المقالات
السياسة
العَقْلَانِيَّةُ.. حَتْفَ أَنْفِ الخِفَّةِ والاسْتِخْفَاف..!!
العَقْلَانِيَّةُ.. حَتْفَ أَنْفِ الخِفَّةِ والاسْتِخْفَاف..!!
12-15-2018 09:48 PM



ورقة مستعادة من رُزنامة قديمة

أعادتني إلى هذه الرُزنامة القديمة مقالة مخدومة خطها يراع صديقنا المفكر الكاتب عبد العزيز حسين الصَّاوي، بعنوان "دراسة جديده حول تراث العقلانيَّة سودانيَّاً"، وقدَّم، من خلالها، "دراسة استطلاعيَّة" حول "عقلانيَّة" الصَّحفي الأوَّل حسين شريف "في تجلياتها المبكِّرة" على حدِّ تعبيره. وكان ساءني أن وجدت، قبل فترة، بعض "خفاف أفنديَّة الفكر" يسخرون من مفهوم "العقلانيَّة"، ومصطلحها، ويتَّخذونهما هزؤاً، والعياذ بالله!

إستند الصَّاوي في مقالته، بالأساس، إلى كتاب "فجر الصَّحوة الوطنيَّة" الذي جمعت فيه الأستاذة حفيَّة مامون حسين شريف 15 من مقالات جدِّها، وأعدَّتها للنشر تحت إشرافها، فخلص إلى ما تضمَّنته من مسائل لم تكن وليدة الصُّدفة، أو عفو الخاطر، وإنما نبتاً طبيعيَّاً من عقليَّة خصبة بآراء سابقة لزمنها، فضلاً عن السَّبق الزَّمني، أيضاً، في ما يتَّصل بالدَّعوة إلى مبادرة "الخرِّيجين".

الشَّاهد أن الصَّاوي استخدم، في دراسته، مفهوم ومصطلح "العقلانيَّة" كمقوم رئيس لمفهوم ومصطلح "الاستنارة". وبهذين المفهومين والمصطلحين نفذ إلى قضيَّة "النَّهضة" كما تظهر من خلال كتابات الصَّحفي الأوَّل حول "الدِّين"، و"المرأة"، و"التَّعليم"، بالإضافة إلى "الدِّيموقراطيَّة" التي يُعتبر الكاتب السُّوداني الأوَّل الذي يعرض لها، علماً بأن التَّحليلات المستقبليَّة أثبتت أنها ما لبثت أن أصبحت رمَّانة الميزان بالنِّسبة لإشكاليَّة الاستقلال السِّياسي.

ما أعادني، إذن، في مقالة الصَّاوي، إلى رُزنامتي القديمة هذه، هو أنني ما أزال عند رأيي في كون الخلط والتخليط الفكريَّين اللذين ما ننفكُّ نمارسهما بدارج استخداماتنا السُّودانيَّة الكثيفة لمصطلحي "العلمانيَّة" و"الدِّيموقراطيَّة"، بالتبادل exchangeably، هما سبب أكثر الالتباسات السِّياسيَّة التي نعاني من ويلاتها حين نستخدم "الأوَّل" لوصف تيَّار بعينه يشكل "الثَّاني" أهمَّ مطلوباته، سواء في "مركز" الثِّقل المستعرب المسلم في "شمال" البلاد النيلي، أم في "هامشها"، وبالاخص "جنوبها"، حيث الثقل المسيحي والأرواحي.

وبما أن تعريف "الدِّيموقراطيَّة" قد انحسم، سودانياً، أو كاد، من خلال وقائع الصِّراع السِّياسي الطويل في بلادنا، بحيث آلت إلى افتضاح جهير كلُّ محاولة للحجاج بأن المقصود أيُّ شئ آخر سوى الاقرار بالتَّعدُّد، والتَّنوُّع، واحترام الآخر، والحريَّات العامَّة، والحقوق الأساسيَّة، وسيادة حكم القانون، والتَّداول السِّلمي للسُّلطة عبر صناديق الاقتراع، في انتخابات حرَّة ونزيهة، ومراقبة محليَّاً ودوليَّاً، فإن المقاربة الصَّحيحة لإشكاليَّة "العلمانيَّة" لا بُدَّ أن تبدأ من ملاحظة معرفيَّة غاية في البساطة، فحواها أن لكلِّ ثقافة وحضارة "عقلانيَّتها" الخاصَّة، وأن "العلمانيَّة secularism"، أو "اللائكيَّة laicisme" فى طورها الفرنسي الخاص، مفهوم محدَّد أنتجه الفكر البرجوازي الأوربِّي، مطلع عصر الحداثة بحقبه الثلاث (النهضة ـ الإصلاح الدينى ـ التنوير)، بدلالة تحرير "السُّلطة الزَّمنيَّة" من قبضة "الكنيسة"، تحت التأثير المباشر لفلسفة "الأنوار" التي رتَّبت لواقع فكري جديد هيَّأ لصعود مناهج مغايرة في الفلسفة خارج إطار اللاهوت. "العلمانيَّة"، والأمر كذلك، أدنى لأن تتمظهر باعتبارها "عقلانيَّة أوروبا rationalism" الحداثيَّة، ومنجزها الحضاري التَّاريخي، بحيث تكرَّست كأسلوب في التَّفكير والتَّفلسف ينطلق من فرضيَّة محدَّدة مفادها أن "العقل" الانساني قادر على إنتاج المحاكمات الواعية لمختلف الظاهرات وتعليلها، سواء في الحياة اليوميَّة، أم في الممارسة المعرفيَّة. ولا نغفل أن أغلب الفلسفات الغربيَّة الرَّاهنة تعود بجذورها إلى الفلسفات اليونانيَّة والرُّومانيَّة القديمة، ثم تطورت عند فلاسفة الإلحاد البرجوازي الذين سعوا لتجاوز الدِّين، خلال القرنين الثَّامن عشر والتَّاسع عشر، كلودفيغ فويرباخ، مثلاً، والذي جعل من نقد الدِّين عمله الأساسى. ونشير، خصوصاً، إلى "الوضعية positivism" باعتبارها الأكثر تأثيراً على حركة العلم والثَّقافة في الغرب اليوم، ومنذ أول نشأتها في مطلع القرن التَّاسع عشر، وتطوُّرها في خواتيمه ومطالع القرن العشرين، في مرحلة "الوضعيَّة الثَّانية" أو "مذهب نقد التَّجربة"، ثمَّ تطوُّرها خلال النصف الأول من القرن العشرين، فى مرحلة "الوضعيَّة الجَّديدة" أو "الوضعيَّة المنطقيَّة" أو "التَّجريبيَّة المنطقيَّة". أمَّا "الماركسيَّة"، فمع تشكُّلها في رحم "العقلانيَّة الغربيَّة"، إلا أنها انتقدت مغالاتها في قدرة "العقل" على تجاوز المعطيات المباشرة للتَّجربة الحسِّيَّة، وإسقاطها لأهميَّة تجربة "الحواس".

ما يهمُّنا هنا، بوجه خاص، هو أن جميع هذه الفلسفات المعاصرة مشدودة، على نحو أو آخر، إلى ملابسات الصِّراع الذى بلور "عقلانيَّة الغرب"، وأنتج مفاهيم "الحداثة" البرجوازيَّة بين القرنين السَّادس عشر والثَّامن عشر، ومن بينها "العلمانيَّة"، دون أن نغفل أن الأخيرة، برغم كونها جنين "العقلانيَّة" الأوروبيَّة الوضعيَّة الطالعة من رماد حرب ضروس بين "إكليروس" زعم النيابة عن السَّماء فى الأرض، وبين "مجتمع مدني" صارع للتَّحرُّر من تلك الهيمنة، إلا أنها لم تعُد تفترض الإلحاد بالضَّرورة، أو تسعى لإقصاء الدِّين عن الحياة، كما في عصر الثَّورة الفرنسيَّة مثلاً، فقد عادت، على كل حال، لتبقى مؤمنة، كاثوليكيَّة كانت أم بروتستانتيَّة.

لكن مفهوم ومصطلح "العلمانيَّة" أسئ استخدامهما في بلادنا، حتَّى أصبحا، أو كادا يصبحان، صنوين بالكامل، لدلالة ذلك الاقصاء القديم للدِّين عن الحياة، بما لم تعد تجدي معه "المذكِّرات التفسيريَّة" فى سياق الاشتباك الذي ساد مع سؤال "الدِّين والدَّولة" من باب "السِّجال" لا "الحوار"، منذ أوَّل ظهور التَّيَّار "السُّلطوي" للإسلام السِّياسي، وحتى حلَّ قضيَّة السُّلطة، على يد حسن التُّرابي، عام 1989م لصالح مشروع "الدَّولة الدِّينيَّة"، المستحيلة إسلاميَّاً، لصالح هذا التَّيَّار، ببنائه الرَّأسي الضَّيِّق، وبمنهجه القائم في ذمِّ الخصوم السِّياسيِّين، وتلطيخ سمعتهم دينيَّاً لدى الذِّهنيَّة الرَّعويَّة السَّائدة، علاوة على اجتراره المتواصل، بلا طائل، لنظام "القيم"، عوضاً عن إنتاج نظام محدَّد لـ "المفاهيم"، كما نعى عليه فهد النَّفيسي، وذلك بسبب تطلع هذا التَّيَّار الدَّائم إلى "وضعيَّة مقدَّسة" تدرأ عنه النَّقد، وتجنِّبه الحوار، وفق ملاحظة حيدر إبراهيم!

بالمقابل نشأ الحزبان الرَّئيسان، برغم استنادهما إلى نفوذ طائفتين دينيَّتين، على "بداهة عقلانيَّة" بألا تعارض بين الإسلام وبين الدِّيموقراطيَّة البرلمانيَّة. لكنهما، في ما عدا جهود السَّيِّد الصَّادق المهدي الفقهوفكريَّة، لم يسعيا، ردحاً طويلاً من الزَّمن، لتوطين تلك "العقلانيَّة" فى "فقه" أوثق مقاربة لمسألة "الدَّولة في الإسلام"، والتَّفريق بينها وبين مسألة "الدَّولة في التَّاريخ الإسلامي"، فتركا للتَّيَّار الإسلاموي السُّلطوي أن يروِّج للتَّعارض المزعوم، جوهريَّاً، بين مفهومي "الدِّيموقراطيَّة" و"الشُّورى"!

أما الحزب الشِّيوعي الذي يغلب ثقل العنصر المستعرب المسلم على قيادته وقواعده، فبرغم انتباهته الباكرة لضرورة إعادة صياغة الإشكاليَّة من منظور "العقلانيَّة الإسلاميَّة"، واستخدامه مصطلح "العقلانيَّة" كمرادف لمصطلح "العلمانيَّة" تمييزاً لدلالة الأخيرة في سياق أدبيَّاته على نحو مغاير لدلالتها في التَّاريخ الغربي، وبرغم إلزامه نفسه، قبل ما يربو على خمسين عاماً، بالسَّعى لوضع الدِّين فى مكانه اللائق بين حركة الشُّعوب، كطاقة دفع للجَّماهير المناضلة فى سبيل الكرامة والحريَّة، وعودته مؤخراً لاقتراح مصطلح "الدَّولة المدنيَّة" بديلاً لإشكاليَّة "الدِّين والدَّولة"، إلا أنه لم يبذل تاريخيَّاً، هو الآخر، المستوى الفكري المطلوب، ولو لفضح اتهامه الجَّائر، هو نفسه، بـ "الإلحاد"، كمحض مزايدة مكشوفة عليه بين الجماهير "المؤمنة"، فى سياق التشويه المتعمَّد لحقائق الصِّراع السِّياسى فى بلادنا.

وأمَّا الحركة السِّياسيَّة فى جنوب البلاد فقد ظلت تحافظ، قبل الانفصال، ومن زاوية "عقلانيَّة" خاصَّة أيضاً، على علاقات وثيقة بمساقات السُّلطة الدِّينيَّة، وعلى رأسها مجالس الكنائس الأفريقيَّة والعالميَّة، وتفرد لها، بل وللشُّؤون الإسلاميَّة، حيِّزاً معتبراً في بنياتها التَّنظيميَّة الدَّاخليَّة، كما في مثال الحركة الشَّعبيَّة/الجَّيش الشَّعبى لتحرير السُّودان.

الشَّاهد أنه ليس فى دعاوى أىٍّ من قوى "عقلانيَّة البداهة"، سواء استخدمت مفهوم ”فصل الدِّين عن الدَّولة" نصاً، أم عدَّه المحللون ضمن خطابها الفكرى أو السِّياسي حكماً، ما يمكن اعتباره مطالبة فعليَّة تنصبُّ، قصداً وعملاً، على المعنى "العلماني" الحقيقي للاحتجاج على طابع "التَّديُّن" في الحياة العامَّة، أو الاعتراض على أيٍّ من مهام الدَّولة السُّودانيَّة، اعتباراً لـ "الدِّين"، ونهوضاً بمقتضيات "التديُّن". وبالتالى فإن مصطلح "العلمانيَّة" ليس مِمَّا يصلح لتوصيف التيار "العقلاني" في إطار الصِّراع السِّياسي أو الفكري في بلادنا.

وقد يلزمنا هنا أن نسارع لتأكيد أننا لا نصدر عن أىِّ قدر من توهُّم كوننا جزيرة معزولة عن تيَّارات الفكر الإنساني العالمي. كلُّ ما نعنيه هو ضرورة الانتباه للتَّساوق بين "المصطلح" و"تاريخه"، ومن ثمَّ وجوب أن تعي خطاباتنا السِّياسيَّة ذواتها. فقد هبَّت علينا، كما في قول بشير أبرير، بعض المفاهيم والمصطلحات من المناخات الفكريَّة لعصر "الحداثة" الأوربِّى، بتاريخانيَّته الخاصَّة، وأشراطه المحدَّدة، فتلَّقيناها بمختلف خطاباتنا، دون أن يكون في ثقافاتنا مهد ملائم لها، ودون أن تعاني مجتمعاتنا المخاض المباشر لإنتاجها، فشكَّلت لدينا مصدر خلاف إلى حدِّ التَّصادم، سواء بيننا، كجماعة مستعربة مسلمة، وبين مساكنينا من الأغيار، أم في ما بين مكوِّناتنا نحن أنفسنا كجماعة يحق لها التميُّز، ومن ثمَّ تقديم أفضل عناصر غيريَّتها إلى الآخرين.

يلزمنا أيضاً التَّفريق بين ما نرمي إليه، هنا، وبين المحاولات التى نجدها، أحياناً، فى إطار الفكر العربى المعاصر، حسب ملاحظة كريم حلاوة السَّديدة، لإيجاد مفاهيم ومصطلحات بديلة للمفاهيم والمصطلحات الغربيَّة، كحالة خاصَّة لمقاومة الفكر الغربي، مِمَّا يفتقر إلى التسويغ المعرفي، ويهدر السِّياق التَّاريخي الذي أنتج تلك المفاهيم والمصطلحات، ويقوم بعمليَّة معاوضة وهميَّة تهدف إلى تعزيز نزعة الاستغناء عن الآخر، والتخلي الطوعي عن منجزات العلم الحديث والثَّقافة الإنسانيَّة، ومواجهة التَّحدِّي الغربي بالتَّراجع والانحسار على المستوى الحضاري، وبوهم القوَّة والحماس على المستوى الواقعي، حيث تفتقر هذه الرُّؤية للغرب، بالمطلق، إلى القدرة على تحليل ونقد الآخر، تماماً كالرُّؤية التي تدعو، بالمقابل، إلى التَّبنِّي شبه التَّام لكلِّ ما هو غربي! ما نرمى إليه هو النأى عن كلي "التَّطرُّفين"، بتنمية العقل النَّقدي، وامتلاك الأدوات المعرفيَّة والمنهجيَّة الحديثة التي تمكِّننا من فهم الذَّات والآخر، حسب د. حلاوة أيضاً.

وإذن، فليس ثمَّة مناص من التَّوقُّف للمراجعة، وسكِّ المصطلحات الجَّديدة، والمفاهيم المستحدثة، وإعادة انتخاب ما قد يصلح من المصطلحات والمفاهيم الغربيَّة لتوصيف أحوالنا، وتحليلها ببصيرة نافذة، دون "الانغلاق"، من جهة، على "خصوصيَّة" مغالى في تضخيمها، تدفعنا إلى تصوُّر أنفسنا في عزلة سرمديَّة، كما ودون "الانكسار"، من جهة أخرى، بإزاء "مركزويَّة" تجعلنا نسلم بوجود نهج فكريٍّ واحد للتَّطور، هو "النَّهج الغربي"!!

[email protected]





تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 570

خدمات المحتوى


كمال الجزولي
كمال الجزولي

مساحة اعلانية




الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.
Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2024 alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة