المقالات
منوعات
أحلام في قاع النهر
أحلام في قاع النهر
08-20-2018 06:20 AM

أحلام في قاع النهر
( فصل من رواية ثورة المقابر )
مهداة إلى أصحاب القلوب المتحجرة حكاماً ومحكومين عسى أن تحرك فيهم ساكناً

ضياء الدين الشريف
كانت منال عوض الله التي تبلغ من العمر ستة عشر ربيعاً تقف أمام المرآة تستعرض جمالها الآسر وتحاول فهم وقياس خريطة جسدها بكل ما تحمله من هضاب وتضاريس ودرست كل التفاصيل وبدت راضيةً تماماً على هذه النعم الكثيرة فأشارت إلى نفسها في المرآة وقالت بما يشبه الهمس: منال عوض الله لن تتزوج إلا رجلاً غنياً ..غنياً جداً. ثم رفعت رأسها وهي تقول بتوسل: يا رب لا يهم أن يكون شاباً أو عجوزاً، المهم أن يكون غنياً وفاضلاً لينتشلني من هذا الواقع المرير وهذا السجن الكبير. ثم واصلت استعراض نفسها أمام المرآة ولم تشعر إلا بصوت والدها يقول وهو يرنو إليها من باب الغرفة:
ــ ما شاء الله .. ما شاء الله، لقد كبرتِ يا منال وصرت عروساً.
جفلت منال وقالت بوجل:
ــ أبي .. متى حضرت؟
ــ الآن
ــ أُمي ذهبت إلى بيت حاج الإمام لتزور العازة.
ــ أنا لم أسألك عن أُمك.
ثم نظر إليها طويلاً وقال بسرور:
ــ سبحان الله .. حينما تزوجت أمك كانت في مثل سنك وصورة طبق الأصل منك.
ارتفع الدم إلى وجه منال وسألت نفسها: تُرى كم جردلاً من المريسة شرب اليوم؟!
تقدم والدها ووضع يده على كتفها وقال:
ــ تعالي يا منال، اجلسي هنا.
رغم الارتباك الذي شعرت به منال إلا أن شعوراً طاغياً بالفرح والسعادة غمرها، فهذه هي المرة الأُولى والوحيدة التي يعاملها فيها والدها بعطف وحنان ولم يحدث قبل اليوم أن ابتسم في وجهها أو تبسّط معها في حديث رغم أنها الوحيدة التي تبقت له بعد أن مات ابنه البكر وساعده الأيمن غرقاً وحصدت الكوليرا الآخر فجلست قربه على السرير وهي تكاد أن تطير من الفرح.
ــ لقد كبرت سريعاً يا منال!
ــ أنا طفلتك ووحيدتك.
ــ أنتِ لست طفلة، بل أنتِ عروس لذلك قررت أن أزوجك.
ظنت منال أن والدها يمزح بفعل الخمر فقالت وهي تضحك وتميل برأسها إلى الخلف بعفوية:
ــ هكذا .....
قال والدها وهو يجاريها في ضحكها وحركة رأسها العفوية:
ــ نعم هكذا.
وضعت منال رأسها على كتف والدها وطوقته بيديها وهي تقول:
ــ أنا الآن لا أريد أن أتزوج.
ــ لقد اخترت لك شخصاً مناسباً ويملك مالاً وفيراً.
شعرت منال أن والدها جاداً في قوله فحبست أنفاسها وسألته:
ــ من هو ؟
ــ فيصل ود الصديق.
شعرت منال أن سقف الحجرة قد انهال على رأسها فجمالها هو رأسمالها الوحيد الذي تعوِّل عليه لينتشلها من هذا الفقر المدقع فهل يعقل أن يستولى عليه سارق الغنم فهتفت بعد فترة ذهول طويلة:
ــ ود الصديق حرامي الغنم!!!
قال والدها وقد تقلصّت عضلات وجهه الذي اكتسى بالغضب
ــ عيب أن تقولي هذا عن الرجل الذي سوف يصير زوجاً لكِ.
ثم أضاف وقد تحول إلى المارد الجبار الذي يبثُّ الرعب في قلب ابنته:
ــ ود الصديق الآن ليس حرامي، إنه تاجر وقد قرأت فاتحتك معه الساعة.
ــ من غير أن يكون لي رأي!!!
رفع عوض الله يده في وجه ابنته مهدداً:
ــ أنا لم أخبرك لتقولي رأيك، بل أخبرتك على سبيل العلم بالشيء فقط.
ظلت منال طيلة الليل تتوعد وتهدد وأمها تحاول تهدئتها قائلة:
ــ لعله سكران لا يدري ما يقول .. نعم إنه سكران .. اصبري حتى الصبح وسترين أنها خطرفة سُكر.
ومنال تقول:
ــ غداً حالما يصحو اسأليه وإن كان جاداً فيما قال سوف أقتل نفسي ولن أتزوج حرامي الغنم.
جزعت امها وتذكرت فوراً كل اللائي انتحرن من القرية في تاريخها الطويل وكُن ثلاثة ولسبب لا تدريه سيطر عليها مشهدان خرجا من أعماق الذاكرة وتمثلا أمامها فجأة: مشهد التابوت الخشبي الذي يحوى جثة زينب الإمام يرقد على ظهر العربة المكشوفة والأهالي ينظرون إليه بذهول شديد وحاج الإمام المسنود بين حاج الماحى وحضرة الناظر وداعة الله السيّد يرتجف كعصفور بلله مطر الشتاء ومن عينيه تطل نظرة رعب قاتل موزعة بين التابوت وبين الشمس المحمرة التي بدت أكبر من حجمها الطبيعي في عيون الناس، وفي مشهد جانبي آخر مكمل كانت الحاجة خديجة عبد القادر قد وقعت خلف الباب الكبير مباشرة على بُعد أمتار قليلة من السيارة التي تحمل جثة ابنتها الوحيدة وقد ظلت ترتجف وترفس بيديها ورجليها على الأرض كأنها ذبيحة أو مصروع هاجمته نوبة الصرع وظلت هكذا لدقيقتين قبل أن تهمد تماماً وتمضي في غيبوبة استمرت يومين كاملين.
ومشهد أسماء عبد المحمود ملفوفة في كفنها الذي كان يبدو من نحول جثتها وكأن الملفوف داخله عود حطب وليس جثة لبشر.
ضمت المرأة ابنتها إلى صدرها بقوة وقالت بهلع:
ــ لن تتزوجي حرامي الغنم.
وفي الصباح أكد عوض الله لزوجته ما قاله بالأمس وزاد عليه بأن ود الصديق سوف يأتي برفقة العمدة في المساء ليتقدم إليهم بصفة رسمية.
وذهبت كل محاولات الأم لإقناع الأب بالعدول عن هذا الأمر سُدىً فظلت تناور طيلة النهار من غير تخبر ابنتها بالحقيقة وهي تُمني نفسها بأن يستجيب الله دعائها وينزل بود الصديق مصيبة تمنعه عن الحضور وكانت تقول لنفسها بثقة: نعم، الله سوف يستجيب لي فهو مُغيث الملهوف وناصر المظلوم ومُجيب دعوة المُضطر. وسيطرت عليها هذه القناعة وترسخت في وعيها لدرجة أنها قالت في ندائها لربها: حسناً يا رب لا تنزل به مصيبة ولكن اصرفه عن ابنتي ووحيدتي بالطريقة التي تراها مناسبة.
وفي المساء حضر ود الصديق والعمدة فتزلزل إيمان المرأة وكادت أن تكفر وعصفت بها الحيرة ولم تستطع أن تفهم لماذا لم يصرف الله ود الصديق عنهم فقالت لابنتها بتأكيد:
ــ أنا سأصرفه بنفسي وليكن ما يكون.
وحملت صينية الشاي وذهبت بها إلى حيث الرجال الثلاثة مجتمعون في فناء الحوش الصغير. وضعت الصينية فوق الطاولة وكانت هناك رزمة نقود أمسكت بها وسألت:
ــ ما هذا ؟
رد زوجها:
ــ هذا مهر ابنتك.
فألقت برزمة النقود في حجر ود الصديق وقالت له مباشرة:
ــ ابنتي ليست معزة .. اشرب هذا الشاي وانصرف ولا تعود مرة أخرى.
سيطر الذهول على الرجال الثلاثة، فهذه أول مرة في تاريخ القرية تخرج فيها امرأة إلى الرجال وتطرد أحدهم وقبل أن يستوعبوا ما حدث أضافت المرأة وهي تهز يديها في وجه العمدة:
ــ اسمع يا عمدة أنا ليس لديّ في هذه الحياة غير منال ولن أزوجها لحرامي الغنم.
تناول العمدة النقود من حجر ود الصديق وقذف بها في حجر عوض الله ثم نهض غاضباً وبحركة عصبية لا إرادية أطاح عمامة ود الصديق التي تغطي رأسه فتدحرجت على الأرض ثم جذبه من شعر رأسه وهو يقول:
ــ هيا بنا يا حرامي الغنم.
ثم وجه حديثه قبل أن يغادر إلى عوض الله قائلاً:
ــ كلمة الرجل سيف مسلط على عنقه لا يجب أن تسقطها امرأة، نهاية هذا الاسبوع سيتم عقد القِران.
وجذب ود الصديق من كُم جلبابه واتجها إلى الباب فقذفت المرأة بالعمامة خلفهم وهي تصيح:
ــ إنه عشم إبليس في الجنة.
وقف العمدة قبل أن يفتح الباب والتفت قائلاً:
ــ أدِّب امرأتك يا عوض الله.
قام عوض الله وانهال على زوجته بالضرب وحينما خفت ابنتها لإنقاذها أخذ يضربهما معاً وصراخهما يصل إلى عنان السماء فهب الأهالي وامتلأت الدار الصغيرة عن آخرها واختلط الحابل بالنابل وفي هذه الليلة المشهودة انتحرت منال عوض الله.
كان الناس مشغولين بتخليص امها من براثن أبيها فتسللت من بينهم من غير أن يفطن إليها أحد وهرولت تحت جنح الظلام باتجاه النهر وألقت بنفسها من أعلى القيف، وحينما أنقذ الأهالي المرأة من براثن عوض الله الذي كان كالثور الهائج أخذت تصيح وهي تهرول هنا وهناك:
ــ ابنتي .. منال .. أين هي؟!!
وقضى رجال القرية وشبابها الليل بأكمله يبحثون عنها، فقد اجتمع شيوخ القرية في حوش المسجد وأرسلوا في طلب جعفر قصّاص الأثر فعاد الرسول سريعاً ليقول أن القصّاص سكران لا يدري رأسه من رجليه فقاموا بتشكيل مجموعات للبحث: مجموعة الحواته أو المراكبية (أصحاب المراكب) أُرسلت على عجل لتمشيط النهر، ومجموعتان لتمشيط الشاطئ انطلاقاً من الصخرة : مجموعة تذهب شمالاً والأخرى جنوباً مع التأكيد عليهم بأن يذهبوا أقصى ما يستطيعون، ومجموعة أخرى كبيرة أُمرت بالتفرق في الخلاء الممتد من القرية باتجاهاتها الثلاثة حتى القُرى الأخرى المتاخمة، ومجموعة كُلفت بالبحث في المزارع والحقول أمرها الحاج عبد الناصر قائلاً:
ــ لا تغفلوا جرفاً ولا حقلاً، اصعدوا الأشجار وفتشوا بين أغصانها.
ومع تباشير الفجر الأولى بدأت المجموعات بالتقاطر على المسجد وهم يجرون أذيال الخيبة وكان خبر تهديدها بالانتحار قد وصل إلى الرجال بالمسجد فقال أحمد أبو عاقلة:
ــ إذاً تجهزوا للغطس، سنصلي الفجر ونتوجه إلى النهر.
بعد الصلاة والابتهال الطويل إلى الله خرج الرجال والشباب وكان الصبية مجتمعون بالحوش الخارجي للمسجد فصاح فيهم ناظر المدرسة قائلاً:
ــ ماذا تفعلون هنا .. هيا اذهبوا إلى المدرسة.
وتقدم ناحيتهم وهو يصيح فيهم:
ــ من يتغيب اليوم سوف أسلخ جلده غداً.
فتفرق الصبية وجلين.
حينما نزل السيل البشري باتجاه النهر كان محمدو يجلس على الصخرة وظهره ناحيتهم فهرع نحوه جده حاج الإمام وسأله:
ــ محمدو ما بك؟
ــ لا شيء.
ــ لماذا تجلس هكذا؟
ــ أنت تعرف أنني أعبر النهر فجر كل يوم.
ــ ولكنك تعود قبل شروق الشمس.
ــ أردت أن أقوم بواجبي، سوف أشارك في الغطس.
وكان الشباب قد بدؤوا بإلقاء أنفسهم في الماء الدافئ
جزع حاج الإمام وقال لحفيده:
ــ كلا ، كلا لن تشارك، لقد شاركت في البحث وهذا يكفى.
ــ لماذا ؟ أنا سباح ماهر.
ــ هناك فرق بين السباحة والغطس وأنا قلت لن تشارك.
تدخل محمد الإمام في النقاش قائلاً لابن أخته:
ــ اسمع كلام جدك.
ــ أنا أخبر هذه الأعماق جيداً وسوف أغطس معكم.
جثا حاج الإمام على ركبتيه وتوسل حفيده:
ــ اسمع كلامي يا بني واذهب أو قف معي هنا وراقب ما يحدث.
ــ بل سأغطس ولا تخف عليّ يا جدي.
نظر حاج عبد الناصر إلى حاج الإمام وقال في نفسه: يا لتصاريف القدر هل هذا حاج الإمام، أين كان هذا الحنان والعطف في السابق.
استنجد حاج الإمام بعبد الناصر قائلاً:
ــ عبد الناصر، لماذا تنظر إلينا هكذا، قُل شيئاً.
ــ دعه يا حاج الإمام، هل نسيت أننا شاركنا في الغطس وكان عمرنا مثل عمره وبنياننا أضعف من بنيانه.
نظر حاج الإمام إلى صديقه بعتاب وهو يقول:
ــ ذاك زمن .. وهذا زمن.
فرد عبد الناصر:
ــ ولكن النهر هو النهر ولم يتغيّر.
فقال الناظر وداعة الله السيد:
ــ وحفيدك فارس هذا الزمن والزمن القادم أيضاً، لقد رأيته بأم عيني يغيب تحت الماء زمناً طويلاً حتى أخاله قد غرق فأهم باللحاق به فيظهر مرة أخرى، إن له نفس طويل وأنا أتفاءل به.
استسلم حاج الإمام وقال يُوصي ابنه محمد وصديقه مصطفى الماحى اللذان خلعا ملابسهما تأهباً للغطس:
ــ محمد .. مصطفى، لاصقاه ولا تدعاه يبتعد عنكما، لاصقاه جيداً.
قال الاثنان بصوت واحد:
ــ لا تخف عليه.
ثم جذبا محمدو وخاضا في ماء النهر.
تقدم حاج الإمام ناحيتهم وهو يقول:
ــ اجعلاه بينكما .
ثم مد يديه ليقول شيئاً آخراً ولكن الثلاثة كانوا قد سبحوا مبتعدين فجلس على الرمال قرب الماء وهو يتمتم بصوت واهن: يا رب.. يا رب. فتقدم منه عبد الناصر ووضع يده على كتفه وسأله:
ــ لماذا أنت قلقٌ عليه هكذا؟
قال حاج الإمام من غير أن يحول بصره عنهم:
ــ أنت لا تشعر بالنار التي تأكلني منذ سنوات يا عبد الناصر، منذ أن رحلت أمه.
ثم وضع رأسه على ركبتيه وهو يراقبهم مبتعدين وأردف:
ــ لقد رحلت سريعاً وكأنها طيفاً أو حلماً جميلاً وأنا لا أريد له أن يرحل سريعاً هو الآخر.
ــ ربت عبد الناصر على كتف صديقه وهو يقول:
ــ لا تقلق .. سيعود بإذن الله، إنه بين أمهر سباحين في القرية.
كان المشهد على سطح النهر فريداً: رؤوس تظهر ليستنشق أصحابها أنفاساً عميقة وتختفي تحت سطح الماء مرة أخرى والشيوخ يراقبون ما يحدث بارتباك واضح وقد بدت لهم الثواني طويلة جدا ولكنها بدت لحاج الإمام وكأنها دهورا من الألم والعذاب.
كل الذين غطسوا تحت الماء ظهرت رؤوسهم إلا ثلاثة: محمد الإمام وابن اخته محمدو ومصطفى الماحى فقال حاج الإمام بعصبية:
ــ لماذا لم يظهروا ؟ لقد تأخروا كثيراً.
رد حاج عبد الناصر:
ــ لم تمر دقيقة على نزولهم تحت الماء.
صاح حاج الإمام وهو يهب واقفاً:
ــ بل مرت ساعة.
وألقى بمسبحته على الرمال واندفع في الماء وهو بجلبابه فأمسك به الرجال فأخذ يصيح:
ــ ابناي يا قوم .. ابناي يا عبد الناصر .. اتركوني اتركوني.
خلع حاج الماحى جلبابه سريعاً واندفع في الماء وهو يقول:
ــ لا تتركوه أبداً ، أنا سأستطلع الأمر.
وما أن بدأ بالسباحة مبتعداً حتى ظهرت الرؤوس الثلاثة في منتصف النهر تماماً فتراخت الأيادي الممسكة بحاج الإمام الذي ما أن رآها حتى خرّ مغشياً عليه فحملوه وأسجوه على الرمال بعيداً عن الشاطئ.
غابت الرؤوس الثلاثة تحت الماء مرة أخرى لتعود وتظهر سريعاً وبدا أن الثلاثة يعالجون شيئاً تحت الماء وما هي إلا لحظة خاطفة بدت للرجال أطول من دهر حتى ظهر على سطح الماء شعر أسود طويل، ثم وجه منال.
خرج حاج الماحى من الماء ووقف مع الرجال يراقب الثلاثة وهم يسبحون باتجاههم يجرون جثة منال فترقرقت عيناه بالدموع وقال بصوت سمعه الجميع:
ــ أسأل الله أن تكون آخر الضحايا.
عوض الله الذي كان منهاراً منذ ليلة الأمس أُصيب بحالة هستيرية ما أن رأى جثة ابنته وأخذ يصيح وهو يهيل الرمال على رأسه:
ــ أنا السبب .. أنا السبب
فأمسك به بعضهم وسحبوه إلى بيت حاج الماحى المتاخم للنهر.
خرج الثلاثة بالجثة من الماء فهرع محمد الإمام ناحية أبيه يلحق به مصطفى أما محمدو فقد وقف ينظر إلى وجه منال وأنفاسه تتلاحق وصدره العاري يعلو ويهبط ولم يفارقه هذا المنظر بعد ذلك أبداً فقد كان يرى وهو ينظر إلى وجه منال وجهاً آخر هو وجه أُمه الراحلة زينب.
سارع عبد الناصر بتغطية الجثة بعباءته وقال وهو يلهث من الانفعال:
ــ الماحى عاون الأبطال على حمل أباهم إلى البيت واعتنى به جيداً، اذهب معهم يا محمدو.
ثم التفت إلى الناظر وقال:
ــ وداعه أعط إشارة الخروج للشباب، أنا وأبو عاقلة سنتولى إخراج الماء من الجثة.
صعد الناظر إلى الصخرة وأخذ يلوح بالعلم الأبيض المربوط على عصا طويلة وباقي الرجال غادروا لتجهيز القبر بناءاً على أمر الشيخ أحمد أبو عاقلة أما العمدة فقد غاب عن المشهد تماماً وظلّ معتكفاً بمنزله لفترة طويلة.
في بيت عوض الله كانت علويه أم منال في حالة يُرثى لها، كانت قاب قوسين أو أدنى من الجنون والخيط الرفيع الذي كان يفصلها عن الجنون هو الأمل بالعثور على منال مختبئة هنا أو هناك أما وقد تأكد خبر انتشال جثتها من قاع النهر فقد تلاشى هذا الخيط الواهي وتعطل عقلها عن التمييز السليم فدخلت في غياهب الجنون وبعد أربعة أشهر وبضعة أيام قضت معظمها هائمة على وجهها تسأل كل من يقابلها هل رأيت ابنتي منال لحقت بها فأراحت واستراحت، ولم يمضِ على وفاتها حولٌ إلا وتزوج عوض الله من أرملة سيئة السمعة من قرية أخرى على الجانب الآخر من النهر وصادف تاريخ زواجه إعلان تطبيق الشريعة الإسلامية في البلاد أو ما عُرف بعدها بعام بعد الإطاحة بحكم جعفر النميرى بقوانين سبتمبر.

ضياء الدين الشريف
[email protected]





تعليقات 3 | إهداء 0 | زيارات 1082

خدمات المحتوى


التعليقات
#1804889 [nana]
1.00/5 (1 صوت)

08-20-2018 08:07 PM
حقيقة كل ما ذكر واقع معاش ولكن هناك فرق فالسودانيين ومنذ وجودهم مشهورين بشرب المريسة ولكنهم كانوا رجال وكانوا اخوان بنات واصحاب نخوة وكانوا صادقين ولكن الآن اضافة للخمور البلدية ظهرت المخدرات البودرة وانعدمت الرجولة والنخوة وبعد ان كان الشاب يدافع عن بنت الحي كأنها اخته صار شباب اليوم يمارسون زنا المحارم وحتى الرجال كبار السن الذين عاشوا العصر الذهبي اصبحت رؤوسهم مطأطاة ونظراتهم كسيرة ولا يجرؤون على محاسبة بناتهم دع عنك اولادهم وكل القيم الجميلة التي كانت سائدة حتى الفترة التي يؤرخ لها الكاتب وهي منتصف الثمانينيات ونهاية حقبة مايو طمرت وقبرت يوم اتى هذا النظام الشيطاني ملتحفا بعباءة الدين والدين منه براء ففقدنا الامل في تغيير هذا الواقع المظلم ونحن نرى الرجال منكسرين والشباب خانعين وكأنهم ينتظرون منا نحن النساء الخروج وتغيير النظام ويؤسفني ان اقول والله على ما اقول شهيد ان كل نساء وبنات بلدى فقدن الثقة بالشباب والرجال وصرن يحتقروهم ويرين انهن اقوى وارجل من اخوانهن وابائهن وازواجهن وانهم اوهن من جناح بعوضة ويكفى دليلا على ما اقول ان القاتل يأتي معزيا في ضحاياه فيقابله اهل الضحايا بكل الحفاوة والترحاب التى تخفى الخوف والهلع منه بل انهم يجلسون على الارض في ذلة وانكسار وهو يتمطى على الكرسي وانا فتاة اعرف ما اقول واتحدى من يثبت لي العكس اما انا فمستعده ان اعدد لكم مئات الألاف من الامثلة التي تفضح جبنكم وانكساركم وآخرها ما بدر من أهالي الاطفال ال24 الشهداء الذين لم يوجد بينهم رجل واحد يصد القاتل الذى جاءهم معزبا في ضحاياه بينما امرأة نعم امرأة رفضت ان يضع القاتل يده في يد ابنتها وقامت بانتزاع يد ابنتها من يد القاتل وهي تصوب له نظرات الغضب والكراهية فماذا فعل الرجال وفيهم من فقد خمسة زهرات صغيرات وفيهم من فقد ايضا مثنى وثلاث ورباع من اطفاله ماذا فعلوا لقد صمتوا صمت القبور بينما امرأة لقنت القاتل درسا له ينساه
اشربوا مريستكم ودخنوا مخدراتكم ومارسوا لواطكم واغتصبوا اطفالكم ونحن النساء سنقود لكم الثورة
نعم سنشعل الثورة وما الغريب في ذلك اليست ثورة المقابر اشعلتها النساء وحتى لو حدث ذلك في رواية وعالم افتراضي فهذا يدل على قوة شكيمتنا وعزمنا مقابل ضعفكم وهوانكم وذلكم مع المعذرة للكاتب الاستاذ ضياء الدين الشريف الذي فيما يبدو فقد الامل في ثورة يقودها الشباب فتحدث عن ثورة قادتها النساء واحدثن بها التغيير وفي آخر مكان يمكن ان تحدث فيه ثورة وهو المقابر واظنها رسالة لا اظنكم فهمتم مغزاها واستوعبتم معناها فكل تفكيركم وهمكم لا يتعدى يومكم واصبح في قفة الملاح والنوم بسلام ولكن ليس بالخبز وحده يحيا الانسان ايها المتخاذلون


#1804801 [احمد عوض]
1.00/5 (1 صوت)

08-20-2018 03:23 PM
اكثر ما استوقفني في هذا السرد السهل الجميل وهذا السيل المتدفق من رواية ثورة المقابر التي لم أقرأ لها مثيلا منذ رواية الراحل المقيم الطيب صالح موسم الهجرة الى الشمال اقول ان اكثر ما استوقفتى هو هذا الاهداء الذكي الذى وجهه الكاتب (مهداة إلى أصحاب القلوب المتحجرة حكاماً ومحكومين عسى أن تحرك فيهم ساكناً) واكثر ما استوقفنى في هذا الاهداء هو المحكومين لأننا نعلم جميعاً ان قلوب حكامنا من الرئيس الى اصغر موظف محلية اقسى من الصخر وهذا شيء مسلم به تؤكده سنوات حكمهم العجاف ولكن ماذا عن قسوة قلوب المحكومين وهل الشعب صار مثل حكامه وانا اعتقد ان الكاتب وعلى حسب معرفتي به اراد ان يلقي حجرا في بركة اللامبالاة الساكنة وما زلت اذكر قوله في قلب السفارة السودانية بطرابلس وامام كبار موظفيها أن جلادي الجبهة الإسلامية حولوا الشعب السوداني الى قطيع لا ارادة له ساعدهم في ذلك تهافت النخب التي كان يُعتقد انها وطنية على الفتات التي كانت تلقيه لهم السلطات فعملوا على تمكينها من رقاب الشعب بينما تمكنت هي من كل مفاصل الدولة وتفاصيل الحياة اليومية بكل ما فيها فلم يعد هناك مثقف أو سياسي أو رجل دين الا واصبح تحت ارجلهم يتقاذفونهم بمهارة لاعبي الكرة ليسجلوا بهم الاهداف في مرمى الشعب الذي طال غُلبه وقهره وذله فتكلست مشاعره واصبحت اللامبالاة هي عنوانه الرئيس وما يثبت صحة قوله ـ أي الكاتب ـ ما صاحب مأساة غرق التلاميذ الأربعة وعشرون واليكم بعض عناوين صحف النظام نفسه وهو نفس ما تم تداوله فى السوشال ميديا على شاكلة
((أعلن والي ولاية نهر النيل حاتم الوسيلة، عن انتشال جثامين أربعة من التلاميذ، الذين قضوا في غرق مركب بمنطقة الكنيسة بمحلية البحيرة ، وكان (22) تلميذاً ، قد لقوا حتفهم غرقاً في بحيرة سد مروي، أثناء عبورهم صباح الأربعاء في طريقهم إلى مدرستهم))
تصوروا أربعة تلاميذ من جملة أربعة وعشرون وبعد أيام من المأساة والسلطات تعد ذلك انجازا!!!
((الاستعانه بمحليه مروي في اخراج جثث الشهداء))
هنا يأتي القول الفصل والتأكيد على اهداء الفصل الاليم لقلوب المحكومين القاسية أو قل اللامبالية ففي السابق وقبل عهد الانقاذ البئيس كان أهالي المنطقة وشبابها يضحون بأنفسهم من اجل اخراج جثة غريقهم تماماً كما حدث في فصل الرواية حينما خف جميع رجال وشباب القربة الذين امتلأ بهم النهر حتى عادوا بجثة منال عوض الله بعد اقل من نصف ساعة من نزولهم الى قاع النهر وهي التي مضى على غرقها ساعات ليست بالقصيرة وهذا المشهد الروائي لا اظنه متخيلا على الاطلاق فهو ما كان يحدث فى كل الضفاف حال غرق احدهم واعتقد أن الكاتب اخرج هذا المشهد من اعماق ذاكرته فهو ابن قرية تقع على ضفاف نهر النيل فيها ولد وعاش وان لم يحدث هذا في قريته فالمرجح أنه حدث وشاهده في قرية اخرى مجاورة
استاذنا العزيز ضياء الدين الشريف/
لقد أسمعت لو ناديت حيــــا ولكن لا حياة لمن تنادى
ولو نارٌ نفخت بها أضاءت ولكن أنت تنفخ في الرماد
وقد وصل شعبنا لمرحلة أصبح يكتفى فيها بتصوير الغريق أو الحريق أو المصاب بهاتفه الجوال بدل انقاذه فكلمة انقاذ اصبحت في القاموس السوداني ذات دلالات ومعانٍ اخرى لا تمت للشهامة والمروءة ومكارم الاخلاق بصلة


#1804759 [[email protected]]
1.00/5 (1 صوت)

08-20-2018 12:43 PM
أي تعليق لن يرتقى إلى المستوى ولن ازيد على القول الذى لا قول بعده ( ان للبيان لسحرا )


ضياء الدين الشريف
مساحة اعلانية






الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.
Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2021 alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة