المقالات
السياسة
كفاية – الصوت هناك مسموع
كفاية – الصوت هناك مسموع
12-17-2018 08:50 PM



شهر ديسمبر وسنة 2018 تودعنا وقد أحتشدت بالأحداث والتواريخ المهمة ، كأنها تريد أن تقول لنا ، أنكم على موعد كبير مفرح يضع حد لمعاناتكم التى تطاول ليلها وسدت عتمتها الأفق ، ففى يوم 9 ديمسبر إحتفال العالم باليوم الذى إختارته الأمم المتحدة كيوم عالمى لمكافحة الفساد ، بعد أن إعتمدت الجمعية العامة للأمم المتحدة إتفاقية مكافحة الفساد فى 31 ديسمبر من العا 2003
بلادنا السودان فى ظل نظام الإنقاذ أصبح الفساد هو الدولة يسيطر على التشريع والعدل والجهاز التنفيذى ، حتى أصبح السودان دولة كلبتوقراطية Kleptocracy State بإمتياز ، بمعنى أن السودان هو الحكومة التى تراكم الثروة الشخصية لمنسوبيها، فى مقابل إفقار الجماعة السكانية المحكومة ، فقد ورد تقرير مفصل قدمته منظمة كفاية الأمريكية عن كيلبتوقراطية النظام فى السودان ، الذى إختلس ما يزيد عن 80مليار دولار بين عامى 2000إلى 2011 ، وقد صنفت منظمة الشافية العالمية السودان الدولة 170من جملة 176 دولة فى مؤشر الفساد العالمى .
الحدث الثانى فى وداع 2018 هو اليوم العالمى لحقوق الإنسان ، الذى يقع فى العاشر من ديسمبر كل عام ، وهو مؤشر مهم لجودة الحكم ، حيث يعيش فى السودان مواطنون بلا حقوق ، فقد صادرت الإنقاذ كل الحريات والحقوق الأساسية للمواطنين بداية من حق الحياة ، و حرية التنظيم والتعبير ، والصحافة ، والحق فى الإنتخابات العادلة والحرة ، والسلطة المساءلة ذات التصرفات الشفافة ، فقد أعادت الإنقاذ السودان لدول القرون الوسطى فى التخلف حيث الحقوق للحكام، والطاعة مفروضة بإرادة مسعود السياف على رقاب المواطنين ، مما نتج عنه وضع السودان فى الكرنتينة الدولية ، وبند المراقبة الخاصة لحقوق الإنسان طوال الثلاثة عقود الماضية ، حيث إعتبرت الأمم المتحدة حكومة الإنقاذ غير مؤتمنة على سلامة مواطنيها ، نتيجة لنضال حركة حقوق الإنسان الوطنية حملت الأمم المتحدة على فتح مكتب دائم لحقوق الإنسان فى السودان ، هذا المكتب الذى يعتبر مكسب لحركة تطور حقوق الإنسان فى البلاد ، ما زالت حكومة الإنقاذ الثنية تشاور جهلها بالموافقة او الرفض .
السودان شعب عريق ذو حضارة ضاربة فى القِدم ، إن لم تكن الحضارة الإنسانية الأولى ، فهو ليس بالشعب الغر أو الخب حديث التجارب ، فقد تمرس فى مقارعة التسلط والديكتاتوريات ، منذ إطاحته حكم الجنرال إبراهيم عبود فى إكتوبر 1964 ومن بعده ، نظام مايو المباد ، حيث لِأول مرة يلتقى الشعب السودانى القوة الغاشمة Naked force وجهاً لوجه ،شهد الشعب فيها مجازر و أهوال لم يشهد لها مثيل فى تاريخه الحديث ، التصفية دون محاكمات ، الإغتيالات السياسية ، الإعتقالات المتطاولة للناشطين من كل الفئات والأحزاب ، وتعذيب فى بعض الأحداث ، نظام مايو وضع الأساس لدولة الظلم وغياب الحق فى البلاد ، فقد أسس نظام شمولى يتناسب والبيئة الإقليمية السائدة .
فى المقابل لم يستسلم الشعب السودانى ، هبة إثر هبة ، وإنتفاضة خلف إنتفاضة مدنية وعسكرية ، وإضراب يمسك طرف إضراب ، مواقف بطولية وتضحيات ضخمة ، أحزاب ونقابات وطلاب وفئات ، تواصل الضغط على النظام حتى وصل مرحلة الجنون ،و أعلن قائده نفسه خليفة للمؤمنين، واجب البيعة والطاعة ، فسارت خلفه جماعات الهوس الدينى الحاكمة اليوم، مهللين ومكبرين ، مبايعين للخليفة التائب عن المعاصى،فى أكبر مهزلة بإسم الإسلام والمسلمين
تصدى الشعب السودانى لكل هذا التهريج ببسالة وثبات كانت المعتقلات مملؤة بالشرفاء وساحات الطلاب مرجل يغلى ، والنقابات تناضل للدفاع عن حقوق منسوبيها، والأحزاب المعارضة تنسق وتدير الصراع السياسي.
تتويجاً لهذه المسيرة القاصدة نحو الحرية ، كان حُسن الختام ، إنتهت إرادة الشعب ، بتفجير ثورته الخالدة ، فى صباح 26 مارس بموكب هادر من جامعة أمدرمان الإسلامية بقيادة رئيس إتحاد الطلاب الحبيب محمد أحمد سلامة ، وألتحقت بها بقية الجامعات ، فى مقدمتها جامعة الخرطوم و رئيس إتحادها الصديق المهندس عمر الدقير ، الذى لا زال يقف على رأس السارية من أجل الحرية والكرامة لأهل السودان ، وهو يقود النشامى الأماجد فى حزب المؤتمر السودانى
إستجاب الشارع للمظاهرات وإلتحقت الأحزاب السياسية ،والحركة النقابية بمسيرة الإنتفاضة ، فكان موكب القضائية الذى توجه نحو القصر ، وتحركات صغار الضباط ، حسمت الموقف لصالح الشعب، فأعلنت القوات المسلحة الإنحياز ، وأسدلت الستار على نظام مايو البغيض، فى السادس من أبريل ، هب الشعب وهزم جلادو ، فأصبح نظام مايو المباد ورئيسه المخلوع ،عبرة لمن يقف فى وجه إرادة الشعب الغلابة التى لا قاهر لها.

لم تحقق الإنتفاضة أهدافها كاملة ، فقد تحققت الحرية، والإنعتاق من ذُل الديكتاتورية وحكم الفرد ، ولكن إرتدت الثورة ،وتقاصرت عن تحقيق أهدافها المرجوة ، لأسباب يجب بحثها ومعرفتها ، أولاً التغيير فى ختامته، سيطرت على تشكيلته القيادة العامة للقوات المسلحة فى رتبها العليا ، التى كانت تمثل قيادة النظام المباد ، إستلمت السلطة ليس إيماناً بالتغيير ، لكن للحفاظ على وحدة الجيش ، وجاءت حكومة الإنتفاضة المدنية ضعيفة ومخترقة من قوى الثورة المضاد، الفترة الإنتقالية كانت قصيرة عام واحد ، لم تتمكن الأحزاب الوطنية فيها من التحضير الجيد ، بعد فترة غياب عن النشاط العلنى ، مما فتح الطريق لتسلل قوى الردة والثورة المضادة ، لمخاضع الجماهير ، فكان حزب السدنة الحزب الثالث فى برلمان الإنتفاضة ، وكذلك غاب البرنامج الوطنى الشامل ، مما قاد للإخفاق فى تحقيق السلام الشامل بالبلاد فى الوقت المناسب ، وكذلك تشتت قوى الإنتفاضة وإنقسمت بين عدة مراكز ، تفجرت صراعات نقابية غير محسوبة أضعفت النظام الديمقراطى، ويسرت أمر الإنقضاض عليه ، من القوى المتربصة غير المؤمنة بالتغيير .
لقد أكد الشعب السودانى أن الديمقراطية القائمة على تعدد الأحزاب هى خياره الإسترتيجى لحكم البلاد ، لذلك تصدى للإنقلاب العسكرى الأول، الذى كان أوتوقراطياً وهزمه فى إكتوبر الخالدة ، وتصدى الشعب للنظام العسكرى الثانى الذى كان حكم فرد متسلط فهزمة فى أبريل ، وأعاد الشعب الحكم الديمقراطى ، وجارى التحميل للثورة الثالثة التى يستعد الشعب لوضع لمساتها الأخيرة ، لمواجهة طغمة الهوس الدينى الفاسدة ،
فالملاحظ تطور النظام الديمقراطى نحو الأفضل عقب كل إنتفاضة ، وتدهور الديكتاتورية العسكرية المتحالفة مع حزب سياسي ، مازال شعبنا يتصدر المشهد فى مقاومتة، لإلغام الإنقاذ الحجر النهائى ، وإيداعها مزبلة التاريخ حيث تستحق وتسوى ، لتصدق فيها قراءة المحللين ، ونبوءة النابهين ، فقد ذكر بعض العارفين أن هذه الجماعة لن تطلع لها على قوز أخضر ، أو كما قال الشهيد محمود محمد طة سيحيلوا نهار السودان إلى ليل وخيره لحطام ، وينتهى بأسهم بينهم ، ويقتلعوا إلى الأبد من جذورهم ، قال أحد منسوبيهم دكتور حسن مكى أ ن هذا النظام سيسقط كالثمرة الناضجة فى إشارة لتحلل الدولة فى عهدهم ، وقال السيد الصادق المهدى أن الشقاء هو طول العمر مع سوء العمل وهو حال الإنقاذيين
أختم بمقولة النور حمد أن هذا النظام من الممكن أن يسقط من ثقله ، الآن نشهد السقوط الحر للإقتصاد ، ومعالم تفسخ عُرى الدولة ، والفشل الذريع للحكم ، الذى يستحيل الإستمرار بعده .
ختامة
الشعب السودانى شعب عبقرى ، وبه كل مقومات الصمود والقوة ، وله شراسة وخبرة غير مسبوقة فى مواجهة الديكتاتوريات ، شعب محصن ضد الخضوع والذل ، لذلك لم يتمكن نظام المردة الراهن من إخضاعة أو ترويدة ،ولم يشعر الإنقلاب بالإستقرار على مدى الربع قرن المنصرم ، من جسارة المقاومة
هنا الشعب الآن يضع ملزمة الفصل الأخير لهذا التسلط ، كما قال الشاعر مرسي صالح عن شعبنا
قالو تخاذل فإندثر
ومضى فليس له أثر
قالو تملكه الحذر
ورئ السلامة فى التمنى
فإستكان إلى الخدر
قالوا سهى وقالو لهى من قالها
اليوم جاءهم الخبر
كالفجر كالبوق المدوى فى ركاب المنتصر
الشعب ليس بغافل مهما تمالك او صبر
الشعب إذا رام المحال مضى له وبه ظفر
فى هذا اليوم ، عِيدك يا جموع والخزى والعار للمتسلط والمستبد الجبار، إنه الغد الذى يضرب الأبواب بقوة ، ويرفع الآذان لصبح الخلاص ، معلناً ختام المهزلة .

حرية سلام وعدالة الثورة خيار الشعب
[email protected]





تعليقات 0 | إهداء 0 | زيارات 377

خدمات المحتوى


صلاح جلال
صلاح جلال

مساحة اعلانية




الرئيسة |المقالات |الأخبار |الصور |راسلنا | للأعلى


المشاركات والآراء المنشورة في صحيفة الراكوبة سواء كانت بأسماء حقيقية أو مستعارة لا تـمـثـل بالضرورة الرأي الرسمي لإدارة الموقع بل تـمـثـل وجهة نظر كاتبيها.
Powered by Dimofinf cms Version 3.0.0
Copyright© Dimensions Of Information Inc.
Copyright © 2024 alrakoba.net - All rights reserved

صحيفة الراكوبة