المقالات
السياسة
يوسف فتاكي: للصوت رشاقة النخيل
يوسف فتاكي: للصوت رشاقة النخيل
12-12-2018 11:38 PM






(هذه الحلقة الثانية والأخيرة عن زيارتي لمدينة ياي في 1980. ونزلت فيها ضيفاً على الموسيقار إسماعيل واني. وكنت عرفت واني، عميد فرقة الرجاف للجاز، في الخرطوم في 1969 حين ارتبط بتنظيم أبادماك للكتاب والفنانين التقدميين الذي كان لي شرف أمانته العامة. وكنت قلت في مقالي الأول إنني قرأت للأستاذ كمال محمد عبد الله، العارف بالجنوب، نعياً للمرحوم الفنان يوسف فتاكي صاحب "ياي بلدينا" (2 إبريل 2004). وذكرت لقائي به في ياي بصحبة إسماعيل واني)

زرت المرحوم الفنان القارئ العابد يوسف فتاكي في ياي في يوليو 1980. وكان لقائي به في إطار انشغال بمعرفة مواقع وممارسات الدين في الجنوب. فقد كانت سياسية الدين أو دين السياسة قد أخذ بلب الصفوة الشمالية الحاكمة بعد المصالحة في 1977 الخرطوم. ولم تتحوط الصفوة التي مكن لها نميري لحساسية المسألة في وطن ووحدته الوطنية معلقة بسبيبة اتفاقية اديس أبابا. وأعجبت الإسلاميين كثرتهم فأصموا آذانهم مما كان يكتبه السيد بونا ملوال بمسئولية في "سوداناو" بمثابة تحذير من الغلو في السياسة الدينية. ولذا انتهزت فرصة زيارة الجنوب لملامسة مسالة الدين علي الطبيعة. فقد وجدت في مذكراتي عن زيارة الجنوب انني تحدثت الي دعاة مسيحيين مثل السيد أبوديا أكايا الذي قال إنه "يشتغل لربنا". وزرت كنيسة كنيي على طريق جوبا-ياي. ووقفت عند تراتيلها وطقوسها. كما أخذت علماً بحركة البراكيلا "الطالبانية" المسيحية التي زحفت الي الجنوب من أوغندا. وتتبعت أسبار تقليدية أخري. واستغرقني صمت جامع حسين لورو في الطريق الي ياي.

سألت إسماعيل واني أن يأخذني لزيارة المرحوم يوسف فتاكي. وصرفت سائق العربة التي وفرها لي الأستاذ لورنس مودي مدير مصلحة الثقافة في جوبا. وهو رجل رقيق الحاشية أديب كثير الفضل. وقلت لإسماعيل لنسر راجلين طالما كان منزل المرحوم فركة كعب. وبد لي فيما بعد أن إسماعيل لم يرتح لفكرة المشي على القدمين لرجل في منزلتي له بالحكومة سبب قوي. وحين اجتزت عتبة دار فتاكي طرق مسمعي تلاوة القرآن من صبية من خلوة بالداخل. الله. هذا الصوت أعرفه ويعرفني كما قال شاعر المؤتمر علي نور. للصوت رشاقة النخلة ولمعة الصحراء وأشواقها الكظيمة. فما الذي سربه الي الغاب وكيف تندي بخضرتها الأبدية؟

واستقبلنا المرحوم في ردهة المنزل. وأذكر (لو اذكر) أنه كان أميل الي العلو وجسامة الجسم. وفيه وداعة المعلم. وقدمني إسماعيل للمرحوم بتفخيم وتقعيد قال: "هذا أستاذ في الجامعة. عربيته معاهو ولكن السواق شارب شوية ما كان لازم يسوق". وكلما تذكرت تهافت الأفندية على عربات الدولة مثني وثلاث ورباع تذكرت إسماعيل الذي قَرّ في ذهنه (وذهن غمار الناس كافة) أن الحكومة لا ينبغي ان تشاهد سابلة أو "أقروب" كما تقول عرب السودان.

نمت شجرة القرآن عند آل فتاكي من بذرة غرستها التركية بين جند أمين باشا الذي كان حاكماً للاستوائية عند اندلاع المهدية. وقد اضطرته المهدية للانسحاب بجنوده الي أوغندا. وهذا أساس إسلام شعب النوب في أوغندا الذين جاء منهم أيدي أمين. وكان فتاكي الوالد او الجد من ضمن اولئك الجنود. ولما قضي الإنجليز على المهدية عاد الشيخ فتاكي(1880-1958) من أوغندا الي موطنه ياي مزارعاً وداعية للإسلام قوي العارضة هجومياً. وكان بينه وبين مفتش المركز الإنجليزي بعض مخاشنة. فقد سألت الكنيسة مفتش المركز أن يأمره بوقف دق نوبته الصوفية. وردا للصاع حمل نوبته ودقها في حوش الكنيسة. وسأله المفتش عما يريد فقال أمواس أطهر بها كل القوم من حولي. كما كان الشيخ فتاكي ختمياً اخذ الطريق علي السيد علي. وقد سجلت له نماذج من مدائحه بصوت ابنه وكورس من احفاد الشيخ. أودعتها المكتبة الصوتية لمعهد الدراسات الأفريقية والاسيوية.

أما يوسف نفسه فهو من مواليد 1938 وهو مزارع وممثل للشؤون الدينية ومأذون وخليفة للختمية. وقد حكي عن أيامه الهايصة ك"طمبرابي"، في قول إسماعيل حسنن، في الستينات. وهي الليالي التي ذكرها له الأستاذ كمال عبد الله البدوي في نعيه بالصحافة. فقد خرج كمال يوماً مسحوراً بصوته الذي شق عنان ياي الغَنّاء ووجده يغني في الحلقة تغلفه حسان الكاكاو والكوكو طيات بعد طيات:

ياي. . . ياي. . . أم بردين

خبر مشي لكومنداي

قال لي أسه إينو

أو اي تواي برندا

أديدا . . اديدا

وقد طاف المرحوم بالجنوب على عربات الجيش مراراً يغني في الليالي الساهرة. وذكر أنه تعرض الي حوادث طريق عديدة. وكان والده يهاديه ويهديه الي أن ينفض عنه طريق الغناء الي طريق ربه. ويبدو أنه أفاق الي الخطر المحدق بحياته من جراء هذا السفر المخمور بعد حادثة كادت تؤدي بحياته. فجاء طائعاً مختاراً الي طريق والده واستلم الخلوة.

حين انصرفنا كان هدي القرآن يخرج من شقوق الطين، وخصلات سقف قش الخلوة. وشيخنا يوسف فتاكي قائم بالأمر كالسيف وحده. وكانت الخرطوم في عزة من إسلامها المستجد لنميري. ولم تستعد بعد لمسيرتها المليونية لتطبيق شرع الله.

رحم الله يوسف فتاكي غني فأزال صدي النفوس ورتل القرآن وعلمه . . . في الوحشة.

السيرة الذاتية للفنان يوسف فتاكي

أعدها كمال رحمة الله

By

الاسم بالكامل: يوسف فتاكي بانقلي جاندا

تاريخ الميلاد: 1933

القبيلة: كاكوا

القرية: قولومبي

التعليم: مدرسة ياي الأولية

الحالة الاجتماعية: خلال حياته تزوج ب (7) نساء أنجب منهن (11) ولدا و(10) بنات. من أبنائه حكيم، رمضان، قاسم، خلفان ورجب ومن بناته عزيزة، كريمة، مكة، زلفة، وصيامة.

كون فرقة غنائية استعراضية في خمسينيات القرن الماضي وحاز على ميدالية برونزية.
من أشهر أغانيه: ياي بلدنا؛ يا لواء أمسكو بلد كويس؛ سوداننا وطننا؛ أمباري أنا يا نادي إيتا.
اعتزل الغناء في أواخر السبعينيات وأوائل الثمانينيات.
اتجه لتعليم أصول الدين الاسلامي والشريعة والفقه في خلاوي منطقة ياي وتولى أمامة المسجد بعد مغادرة والده ليوغندا وكان والده. فتاكي بانقلي جاندا أول من بنى مسجدا بمنطقة ياي.

توفي بمدينة جوبا في 18/12/2004

[email protected]





تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 524

خدمات المحتوى


عبد الله علي إبراهيم
عبد الله علي إبراهيم

مساحة اعلانية




الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.
Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2022 alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة