المقالات
السياسة
عندما يتهاوى وطنك تتهاوى ذاتك وإن اغترب جسدك وابتعد...
عندما يتهاوى وطنك تتهاوى ذاتك وإن اغترب جسدك وابتعد...
11-29-2018 10:30 PM



مفهوم الوطن يحيل إلى وجود الأنسان المعنوي أكثر من وجوده المادي، فالوطن هو (أنت) نفسك ممتداً عبر حيوات كثيرة من خلال صيرورة وسيرورة لا تنقطع، فأنت لست أنت وحدك، إنما أنت (الآن) إمتداد متصل في الماضي السحيق إلى المستقبل البعيد، وبضعٌ منك منثورٌ فيما حولك ومن حولك، وبضعٌ ممن حولك وما حولك مبثوث في ذاتك. وجودك الحسي ما هو إلا محطة (تَحَقَّقت) فيها ذاتك مادياً في صورة (وطن) صغير ذو طبيعة مؤقتة، يستمد من خلالها الوطن الكبير (بوصفه مفهوم ديناميكي) عناصر وجوده المتمثلة في بطولاتك ومفاهيمك وصناعاتك وفنونك وكتاباتك، التي تثري هذا الروح المتعالي والمفارق الذي يفوق في قيمته مجرد مجموع قيم أفراده، وبموتك يتحول وجودك المادي إلى طبيعة (معنوية)، تواصل وجودها ديالكتيكياً في وعي من يأتي بعدك.
الموت يضفي على منتوجنا، أياً كانت قيمته، قداسة وفاعلية تنتهي في أقصى حالات قداستها لما كان يعرف (بعبادة الأسلاف)، وحديثاً بات يعرف بالسلفية في كافة تمثلاتها المختلفة، فمن منا لم لم تهزه الأشعار والمرويات التي تُمجِّد (الهمباتة) وتُعلي من قدرهم وكرمهم وفروسيتهم، رغم حقيقة أنهم لصوص وقُطَّاع طرق وأنذال مارقين، فبالرغم موتهم واندثارهم فهاهم يُبعثون اليوم من مرقدهم، على غير شاكلتهم، ليساهموا معنوياً في تشكيل مفهوم الوطن، فعِوض أن نشعر بالخِزي والعار على ما اقترفوه من أكلٍ لأموال الناس بالباطل وإزهاق لأرواح الأبرياء، فإذا بنا نجد أنفسنا على آثارهم مقتفون ومنبهرون.
كل الذين ينهبون ويقتلون اليوم هم (سلفيون) بامتياز، فلكلٍ منهم في لاوعيه سلف قاطع طريق همباتي يبرر له أفعاله، فلا غرابة إذن والحال كذلك، أن تنتشر أشعار وقصص الهمباتة من جديد، لِتَنْفُذَ إلى (لاوعي) المواطن وتعبث فيه حتى يقبل (إجتماعياً) عمليات النهب والسلب التي تُمارس، طالما أنهم يتمتعون بخصال الكرم والشهامة ومساعدة أهلهم بأموال (النهب المصلح)، فالهمباتي لا ينهب وإنما يُطعم أهله... تباً لثقافتنا المشوهة!!!!! وتباً لمثقفينا الذين يتصدرون شاشات التلفاز ورائحة القهوة تدور برؤوسهم!!!! حتى أصبح لسان حال المسؤول وهو ينهب: فلا تلوموني ولوموا "عقليتكم" التي تُمَجِّد كل ما (سلف) بلا نقد ولا نظر (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا).
تأمل هذه القصة التي يتم تداولها بسذاجة البسطاء، ودهاء الخبثاء، في معرض إظهار شرف (الهمباتة) وقيمهم، في محاولة (جبانه) لنقد أخلاق المسؤولين اليوم، والمفارقة أنهم يؤسسون لثقافة النهب بأسلوب ماكر جداً، من حيث يعلمون أو لا يعلمون والقانون لا يحمي المغلفين:
إقترب الطيب ود ضحوية (الهمباتي الشهير) من أحد الفتية الرعاة والفتى مسترخٍ تحت ظل شجرة فقال له: عرفتني آآجنا؟!
قال الفتى: أيه عرفتك!
قال الطيب وهو ينظر إلى الإبل التي يرعاها الفتى: إبلك سمحات!!!!
قال الفتى وهو لا يزال مسترخياً: أيّة سمحات!
قال ود ضحوية: نتقاسم آ جنا؟!
قال (الجنا): واحدا ليهو الإبل، وواحدا ليهو القبر.
الطيب ود ضحوية إستدار ومضى.
القصة تم نسخها وهي متداولة بكثافة في كافة وسائط التواصل الاجتماعي بنفس الصيغة، وتفيد بما يُفهم ضرورةً من الرسالة المضمرة، أن ود ضحوية (شمسون)، كان قادراً على سحق الفتى ونهب إبله وسرقتها، ولكنه آثر تركه حياً إعجاباً منه بشجاعته وجسارته، فكافأه بأن أبقى عليه حياً يسعى، وقياساً على ذلك يتم العبث في اللاوعي لتبرير وتمرير كافة عمليات النهب التي يمارسها (ود ضحوية) اليوم، طالما أنه لم يقتلعك من بيتك ويقذف بك إلى ما وراء الشمس، رأفةً ورحمةً بك أيها البائس الحقير.
دعونا نساهم بوجودنا (المؤقت) في هذا الوطن، من خلال ابراز أهمية العقل النقدي، وتصحيح المفاهيم المغلوطة التي ظلت تنخر في وعينا ليتسنى لمن يأتي بعدنا أن يعيش في وطن صحي معافى من أدران وحماقات الماضي، قطعاً الماضي ليس كله سوء، ففيه ما يستحق أن يعبر إلى الحاضر (بصحبة) مواطن وفيه ما يجب أن يجتث ويرسل إلى (مقابر) الأفكار، المتمثلة في متحافها لتكون مادة علمية تتم مقاربتها وفق مناهج واجراءات علمية حديثة، فلا تستهين أيها المواطن بقدراتك فكل ما تفعل وتقول على قِلَتِه فإنه يساهم إما في بناء هذا الوطن أو في هدمه، فاحذر أن تكون عنصر هدم، أبناؤك سيمجدوا فعلك فأنت قدوتهم، وهم ضحايا العقلية السلفية الدوغمائية، وعين الرضا عن كل عيب كليلة، فاستن لهم في النقد سنة حسنة.
صديق النعمة الطيب[email protected]





تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 269

خدمات المحتوى


صديق النعمة الطيب
صديق النعمة الطيب

مساحة اعلانية




الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.
Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2024 alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة