المقالات
السياسة
بِرِش ياسر جعفر السنهوري!
بِرِش ياسر جعفر السنهوري!
10-31-2018 09:07 AM

عام 1992م توفي خالي شقيق والدتي ، رحمة الله عليهما الأثنين ، كان خالي رجل شهم بمعني الكلمة لا يكره الناس ، كل أخواته في الأسرة يحبونه بشدة ، وأصدقاءه يريدونه بمحبة شديدة ، حتي أصدقاء الأسرة يكنون له أحترام كبير وتقدير لا مثيل له ، ذات مرة دب خلاف حاد وسط أشقاءه في الأسرة ، خلاف لا أول له ولا نهاية ، وصل حد القطيعة بين الأخوات الذين خرجوا من رحم أم واحدة ، وتربطهم مصير واحد ، ويهمهم أي شيء يحدث للأسرة ، سواء كان فرح أو كره ، خلاف من ذلك النوع الذي يجعلك تركب رأس أو تدفن دقن ، علي كل حال ، الخلاف وصل إلي درجة كل إمرءٍ بدء يأكل زاده ، ويفكر في مستقبله منفرداً عن باقي الأشقاء ، كان خالي هذا يسكن في مدينة الفاو الرائعة ، بينما أخواته منتشرين ما بين جبال النوبة ، سنار ، مدينة ودمدني ، القضارف ، قلع النحل ، الشوك ، الخرطوم الدامر ، والقطينة ، ولما توفي خالي في الفاو ، أقامة أسرته يوم حداد أشبه بالتأبين عند السياسيين ، دعوا فيه جميع أخواته من مختلف الأماكن للحضور والمشاركة ، وعندما علمت خالتي المقربة من والدتي أن شقيتها سوف تحضر هذا اليوم ، رفضت الذهب وحرضت الأخرين إلي عدم المشاركة حتي يفشل يومهم ، ثم وعدتهم بإقامة يوم تأبين يليق بالخال المحبوب ، وبالفعل سافرت إلي الفاو وأحضرت " بِرش المرحوم " .. هنا لابد من شرح بعض الشيء ، ( بِرش المرحوم ) .. هو ذلك السجاد المصنوع من جريد النخل ، يضع عليه جثمان المتوفي ، ثم يتم لفه ويضع في العنقريب ، ومن ثمة يحملونه نحو مصيره الأخير ، وبعد إجراء مراسم الدفن ، يتم حفظ البرش بعناية ، ويمنح إلي أقرب الأقربين ليحتفظ به ، في عاداتنا بالقبيلة يتم تداوله بين أبناء المتوفي أذا كان له أبناء كبار ، أو أشقائه إذا كان لديه أخوات ، كي يقام عليه مأتم سنوي ، تسمي هذه العادة بالبكاء السنوي ، وهكذا دواليك ، يلف البرش بين الجميع . " وكل زول يعمل البكاء بتاعه " طالما ما الِبرش موجود ! .. علي هذا الأساس تم تداول بِرش خالي في أكثر من مكان بالسودان ، في سنار ، قلع النحل ، الخرطوم ، ودمدني ، الدامر .. صرفوا أموال طائلة في التأبين والترحال ومصاريف الإنتقالات والإقامة والإعاشة وغيرها من الأشياء ، كل خال أو خالة أقاموا مأتمهم ، وظل الخلاف قائم ، لو كان فكر أحدهم وجمع شمل الأسرة في يوم تأبين خالي وإنتهز تلك الفرصة ودع إلي لم الشمل ونبذ الخلافات التي حدثت في الأسرة ، كان يمكن يحدث لم الشمل ويتوحد المأتم ، لكن كل واحد منهم همه هو ، أن يقيم مأتمه وكفي ، كي يثبت حبه للخال المرحوم . الذي مات وشبع موت ، لا يسمع ما يحدث ولا يشاهد مأتامهم المستمرة بالبرش .
هذه الواقعة تذكرتها وأنا أشاهد الرفاق ، يتعاركون بينهم كي يقيم كل كمرد مأتمه أو تأبين للرفيق ياسر جعفر السنهوري ، ليس من باب حبه للرفيق ، ولكن أعتقد ، وأتمني أكون مخطئ ، من باب الخلاف الذي حدث بيننا ، الرفيق ياسر جعفر كان مثل خالي تماماً ، يحب كل أخواته في الحركة الشعبية ، لا يميز بين هذا وذاك ، كان يتمني أن ينتهي هذا الصراع بأسرع وقت وبأقل خسارة ، قبل أن يموت ياسر جعفر بشهرين تقريباً حدثني عن ضرورة وحدة الحركة الشعبية ، وعن أهمية جميع الرفاق ، وقال " اسمع يا ضحية والله العظيم ، الحركة الشعبية دي إن لم تتوحد بأخوي وأخوك في ناس بجوا بوحدوها بالقوة ، وكلامي ده بعدين تشوفه ) ، الأن مات خالي ياسر جعفر وصار بِرشه يتداوله الرفاق في كل مكان بالسودان كي يقيموا عليه مأتماً وعويلا ، فهل ينتهز أحدهم ، هذه الفرصة ويدعوا إلي وحدة الصف بين الرفاق الذين خرجوا من رحم معاناة واحدة ؟! .

أ/ ضحية سرير توتو / القاهرة





تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 491

خدمات المحتوى


ضحية سرير توتو
ضحية سرير توتو

مساحة اعلانية




الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.
Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2024 alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة