المقالات
السياسة
مؤتمر السودان القديم في افريقيا: في ذكراه الخمسين
مؤتمر السودان القديم في افريقيا: في ذكراه الخمسين
11-22-2018 09:44 PM





مرت السنة خمسون عاماً عى انعقاد مؤتمر "السودان في أفريقيا" ما بين 5 و 11 فبراير 1968. وهو المؤتمر الذي نظمته شعبة أبحاث السودان بكلية آداب جامعة الخرطوم والقيم عليها بروفسير يوسف فضل حسن. ورعى المؤتمر السيد إسماعيل الأزهري رئيس مجلس السيادة بكلمة ترجمها البروفسير عبد الله الطيب في إنجليزية فصيحة. وتجد أدناه كلمة البروفسير النذير دفع الله، مدير الجامعة، في افتتاح المؤتمر. ولا يجارى هذا البيطري صنعة كتب العربية أو الإنجليزية)

كان المؤتمر العالمي لمنزلة السودان في افريقيا في شتاء 1968 هو أول تجربة لنا في المعرفة التي تشق لها أكباد الإبل كما تقول العبارة العربية. نظمت الموتمر شعبة ابحاث السودان التابعة لكلية الآداب بجامعة الخرطوم بعد نحو ثلاث سنوات من تأسيسها لقيادة البحث عما كنا نسميه ذاتية السودان أو هويته في قول المحدثين. ثم تحولت الشعبة لتصبح معهد الدراسات الأفريقية والآسيوية الحالي في 1974. وكان ذلك تتويجاً لنشاطها البحثي خلال عقد من الزمان ارتادت فيه آفاق عوالم السودان وأتفق لها أن أفضل تقعيد معرفي بالسودان أن تعرض لثقافاته وتدرسها بالنظر الي عروته الوثقي مع أفريقيا وآسيا.وقد تدرج بالشعبة الي هذا المرقي البروفسير يوسف فضل حسن الذي ورثها وليدأً يحبو من بروفسر ساندرسون. وكان هذا مديرها الأول وقد أجمل فكرة الشعبة في مقال نشره بعدد باكر من مجلة التاريخ الأفريقي. ثم تعهد يوسف الوليد بالرعاية حتي شب عن الطوق وعم نفعه.

لم يكن المؤتمر هو المؤتمر الأكاديمي الأول الذي ساهمت في الاعداد له، بل أيضاً كان المؤتمر الأكاديمي الأول الذي احضره. وقد مسني من جلاله ما بقي معي من احترام جدي للأكاديمية ومناهجها، وتشقيقها حتي برجها العاجي المزعوم. عجبت لمن يشقون أكباد الإبل هؤلاء لإطلاع زملائهم علي الجديد من افكارهم بلا ضوضاء. أذكر توماس هودجكن يخطو فارعاً تحف به نبالة انجلوساكسونية واشتراكية يحدثنا عن المهدية والعيسوية والماركسية. وأذكر روبرت كولنز يحدثنا عن الجنوب وما تاخمه جنوباً في بدلته الأمريكية ذات الخطوط الزرقاء الجاذبة. وأذكر علي مزروعي جاءنا من جامعة مكرري بيوغندا واقتحم غرفة عمليات المؤتمر في موضع مسجد الجامعة الحالي. وكان يطلب من يدفع لسائق التاكسي لأن مندوبنا قد تأخر عليه في المطار. وكنا ننتظر أن يقدم لنا نفسه على نحو أكثر إثارة. فقد قرأنا ورقته للمؤتمر وأخذتنا مادتها عن هامشية السودان المركبة وعنوانها. وقد كان لي شرف ترجمة العنوان لأغراض الإعلام عن المؤتمر. وما تزال الورقة مما يثير الجدل بعد ثلاثين عاماً من كتابتها. فقد جدد الدكتور بيتر وودورد ذكرها في كلمته لجمعية الدراسات السودانية هنا من قريب.

وأذكر المرحوم نتالي أوكولوين، الأكاديمي الحدث بكلية القانون، يحدثنا عن الأعراف في الجنوب. وقد نضج نتالي لاحقاً بكتابات غاية في الذكاء غير ان السياسة والموت عاجلا وعده الأكاديمي الباذخ. وأذكر سميرنوف السوفيتي، وكان مختصاً في مهدية السودان وقد ترجم كتابه الي العربية رفيقنا محمد ابراهيم نقد الحي ومختفي داك (كان هذا بحياة المرحوم). وقد ساء سميرنوف قول بعض الناس إن الإدارة الأهلية نظام صالح وجيد. فأقتحمنا أنا وزميلي سيد حريز وهو يقول بإنجليزية عليها غبرة روسية: "نيتف أدمينستريشن، بروقريسيف أور نيت بروقريسيف. أوف كورس نيت بروقريسيف" (هل الادارة الأهلية تقدمية او غير تقدمية؟ لا شك انها غير تقدمية). وظللنا وحريز نذكرها للرفيق كل ما التقينا. وكان هذا غيضاً من فيض الرجال الذين وفدوا لبيت الحكمة الذي رتبناه عن مكانة السودان في افريقيا.

وقد وطنني هذا الموتمر علي ان الأكاديمية تقوي مدنية وخلق في طلب الحقيقة. ولهذا تغافلت عن كلمة تهوين بالمؤتمر صدرت عن استاذنا عبدالخالق محجوب الذي حضر الجلسة التي تحدث فيها هودجكن. وتعلمت من يومها أن كثيراً مما يقوله السكرتير العام غير منزل أو ملزم. وقد عاد الرفيق الوسيم بعد عامين من كلمته الخادشة للأكاديميين ليعرض علي التفرغ ك "أكاديمي " بالحزب الشيوعي. وقبلت عرضه السخي. كانت أفريقيتنا تصدر عنا بغير إعلان. فالنمر لا يزأر بنمريته في قول وول شوينكا.

كلمة المرحوم البروفسير النذير دفع الله مدير جامعة الخرطوم في افتتاح مؤتمر السودان في أفريقيا

نجتمع اليوم لافتتاح مؤتمر شعبة أبحاث السودان العالمي عن (السودان في أفريقيا) وأتوجه بالتحية والاجلال للمساهمين الذين تقاطروا عليه من كل فج منضمين الى زملاء لهم في بلادنا يحملون تبعة المعرفة، ومسئولياتها للخوض في هذا الموضوع الحيوي على هذا الجسر من أفريقيا المشغول الفكر والوجدان بتبعات الانتماء الحضاري. ينعقد هذا اللقاء الرفيع في سبيل اثراء أفق الرؤية السودانية، ولكي تمتزج الخبرة الوافدة والمحلية في حوار يثمر خصبا ونفعا وامتاعا يزدهر في حياتنا الفكرية والأكاديمية المعاصرة.

ومن حسن الطالع أن يوافق انعقاد مؤتمركم هذا اختيار السودان مقرا لاتحاد الجامعات الافريقية بنص القرار الصادر في الاجتماع الثاني للجنة التنفيذية لاتحاد الجامعات الأفريقية الذي انعقد في آخر الشهر المنصرم بتوصية من الاجتماع الثاني الذي انعقد في الخرطوم في سبتمبر 1963. ولهذا التوافق دلالاته العميقة ومغزاه البعيد الأثر. ففي الوقت الذي تأتي لنا الأداة التنظيمية لتنسيق النشاط الجامعي الافريقي ينعقد هذا المؤتمر ليتطرق الى مسألة ذات مساس جوهري بهذا الجسر في الماضي والحاضر والمستقبل. فلا أقل من أن ننفي عن هذا التوافق عنصر المصادفة والتلقائية ونرده الى منطق الأشياء . . . الى تلمس بلادنا وفكرنا وتلمس الآخرين من جيراننا صيغة عصرية جديدة للجوار الكريم الحميم الفاعل قائم على العلم والتحصيل.

وختاما أتوجه بخالص الشكر للسيد اسماعيل الأزهري رئيس مجلس السيادة وراعي الجامعة لرعايته الكريمة لهذا المؤتمر، ولحكومة السودان والهيئات والافراد شكر واجب ولائق معا اذ أسهموا بقدر وافى في نفقات المؤتمر فأزاحوا عن منظميه عبئا غير يسير.

ولينعقد مؤتمركم مكللا بالفكر ممجدا به. فلقد انضى نفر كريم من المساهمين أكباد الإبل، بالتعبير العربي القديم، متجشمين المشقة في سبيل اجلاء الحقيقة. ولقد عكف نفر كريم من المساهمين من بلادنا اعدادا ودرسا. ولا غرو فالعلماء وراث النبوة فسلاما عليكم اذ تجتمعون، وسلاما عليكم اذ تقارع الحجة الحجة، وسلاما عليكم اذ تمحصون وتجادلون، واقامة طيبة عامرة في ربوع بلادنا وعودا حميدا بأذن الله.

[email protected]





تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 323

خدمات المحتوى


عبد الله علي إبراهيم
عبد الله علي إبراهيم

مساحة اعلانية




الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.
Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2024 alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة