرفاء علق أن ذلك راجع الى معرفة أهل اليمن بطبيعة السودانيين واحتياجاتهم أيام الامطار نسبة لوجود جالية يمينة كبيرة في السودان في الماضي.
خسائر مطرة 88 كانت كبيرة في الارواح والممتلكات خاصة بالنسبة للأسر الفقيرة. الكثير من الاسر في برى ابو حشيش مثلا ظلت تقيم في الخيام لأعوام بعد 88 لأنها لم تستطع اعادة بناء منازلها.
اضافة الى خسائر الارواح والممتلكات كانت هنالك خسائر اخرى يمكن أن نسميها خسائر ذات نوعية خاصة ومن هذه الخسائر التلف الذي اصاب محتويات مشرحة كلية الطب بجامعة الخرطوم ومستودع الرسائل الجامعية بكلية الدراسات العليا بجامعة الخرطوم أيضا عندما تسربت المياه الى داخل هذه المستودعات. ومن الخسائر التي يستحيل تعويضها محتويات مستودعات كلية الفنون الجميلة التابعة لما عرف بمعهد الكليات في ذلك الوقت حيث أصاب التلف بسبب تسرب المياه مقتنيات الكلية من مشاريع تخرج الطلاب لعدة سنوات خلت من لوحات ومنحوتات وغيرها. جميع هذه المستودعات كانت عبارة عن ما يعرف بالقبو اسفل المباني.
هذه هي قصة المطرة الاولى مطرة 1988 اما المطرة الثانية فلم أكن شاهدا عليها لكنها وجدت حظها من التوثيق بفضل ثورة المعلومات ووسائل التواصل الاجتماعي، فقد طالعنا صورا لـ "نهر جاكسون العظيم" و"بحيرة كلية الطب" و"بحيرة الجوهرة الزرقاء" و"بحر أركويت" وغيرها من الصور والتسجيلات. من غرائب الصدف أن المطرة الثانية جاْت بعد المطرة الاولي بحوالي العشرين عاما بالكمال والتمام لكنها وجدت نفس البنية التحتية الخاصة بتصريف المياه التي كانت موجودة في 88 إن لم تكن أسوأ منها حيث تمددت الخرطوم في كل الاتجاهات ولم يتبع ذلك تطور مشابه في البنية التحتية للتصريف من مصارف وغيرها. الكثير من المخططات الجديدة كانت في المجاري التقليدية للسيول فقد شاهدت العام الماضي في إحدى الفضائيات لوحة حديدية تحمل اسم محلية سودري الواقعة في شمال كردفان تم "اصطيادها" من خور يخترق حي صالحة في أمدرمان.
الامطار في السودان جزء من مناخه ومن ضروريات الحياة ولو توقفت تتوقف حال البلد، ومهما زادت في مناطق احتياجها في الارياف لا يتضرر ولا يتذمر السكان، واذا اصابت المدن يجب أن تجد بنية تحتية قادرة على تصريفها من غير أن تسبب الخسائر في الارواح أو الممتلكات. مما يميز المدينة عن الريف البنية التحتية الحضرية ومنها مجاري تصريف الامطار ومشاريع حصاد المياه خارج المدن وهو ما تحتاجه مدينة الخرطوم حتي تكون الامطار نعمة وليست نقمة .

[email protected]





تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 567

خدمات المحتوى


عبد الله الجربندي
مساحة اعلانية




الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.
Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2024 alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة