المقالات
السياسة
الطل والرذاذ
الطل والرذاذ
12-08-2018 02:12 PM

من العلوم التي أثارت الناس وجعلتهم ينهلون منه بشغف متناهٍ و يحاولون ادخاله في كل شئ‘ الفلسفة، و هو من العلوم التي يطلب منها باستمرار أن تبرر نفسها ولا يطلب من الشعر و الفن مثلا، هذا الأمر.

و يدعي الناس بالحق حيناً وبالباطل أحيايين كثيرة أنهم فلاسفة وأن فلاناً فيلسوف والبعض يصفها بوصف الدونية، بعبارة ( ما تتفلسف علينا) وﻟﻠﻪ الحمد والمنة ففي هذه البلاد الكثير جدا مًن الفلاسفة في كل منحى ومن كل حدب وصوب، ولعل إحدى مشاكلنا هي
فلاسفتناوفيلسوفاتنا هؤلاء وأولئك.

ولقد وجه الفلاسفة في اغلب الفترات التاريخية التي ظهروا فيها و كتبوا وجادلوا، بمن يقف في طريقهم و بمن يحذر منهم و ينبش في مقالاتهم لكي يفسرها تفسيراً شائهاً و محرفاً، و يقدمها للسلطات المحلية وأهل السلطان ومجامع فقهاء الدنيا ووجهاء القوم من الأصيلين والمتواليين، طالباً حماية المجتمع منها ومن شرورها، و يبكي على ذلك بدموع التماسيح، وكأنه التيجاني بمن عني:

و المجد اجدر بالشباب وإنما بالناس موجدة على أصحابه
قيل اقتلوه بل أحرقوه بل انسفوا لليم ناجس عظمه وأهابه
ولو كان فوق الموت من متلمس للمرء مد إليه من أسبابه

وفي حقيقة الأمر فإن الناس لم يرسموا و لم يخططوا شيئاً، و لكن الذي رسم وخطط و دبر كان نفراً من أولئك الذين وصفهم الفيلسوف العربي القديم يعقوب بن اسحق الكندي، في رسالته الفلسفية إلى الخليفة المعتصم باﻟﻠﻪ، بأنهم (ممن تتوج بتيجان الحق من غير استحقاق)و الذين يذبون عن كراسيهم المزورة التي نصبوها للترؤس والتجارة بالدين. فهل هناك أبشع من ذلك، بعيداً عن ادعاءات صراعات الآيدلوجيا والفكر، فالموضوع في النهاية ليس أكثر من (بيزنس) لدى الجماعة ديل!

و لقد عانى الفلاسفة كثيراً في كل بقاع الأرض ولا يزالون وعذبوا وقتلوا وصلبوا و لا ينفكون كذلك لليوم، ومنهم من مات ببطء بالنسيان والتناسي والمرض والفاقة وغلبة الدين وقهر الرجال و قلة المال، ومنهم من انتحر و اضعا حداً لحياة لم يرد أن يعيشها كقطرئ بن الفجاءة:

ومالاً للمرء خير في حياة إذا ما عد من سقط المتاع

وقد وصل الأمر بالبعض للتبرؤ علناً من وصف فيلسوف حتى لا يراق دمه مثل فونت نورديغن والذي ارسل الناس و جعلهم يهتفون أنه ترك الفلسفة في عصور الظلام في أوروبا حتى لا يقتل
بتهمة التجديف.

وجاء صديقي الفيلسوف الماركسي الفرنسي التوسير ليقول إن الفلسفة لم تعد مخولة لإنتاج الحقائق، وأن الموضوع هو صراع طبقي يحركه الاقتصاد ونزاع الطبقات وحول بذلك الأمر الى سياسي وجدلي وثوري بدلا عًن النظرة المحايدة والمعبرة عن الواقع بصورة أكثر صدقا.ً

و صار العلم عند البعض هو ما نعرف وإما الفلسفة فهي ما لا نعرف، و لعل الناس في هذه البلاد فلاسفة بالفطرة، في الشارع وفي المقاهي وملاعب الكرة، و لكن القليل منا يعرف، بل ويخاف أن يبوح بأنه يعرف. و هذا ما يجعلنا نتمنى أن لا نعرف، و ننكر ما نعرف، وعزاؤنا الوحيد أنهم أيضا يعرفون!!

الجريدة





تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 235

خدمات المحتوى


بروفيسور/ علي بلدو
بروفيسور/ علي بلدو

مساحة اعلانية




الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.
Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2024 alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة